

إذ عاد تباطؤ المحكمة الجنائية الدولية الفاضح في التحقيق بشأن جرائم (إسرائيل) في فلسطين للضوء في ظل التقارير الإعلامية الصهيونية، بشأن احتمال صدور مذكرات اعتقال بحق مسؤوليين صهاينة على رأسهم رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يوآف غالانت.
وبينما تحاول وسائل الإعلام الصهيوني تصوير هذا التحرك المحتمل باعتباره مفاجئة أو أمراً غريباً، فإن الغريب حقاً هو تلكؤ الجنائية الدولية في التعامل مع جرائم الحرب الصهيونية في فلسطين خاصة الأخيرة في غزة رغم أنها الأكثر تسجيلاً في العصر الحديث علماً بأن المحكمة الجنائية الدولية فتحت قبل سنوات تحقيقاً، في جرائم (إسرائيل) في حرب غزة التي وقعت في عام 2014، كما طلبت خمس دول فتح تحقيق في حرب غزة الحالية.
ولكن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم يُظهر معايير مزدوجة واضحة عند التعامل مع الوضع في فلسطين، خاصة إذا ما قورن بحرب أوكرانيا، حسب وصف تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان.
تحت ضغط من منظمات حقوقية فلسطينية، جاءت المحاولة الأولى للسلطة الفلسطينية للتوجُّه إلى المحكمة الجنائية الدولية- أي القول بأنها تعترف باختصاص المحكمة الجنائية الدولية في أراضي 1967- في كانون الثاني/ يناير 2009 مباشرةً بعد أول هجومٍ كبير ل(إسرائيل) على غزة في شتاء 2008-2009.
ونظر المدَّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية آنذاك في الطلب لأكثر من ثلاث سنوات، وفي نيسان/أبريل 2012 حكم أنه وفقاً لميثاق روما الأساسي (مصدر سلطة المحكمة) لا يمكن إلا لدولةٍ قبول اختصاص المحكمة، أي رفض طلب فلسطين.
ولكن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2012، صدر قرار تاريخي من الأمم المتحدة بمنح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو بعد تصويت حيث صوتت 138 دولة لصالح الطلب الفلسطيني، بينما عارضته 9 دول، وامتنعت 41 دولة عن التصويت.
وفي عام 2014، سلمت السلطة الفلسطينية المحكمة الجنائية عام 2014 ملفات حول جرائم صهيونية متعددة في حرب (إسرائيل) على غزة في العام نفسه، ثم فتحت الجنائية تحقيقاً أولياً في عام 2015.
وبناء على نيلها صفة الدولة المراقب في الأمم المتحدة، انضمت فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2015، لتصبح العضو الـ123 بالمحكمة التي تأسست عام 2002.
وفي عام 2021 صادقت المحكمة على فتح التحقيق المبدئي بشأن ارتكاب "جرائم حرب إسرائيلية" في الأراضي الفلسطينية، بعدما أعلنت أن "فلسطين دولة في نظام روما الأساسي للمحكمة".
في ذلك الوقت، بدأت المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا التحقيق مع ضمان الانتهاء منه في "الوقت المناسب" قبل أن تعدل بيانها، مشيرة إلى تحديات تواجه التحقيق مثل الموارد المحدودة وعبء العمل الثقيل الواقع على عاتق المدعين العامين. وأضافت لاحقاً تأثير جائحة فيروس كورونا، على الرغم من أن التحقيق الأولي للمحكمة الجنائية الدولية قد بدأ قبل أربع سنوات من ظهور فيروس كورونا، حسبما ورد في تقرير لموقع Middle East Monitor الأميركي.
بدأ المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية البريطاني الجنسية كريم خان التحقيق في الجرائم المستقبلية المحتملة في أوكرانيا خلال 24 ساعة من الحرب.
ومن اللافت للنظر أن مكتبه كان لديه كل الموارد اللازمة لإنهاء هذا التحقيق وإصدار أوامر اعتقال ضد المسؤولين الروس بعد عام واحد.
وفي تناقض صارخ، أمضى خان وسلفه في المحكمة الجنائية الدولية ما يقرب من 10 سنوات وما زالوا غير قادرين على الانتهاء من التحقيق في الجرائم الماضية التي وثقتها المحكمة الجنائية الدولية في فلسطين.
ورغم أن الوضع في فلسطين يشكل أحد السياقات الأكثر توثيقاً على نطاق واسع لارتكاب جرائم دولية مزعومة. فلقد استغرق الأمر 23 يوماً منذ هجمات حماس وسقوط (1.139 قتيلاً في إسرائيل و8.005 "قتلى" في غزة، من بينهم 3.324 طفلاً)، لاتخاذ الجنائية الدولية إجراءات مباشرة وعلنية بشأن الوضع في فلسطين.
وقام المدعي العام كريم خان في 29 تشرين الأول/ اكتوبر بزيارة معبر رفح بين غزة ومصر، وكانت هذه خطوة موضع ترحيب ومطلوبة بشدة. ومع ذلك، فإن تصرفات المدعي العام أثارت مخاوف جدية من أن اختياره المحتمل للقضايا في المستقبل سوف يشكل مثالاً آخر على ممارسة الانتقائية والمعايير المزدوجة التي تعرضت لانتقادات واسعة النطاق في المحكمة الجنائية الدولية، حسبما قال تريستينو مارينييلو أستاذ القانون في جامعة ليفربول جون مورس البريطانية وعضو الفريق القانوني الذي يمثل ضحايا غزة أمام المحكمة الجنائية الدولية في مقال بمدونة opiniojuris الرائدة في مجال القانون الدولي.
وفي حين أن المدعي العام لم يستغرق سوى عام واحد لتحديد الحالات الملموسة في أوكرانيا، فإنه لم يطلب أي أوامر اعتقال أو استدعاء فيما يتعلق بفلسطين و(إسرائيل) خلال العامين والنصف منذ أدى اليمين الدستورية في 16 حزيران/يونيو 2021، وارثاً تحقيقاً مفتوحاً في الوضع في فلسطين من سلفه.
وتشير كثير من الأمور إلى أن الوضع الفلسطيني لم يكن أولوية بالنسبة لخان قبل تشرين الأول/ اكتوبر 2023.
فبعد بداية الغزو الروسي واسع النطاق، قام خان بعدة زيارات إلى أوكرانيا، وحضر مؤتمرات صحفية، وافتتح أكبر مكتب ميداني للمحكمة، ونشر 42 محققاً، وفتح بوابة إلكترونية لجمع الأدلة، وجمع مبالغ غير مسبوقة من التمويل من دول مختلفة. وكانت هذه هي نفس الإجراءات التي تطالب بها جماعات حقوق الإنسان الفلسطينية منذ فترة، ولكن دون جدوى.
ووفقاً لمنظمات المجتمع المدني في فلسطين، وعلى الرغم من الطلبات المتكررة لالتزام مماثل بالمساءلة، فإن المدعي العام "لم يسع مطلقاً للحصول على أموال خارجية لتحقيق المحكمة الجنائية الدولية في فلسطين، ولم يتحدث مطلقاً عن "مسرح جريمة".. ولم يسعَ قط لزيارة فلسطين".
هناك علامة أخرى على شلل المحكمة فيما يتعلق بالوضع الفلسطيني وهي تخصيص الموارد حيث لم يخصص مكتب المدعي العام أي أموال للوضع في فلسطين في عام 2022، وفي عام 2023 خصص خان أقل ميزانية (944.1 ألف يورو) بين جميع التحقيقات الجارية للتحقيق في فلسطين (خمس الميزانية البالغة 4.499.8 ألف يورو المخصصة لأوكرانيا وربع الميزانية البالغة 3.506.3 ألف يورو للسودان، ونصف الميزانية البالغة 1.917.8 ألف يورو للفلبين).
علاوة على ذلك، وعلى النقيض من سلفه فاتو بنسودا، فشل المدعي العام الحالي أيضاً في إصدار أي بيان وقائي بشأن حرب غزة (بيان يحذر من جرائم محتملة).
بجانب التحقيق الذي يتعلق بحرب غزة 2014، فإن خمس دول – هي جنوب أفريقيا وبنغلاديش وبوليفيا وجزر القمر وجيبوتي – قدمت إحالة للتحقيق في الجرائم المحتملة التي ترتكبها (إسرائيل) في غزة.
وتحرك المدعي متأخراً بشكل كبير مقارنة بسرعة تحركه في حال حرب أوكرانيا، فحتى 17 تشرين الثاني/ نوفمبر، بلغ عدد الفلسطينيين الذين قتلوا في غزة 11.500 شخص، وهو رقم أعلى 30 مرة من عدد القتلى الأوكرانيين عندما بدأ خان تحقيقاً كاملاً للمحكمة الجنائية الدولية ضد روسيا.
علاوة على ذلك، فعند النظر إلى النسبة إلى عدد السكان، فإن عدد القتلى في غزة كان أعلى بنحو 482 مرة من نظيره في أوكرانيا في ذلك الوقت، وفي الوقت الحالي فإن نسبة عدد القتلى لعدد سكان غزة قد تصل إلى أكثر من ألف مرة من أوكرانيا.
ومع ذلك، عندما سُئل عن إحالة الدول الخمس فيما يتعلق بالجرائم الصهيونية، تجنب خان الرد المباشر، وذكر عرضاً أن مكتبه كان يحقق بشكل فعال: "الجرائم المرتكبة منذ يونيو/حزيران 2014 في غزة والضفة الغربية".
يُشار إلى أنه قبل مؤتمره الصحفي في القاهرة، زار خان معبر رفح الحدودي بين فلسطين ومصر في نهاية أكتوبر/تشرين الأول 2023 وقد شاهد بنفسه آلاف شاحنات الغذاء والإمدادات الطبية والمياه والوقود التي منعت من دخول غزة. ولاحظ وهو في مقعده الأمامي نتائج قرارات وزير الحرب الصهيوني يوآف غالانت عندما أمر بفرض حصار كامل على غزة: "… لا كهرباء، لا طعام، لا وقود، كل شيء مغلق".
وشهد خان، على أرض الواقع، النية الواضحة لتجويع السكان الذين أهانهم غالانت، الذي أشار إلى الفلسطينيين على أنهم "حيوانات بشرية"، للقتل والتجويع، حسب تقرير موقع Middle East Monitor.
وبحلول تلك المرحلة، كانت غزة قد عانت بالفعل من حصار المجاعة لمدة خمسة أسابيع.
على رغم عدم وجود مؤشرات لسعي روسيا لتدمير وجود الأوكرانيين كجماعة بشرية متماسكة تم تعيين المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في الجرائم المستقبلية الوشيكة.
ولكن على العكس من أوكرانيا بدا أن القصد من حرب غزة هو "فرض ظروف معيشية متعمدة تهدف إلى التدمير الجسدي للجماعة" – وهي عبارة حرفية استخدمتها المحكمة الجنائية الدولية سابقاً في اتهام أفراد سودانيين بارتكاب جرائم حرب في دارفور، وفقاً لتقرير موقع Middle East Monitor الأميركي.
ومن المفترض أن يكون المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية على علم بنوايا وأفعال محددة، وليس مجرد جرائم تخمينية، لأن كثيراً من المسؤولين الصهاينة صرحوا علانية بنياتهم لارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.
وتجلى ذلك بشكل واضح في رد الرئيس الصهيوني إسحاق هرتزوغ على الصحفيين، حيث ذكر أن جميع الناس في غزة هم أهداف عسكرية مشروعة، مؤكداً أن "الأمة بأكملها هي المسؤولة".
وفي 14 نتشرين الثاني/ نوفمبر، اقترح وزير المالية الصهيوني بتسلئيل سموتريتش إخلاءً "طوعياً" لسكان غزة، وهو تعبير ملطف لعبارة "الترانسفير". وتتوافق هذه النية المعلنة صراحة مع تهم "الجرائم ضد الإنسانية"، وتحديداً "النقل القسري للسكان" – وهي اللغة التي كانت بمثابة الأساس لتهم المدعي العام في قضية جرائم الحرب ضد المسؤولين السودانيين.
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، التقى المدعي العام للمحكمة ب"الضحايا" الصهاينة لهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول ومحاميهم في لاهاي. وجاءت زيارته اللاحقة ل(إسرائيل) في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر "بناء على طلب ودعوة" (الضحايا الإسرائيليين)".
ويعلق أستاذ القانون تريستينو مارينييلو قائلاً إن استعداد المدعي العام كريم خان لمقابلة ضحايا الجرائم الدولية المزعومة ومحاميهم على الفور هو بالضبط ما يتوقعه المرء من المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية.
ومع ذلك، فإن استجابته السريعة الجديرة بالثناء لطلبات مجموعة واحدة من الضحايا (الإسرائيليين)، وليس المجموعة الأخرى التي طلبت الاجتماع أيضاً، أمر محير. وقد يبدو الأمر وكأن المدعي العام قد قام، عن قصد أو بغير قصد، بالتمييز بين الضحايا على أساس جنسيتهم أو أصلهم العرقي.
إن التناقض بين اللقاءات السريعة بين المدعي العام و"الضحايا" الصهاينة، وعدم رغبته السابقة المستمرة في مقابلة الضحايا الفلسطينيين، وممثليهم القانونيين، وجماعات حقوق الإنسان الفلسطينية، لا بد أن يثير مخاوف جدية. والتناقض صارخ أيضاً مع النهج الذي اعتمدته المدعية العامة السابقة فاتو بنسودة. لقد تعاملت بشكل بناء مع مجموعات حقوق الإنسان الفلسطينية التي تعاونت مع مكتبها.
ومع ذلك، رفض المدعي العام الحالي خان مكالمات الضحايا الفلسطينيين وممثليهم القانونيين، الذين طلبوا مراراً وتكراراً عقد اجتماعات معه. ولهذا السبب، اتخذت جماعات حقوق الإنسان الفلسطينية خطوة غير مسبوقة بعدم مقابلة المدعي العام في رام الله مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2023 حيث التقى بمسؤولي السلطة الفلسطينية.
وخلال زيارته لمصر في 29 تشرين الأول/ اكتوبر، لم يلتقِ المدعي العام بالضحايا الفلسطينيين النازحين من غزة. وعندما قرر خان أخيراً التحدث مع الضحايا الفلسطينيين في 2 كانون الأول/ ديسمبر، تحولت توقعات الضحايا على الفور إلى خيبة أمل. وكان المدعي العام قد خطط لتخصيص 10 دقائق فقط للاستماع إلى قصص عشرات الفلسطينيين، بما في ذلك امرأة فقدت 30 من أفراد أسرتها، قُتلوا بسبب القصف الإسرائيلي في غزة، حسب عضو فريق الدفاع عن ضحايا حرب غزة.
فبينما زار المدعي العام في (إسرائيل) المناطق التي وقعت فيها هجمات حماس، رفض خان في فلسطين زيارة أي من مئات المستوطنات ونقاط التفتيش الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية المحتلة.
ورغم مزاعم المحكمة الجنائية الدولية، بأنها مستقلة، ولكن الواقع أنها خاضعة بشكل كبير للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأميركية، وبينما هناك أدوات ضغط كثيرة في يد واشنطن للتأثير عليها بعضها قد لا يكون غير معروف، ولكنها بعضها معلن، إذ سبق أن فرضت واشنطن عقوبات على المدعية العامة السابقة فاتو بنسودة وموظفين آخرين بالمحكمة، شملت تجميد أصولهم وحظر السفر عليهم، بسبب التحقيقات في جرائم الحرب التي ارتكبتها قوات التحالف الغربي في أفغانستان وقوات الاحتلال الصهيونية في فلسطين.
وقال وزير الخارجية أنطوني بلينكن في تصريح أدلى به في نيسان/أبريل 2021، لدى إعلان واشنطن إنهاء هذه العقوبات التي فرضتها إدارة ترامب السابقة إن الولايات المتحدة لا تزال "تختلف بشدة مع إجراءات المحكمة الجنائية الدولية فيما يتعلق بالوضعين الأفغاني والفلسطيني"، وتعترض على جهود المحكمة الجنائية الدولية لتأكيد الولاية القضائية على الولايات المتحدة و(إسرائيل)، وهما ليسا عضوين في المحكمة.
يؤشر كل ما سبق إلى أن المحكمة تكاد تتحول إلى أداة في يد الدول الغربية، ولذلك يجب الحذر من التقارير الإعلامية الصهيونية بشأن احتمال إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين صهاينة، وقد يكون ذلك نتيجة مبالغة إعلامية أو قد تكون في إطار محاولات للضغط من قبل الإدارة الأميركية على رئيس الوزراء الصهيوني بينامين نتنياهو، وبالفعل فإن صحيفة معاريف الصهيونية ذكرت أنه لا يمكن أن يحدث ذلك بدون موافقة واشنطن.