

معلومٌ أن مقتدى الصدر هو، وليس غيره، من دعا إلى اعتماد هذه المناسبة عيداً رسمياً في عموم البلاد وليس يوماً شعبياً محصورٌ الاحتفال به في صفوفِ طائفةٍ معينةٍ أو بعضٍ منها فحسب كما كان الأمر عليه طيلة العقدين الماضيين التاليين لغزو العراق واحتلاله سنة 2003.
وحتى يأخذ هذا الموضوع صفته الرسمية المقنّنة كان لابدَّ له أن يمرَّ من بوابة البرلمان، ويُشرّع بقانونٍ يكتسب صيغةً إلزاميةً لكل العراقيين، رغماً عنهم، حتى لا يبقى مجرد دعوةٍ مقتدائيةٍ هائمةٍ في الفضاء الغوغائي.
ومعلومٌ أن مقتدى سحب تياره من مجلس النهّاب (البرلمان) منذ أكثر من سنتين.
فكيف أُدرج هذا الموضوع ضمن مشروع قانون العطل والأعياد الذي صوّت عليه المجلس قبل أيام؟!
ومن الذي تبنّى هذا المقترح المقتدائي وحمله من الفضاء الغوغائي وتقدّم به إلى رئاسة المجلس حيث التيار الصدري غير ممثّلٍ في (البرلمان)؟!
الإجابة الوحيدة لهذين السؤالين هي أن أعضاء المجلس التابعين لأطراف الإطار التنسيقي، كلّهم أو بعضٌ منهم على الأقل، هم من تقدّم به لرئاسة المجلس لإدراجه ضمن جدول أعمال البرلمان، مستغلّين وجود صنيعتهم محسن المندلاوي في منصب الرئاسة حالياً، مع الهوان المُريع لمن يدّعي تمثيل العرب السنة سياسياً سواءً في هذا المجلس أو خارجه.
وحتى إن كان بعض الإطاريين فقط هم من تقدّم بهذا المقترح، فإن المؤكد أنهم جميعاً صوّتوا عليه بالموافقة، وأنهم جميعاً لم يُحجموا عن الترويج له قبل إقراره، وأنهم جميعاً عبّروا عن الفرح به بعد ذلك.
غير أن هذه الحقيقة، التي لا مناص من الاعتراف بها، تصطدم بفكرةٍ شائعةٍ كثيراً مفادها أن بين الإطاريين والصدريين صراعٌ وقطيعةٌ وخلافٌ جذريٌ عميقٌ في المواقف والسياسات، فكيف حدث هذا إذاً؟! ولماذا حدث أصلا؟!
بل لماذا يتقدّم الإطاريون بخطوةٍ تجعل من مقتدى (بطلاً) في نظر (الشيعة) باعتباره هو من جعل إقرار مفهوم الولاية والوصاية بشكل رسمي واقعاً في العراق؛ بكل ما يحمله هذا الإعلان من معانٍ ودلالاتٍ رمزيةٍ للطائفة من جهة، وصبغةٍ لهوية البلاد بالمجمل من جهة ثانية؟!
الحفاظ على "سلطة الطائفة" أسمى بكثيرٍ جداً من أيّ اعتبارٍ آخر عند جميع الأطراف الممثّلة للتشيع السياسي في العراق، فالجميع (جنودٌ) منذورون لتحقيق "سلطة الطائفة" أو تسلّطها في الحقيقة.
الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة هي:
وهكذا سيحصل كلّ طرفٍ من أطراف التشيّع السياسي في العراق على (فرصته) التاريخية وعلى (مجده المؤثّل) بتحقيق هذا الحلم الطائفي المنشود منذ أيام الاحتلال البويهي ثم الصفوي للعراق، والذي لم يتحقّق طيلة تلك القرون لأن الأمة كانت تحوز على مصدّات فكرية وعوامل قوة ذاتية كانت تمنع ذلك وتتصدّى لكل محاولة اختراقٍ، وقد غاب كل ذلك اليوم!
هدف محو هوية العراق العربية الإسلامية يشترك فيه الجميع، التيار الصدري والإطار التنسيقي، لصالحِ هويةٍ صفويةٍ بويهيةٍ نسمّيها (عراق الحاكم الجعفري) وهي بالضبط الهوية السياسية التي طالب بها الخونة الغادرون في فتنة آذار/ مارس 1991.
وطبعاً فإن إقرار هذه المناسبة رسمياً لا يتعلّق برغبة أطرافٍ إطاريةٍ بتحميل مقتدى أيّة نتائجَ سلبيةٍ قد تحدث في البلاد من جراء ذلك، وحدث بالفعل بعضٌ منها، كما قد يقول قائلٌ من المؤمنين بنظرية المؤامرة التي لا محلَّ لها هنا، وذلك لسبيين:
وقد رأينا في أعقاب تفجير مرقد سامراء في شباط/ فبراير سنة 2006 كيف أجمعت كلّ الأطراف المنضوية حينها إلى جانب مقتدى الصدر ضمن "الإئتلاف العراقي الموحّد" الذي كان يمثّل التحالف الشيعي، وأعني بها حزب الدعوة، حزب الفضيلة، المجلس الأعلى، فيلق بدر، المؤتمر الوطني (أحمد الجلبي) وغيرهم، أجمعت كلها على تأييد ما فعلته القطعان الهائجة، وهي صدريةٌ بالدرجة الأولى، من قتلٍ ونهبٍ وحرقٍ وتدمير.
بل إننا رأينا كيف أن الأطراف الأخرى، دعوية ومجلسية وغيرها، أمّنت لتلك القطعان الصدرية فرصة إشعال الفتنة الطائفية، ووفّرت لها فرصة إدامتها لأكثر من سنتين، ووفّرت الحماية لمرتكبيها لأن (ثمار) تلك الفتنة تقع في سلّتهم جميعاً، باعتبارهم الممثلين الحصريين للتشيّع السياسي في عراق ما بعد الاحتلال، وهو ما حدث بالفعل في المراحل التالية حيث جنت كلّ تلك الأطراف (مكاسبَ) المالِ والنفوذِ والسلطة بدعمٍ إقليمي ودولي ينطلق من منافع قصيرة المدى أو من مخططات تآمرية لئيمة مُسبقة، وخسرَ الشعب والوطن كلّ شيء.
وبالطبع فقد كانت الأرجحية للقطعان الصدرية في تنفيذ تلك المجازر والجرائم لكون الصدر يمتلك شارعاً غوغائياً يسهل تهييجه ويُمكن ببساطة حشده باتجاهاتٍ معينة بإشارةٍ من زعيمه، وهذا الشارع ما يزال كذلك حتى بعد مرور أكثر من 18 سنة على اندلاع تلك الفتنة الهوجاء التي كلّفت العراق مئات الآلاف من الضحايا والكثير الكثير من الخراب والتدمير وأسهمت عميقاً بتفتيت نسيج المجتمع، وهو شارعٌ ما تزال أوساطٌ فاعلةٌ فيه قادرةً على ارتكاب المجازر والجرائم، كيف لا وهو الشارع الذي أنشأ أول ميليشيا مسلّحة بعد غزو العراق سنة 2003 ارتكبت ما ارتكبت من فظائع لم يكن العراقي، منذ غزو هولاكو، يظنّ أنه سيعيش مثلها في القرن الحادي والعشرين أبدا.