الأحد 27 / سبتمبر / 2026

مناهج التعليم في المدارس العربية "عفا عليها الزمن"

الخميس 13 يونيو, 2024 17:18
 تلعب المناهج التعليمية المدرسية في قطاع التربية والتعليم دوراً أساسياً في عملية تثقيف الطالب وتأهيله إن لناحية المعرفة أو تحضيره لدخول المرحلة الجامعية وبعدها سوق العمل، ويتم وضع هذه المناهج كخطط شاملة هدفها تنظيم الدروس ومخططاتها في مختلف المستويات الأكاديمية.

ومن المفترض بهذه المناهج التربوية أن تواكب كل تطور حاصل لتؤكد فاعليتها في تأمين معرفة أكثر شمولية للطلاب، لكن هذا الأمر قد لا ينطبق على الواقع العربي، أو في الأقل ليس في المدارس كافة.

وتكمن أهمية تطويرها في المراحل المدرسية أي قبل الجامعة، في أنها ترتقي بالعملية التربوية لتواكب العصر وتستجيب لكل ما هو جديد في البحوث والدراسات العلمية، وكذلك تقدم للطالب ما سيحتاجه لاحقاً، وليس مواد "عفا عليها الزمن".

فما هو واقع هذه المناهج عربياً؟ أين هي نقاط ضعفها؟ وهل تواكب عصر التكنولوجيا والتطور بما يعود على الطالب بالفائدة؟

مناهج مصر التعليمية... تطوير في دائرة التلقين

في مصر وخلال السنوات القليلة التي خضع فيها نظام التعليم لجهود ومحاولات إصلاح المناهج من حيث المحتوى المعرفي وأسلوب التدريس وطريقة وضع الامتحان لتقيس ما فهمه الطلاب، لا ما حفظته أدمغتهم، على أمل البدء في الربط الحقيقي بين المناهج وسوق العمل، حصلت مقاومة شديدة من الأهل والمعلمين، ولم تهدأ أو تفتر، إلا بعد أن عادت ريما إلى عادتها القديمة: تلقين، وحفظ، وسكب حتى في المناهج التي جرى تحديثها.

يرى خبراء تربويون أن مناهج التعليم المصرية لا تشجع على الفكر

وزير التربية والتعليم الفني رضا حجازي لا يدخر جهداً منذ تبوأ منصبه قبل عامين في تأكيد أن قطاع التعليم المدرسي، والتعليم الفني في القلب منه، يشهد نقلة نوعية، وأن مواكبته لسوق العمل وتلبية احتياجاته لم تعد فكرة، بل أمراً واقعاً. وهو قال إن خطة الوزارة الاستراتيجية 2024 - 2029 انطلقت من برامج الحكومة التي تهدف إلى بناء الإنسان المصري، وأحد أهم أهدافها الأساسية التشغيل.

البقاء في مربع صفر التلقيني  

من جانبه يرى الخبير التربوي كمال مغيث، أن نسبة كبيرة من مناهج التعليم المصرية، "لا تشجع على الفكر أو تحرض على الثقافة، بل على التلقين والحفظ من دون شرط الفهم أو استخدام المحتوى وتطبيقه في مهارات حياتية أو مهنية"، لافتاً إلى أن جهود التطوير الرامية إلى تدريب الطلاب على التفكير النقدي والفهم والتحليل والبحث "تعاني مقاومة الأهل للفكرة وإصرار المعلم على البقاء في مربع صفر التلقيني".

ويشير إلى أن مهنة المعلم تتبوأ مكانتها في القلب من العملية التعليمية، إذ وحده المعلم قادر على التخفيف من حدة الآثار السلبية الناجمة عن جمود المناهج، وهو أيضاً عامل من عوامل تعميق هذا الجمود حال لم يكن مؤهلاً أو لم يتوافر لديه شغف المهنة.

تعاني المهنة كثيراً. يكفي أن مهنة المعلم في حد ذاتها تجسيد للفجوة العميقة بين احتياجات سوق العمل في مجال التدريس، وقدرات الخريجين الراغبين أو المضطرين للعمل في مهنة التدريس. جانب من المعاناة، وهو الجانب المسيطر على الأولويات الرسمية والخطط الوزارية يتعلق بالعجز الشديد في أعداد المعلمين. في كل عام، ينضم 750 ألف طالب جديد إلى التعليم المدرسي، وهذا يعني الحاجة إلى تشغيل 20 ألف معلم إضافي كل عام.

عجز الأعداد والقدرات

إحدى المبادرات الرئاسية، التي يجري تنفيذها لمواجهة العجز في الأعداد هي تعيين 150 ألف معلم خلال خمس سنوات، لكن أزمة المعلم لا تقتصر على نقص الأعداد فقط، بل غياب شغف المهنة. الأعداد الغفيرة التي تتقدم لشغل وظيفة معلم تعكس انضمام الآلاف لكليات التربية بسبب معضلة مكتب التنسيق المزمنة، حيث من لم يوفقوا في الالتحاق بكليات الطب والهندسة والإعلام وغيرها من كليات الأحلام.

وتواضع مستوى المعلمين يفاقم من معضلة المناهج المدرسية، إضافة إلى نقص الأنشطة والبحوث التي يكلفون بها، ثم تجري مناقشتها في الفصل بغرض الإثراء المعرفي، حيث لا المعلم أو الطالب مهتم أو مدرك لأهميتها.

يقول كمال مغيث إن "المفهوم الواسع للمنهج، جرى اختزاله في الكتاب المدرسي المقرر لأسباب عدة منها تواضع مستوى إعداد المعلمين، وفقر المعامل والمختبرات وقلة إمكاناتها، وتقلص ميزانية الأنشطة، وسهولة التدريس والامتحان بالطرق التقليدية".

موجات الهجوم الشعبية على منظومة التعليم  

يذكر أن موجات الهجوم الشعبية الضارية على منظومة التعليم والامتحانات التي اشتعلت في سنوات سابقة حاولت فيها الدولة إصلاح محتوى المناهج، وتحويل دفة أسلوب التدريس من الشرح والتحفيظ إلى الشرح والتشجيع على التفكير النقدي، وتعديل أسئلة الامتحان هدأت تماماً بعد العودة إلى الأساليب القديمة.

دائرة المناهج الجامدة، والمعلم غير المدرب أو غير القادر أو غير الراغب في مواكبة احتياجات العصر، والخريج المحتفظ برواسب علمية ومعرفية من دون قدرة على توظيفها، وسوق العمل الباحثة عن توليفة من المهارات والقدرات التي لا توفرها العوامل السابقة، تظل دائرة مفرغة.

نائب رئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية عمرو هاشم ربيع أشار في مقال عنوانه "ماذا ينقص مناهج التعليم في مصر؟" إلى افتقاد منظومة التعليم المدرسي لآلية لقياس جودة المناهج، وتراجع قدرة المعلم على اللحاق بالنمو المهني المطلوب، وفقدان حلقة الوصل بين التعليم ومناهجه من جهة وخطط التنمية من جهة أخرى، حيث انعدام الرؤية وضعف الإمكانات وتواضع البنى التكنولوجية في المدارس، لا سيما الحكومية، وهي التي تستوعب غالبية الطلاب، والأهم هو انعدام الرؤية.

يشار إلى أن المدارس الدولية تدرس مناهج تختلف تماماً عن تلك المعتمدة في نظام التعليم الوطني، تتبع أساليب تدريس وطرق تدريب ومنصات تنمية مهارات وقدرات تقف على طرف نقيض من التعليم الوطني.وبحسب أرقام وزارة التربية والتعليم، يبلغ عدد المدارس الخاصة (التي تدرس المناهج الوطنية بلغات أجنبية، إضافة إلى المدارس الدولية التي تتبع مناهج خاصة بها) نحو 10 آلاف و450 مدرسة من إجمالي 60 ألف مدرسة. ويدرس في المدارس الخاصة والدولية نحو 2.7 مليون طالب من مجموع نحو 25 مليون طالب في التعليم المدرسي.

التعليم في السعودية بين تطوير المعايير والتحديات

بعد سنوات من الجمود الذي طال المناهج الدراسية، جاءت رؤية البلاد التنموية 2030 في السعودية لتطال كل القطاعات وأهمها التعليم، إذ بات في مسيرة تحديث مستمر لتطوير مناهجه وتحديثها واستحداث أخرى جديدة.

ولتطوير المناهج التعليمية السعودية أهداف عدة، لكن أبرزها "تنقيح الكتب المدرسية من الأفكار المؤدلجة ورموز التيارات الضالة، وتعزيز قيم التسامح والوسطية واحترام الآخر والانفتاح على العالم"، وفقاً لوزارة التعليم.

وتضمنت إصلاحات التعليم أخيراً بجانب "تنقيح بعض المناهج"، تحديث المحتوى التعليمي، وتطوير الخطط الدراسية من خلال إدخال مواضيع وكتب مدرسية جديدة مثل منهج "التفكير الناقد، والفنون، وانترنت الأشياء، وعلم البيانات"، إلى جانب "تعزيز المواطنة العالمية وقيم السلام والتسامح والتفاهم المتبادل والتنوع الثقافي".

الاستفادة من الذكاء الاصطناعي 

وأدركت السعودية مبكراً تسارع خطوات الذكاء الاصطناعي حين أطلقت فصولها الافتراضية التي استفاد منها أكثر من 6 ملايين طالب وطالبة، ففي الحقبة التي لم يتمكن فيها معظم سكان العالم من الخروج من المنازل بسبب إجراءات الحجر في زمن كورونا، كانت البلاد قد أطلقت فصولها الافتراضية عبر خدمة "منصتي" التي ما تزال فصولها حية حتى اليوم، وأحياناً تتحول لها الدراسة بشكل كامل بخاصة في أوقات سوء أحوال الطقس وفي الأقدار التي تمنع الوصول إلى الفصول الواقعية.

وكان لافتاً أخيراً الخطوة التي اتجهت لها السعودية حين بدأت بإشراك قطاعات مثل الثقافة والرياضة وحقوق الإنسان من أجل حوكمة تطوير مناهجها الدراسية. وكان ذلك في فبراير (شباط) الماضي حين أطلقت "المركز الوطني للمناهج" بموافقة من مجلس الوزراء، ليصبح مستقلاً وتتكامل فيه أدوار القطاعات الحكومية ذات العلاقة بالمستهدفات الوطنية من خلال المناهج، إضافةً إلى بناء شراكات مع خبرات عالمية للعمل وفق منهجيات بحثية علمية تتسق مع متطلبات الأجيال الجديدة.

وصرح وزير التعليم السعودي يوسف البنيان أن البلاد "تقدمت خمس مراتب عالمياً، وتحسن التعليم بمعدل 19 نقطة". وأشار إلى أن "الحاجة باتت ملحة لتزويد المعلمين بحزمة من المهارات اللازمة من دون الاقتصار على تطوير المناهج فقط".

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram