الأحد 27 / سبتمبر / 2026

الفصائل العراقية في سوريا... خريطة الانتشار والأهداف

الإثنين 24 يونيو, 2024 12:04
 يمتلك 11 فصيلاً عراقياً مسلحاً تمثيلاً عسكرياً في سوريا منذ مطلع العام 2012 ولغاية الآن، لدعم قوات النظام السوري.

ومن بين هذه الفصائل العراقية في سوريا تستحوذ أربعة منها على غالبية مناطق الانتشار المحددة لها في الشرق السوري المحاذي للعراق بمحافظة دير الزور وبلدة البوكمال ومحيط منطقة التنف، وعلى حدود المنطقة الشمالية المتاخمة لإدلب، وفي مناطق من البادية السورية، إلى جانب مقار لا نشاط عسكرياً لها حالياً في ضواحي دمشق وحلب.

الفصائل الأربعة التي تُوصف عادة بكونها الأكثر قرباً من طهران، مقارنة بباقي الفصائل، من جهة الدعم والتسليح، أبرزها "كتائب حزب الله"، التي تخطى مجمل تعداد عناصرها عتبة 18 ألف مقاتل، بواقع أكثر من ضعف ما كانت عليه عام 2017. وتمتلك ثلاثة ألوية داخل "الحشد الشعبي"، هي لواء 45، و46، و47، ومن خلال تلك الألوية، يحصل أفراد الميليشيا العاملين في سورية على رواتبهم الشهرية بصفتهم أعضاء في "الحشد الشعبي".

وتمتلك الميليشيا قناة الاتجاه الفضائية التي تبث من بغداد بخطاب مناهض للولايات المتحدة و(إسرائيل)، إلى جانب دعم حزب الله اللبناني وفصائل المقاومة الفلسطينية. مؤسس الجماعة الأول هو القيادي السابق أبو مهدي المهندس، الذي قُتل في كانون الثاني/ يناير 2020 بغارة أميركية استهدفت قائد "فيلق القدس" قاسم سليماني، ليظهر عقب ذلك اسم أبو حسين الحميداوي قائداً جديداً للميليشيا، من دون أن تتوفر صورة مؤكدة له في وسائل الإعلام، كما يُطرح اسم أبو فدك رئيس أركان "الحشد الشعبي" بكونه القائد الميداني الفعلي للجماعة.

الفصيل الثاني من ناحية مساحة الوجود والعدد في الأراضي السورية هو حركة النجباء بزعامة أكرم الكعبي، وهي الأخرى مدرجة على لائحة الإرهاب الأميركي على غرار "كتائب حزب الله". يبلغ تعداد عناصرها نحو 10 آلاف مسلح، وتمتلك اللواء رقم 12 في "الحشد الشعبي"، ويندرج المسلحون العاملون في سوريا تحت هذا اللواء، من ناحية تسلم الرواتب الشهرية المدفوعة من الحكومة العراقية لـ"هيئة الحشد الشعبي"، والبالغة مليون و400 ألف دينار (نحو ألف دولار). وتمتلك الميليشيا قناة النجباء الفضائية، وتبث من بغداد وتتبنى القناة خطاب وسياسة الفصيل المسلح.

تأتي ميليشيا عصائب أهل الحق ثالثَ الفصائل العراقية في سورية بزعامة قيس الخزعلي، ويبلغ إجمالي عناصرها نحو 16 ألف عنصر، وتمتلك ألوية 41، و42، و43 في "الحشد الشعبي"، وهذه الألوية تُمول من خلالها أنشطة الميليشيا في سورية، من ناحية دفع رواتب العناصر العاملين هناك، أو حتى التسليح. وتمتلك المليشيا قناة العهد التي تبث من بغداد أيضاً، وبخطاب أكثر حدية وتطرفاً مقارنة بمثيلاتها من الفضائيات الأخرى.

الفصيل الرابع هو حركة أنصار الله الأوفياء، بزعامة حيدر الغراوي، التي أدرجت الأسبوع الحالي على قوائم المنظمات الإرهابية من قبل الخارجية الأميركية. وتشترك الميليشيا، التي تأسست عام 2013 في محافظة ميسان جنوبي العراق، في "الحشد الشعبي"، ضمن اللواء 19، وتنتشر في مناطق بمحافظة الأنبار غربي العراق إلى جانب مناطق التنف السورية. ودخلت في ائتلاف مسلح واحد أطلق عليه "فصائل المقاومة الإسلامية في العراق"، بعد بدء الحرب الصهيونية على غزة في 7 تشرين الأول/ اكتوبر الماضي، وتبنّت تنفيذ هجمات على مواقع أميركية داخل العراق وفي الحسكة السورية، رداً على الدعم الأميركي للاحتلال الصهيوني.

تواجه الفصائل اتهامات بضلوعها في أنشطة تجارية من بينها التهريب على الحدود العراقية السورية

إلى جانب الفصائل الأربعة، تأتي جماعات عراقية مسلحة أخرى وتمتلك خريطة انتشار بأعداد محدودة، وتواجه في الوقت نفسه اتهامات بضلوعها في أنشطة تجارية من بينها التهريب على الحدود العراقية السورية. أبرز تلك الفصائل "كتائب الإمام علي"، وتأسست عام 2014، من خلال عدة انشقاقات بين فصائل كبيرة أخرى أبرزها "جيش المهدي" بزعامة مقتدى الصدر. ويتزعم هذه الكتائب حالياً شبل الزيدي، وتمتلك اللواء 40 في "الحشد الشعبي"، وبتعداد عناصر يبلغ نحو ستة آلاف عنصر، ومنه تموّل أنشطة عناصرها الموجودين في سوريا، وهي مدرجة أميركياً على لائحة الإرهاب.

تليها "كتائب سيد الشهداء"، بزعامة أبو آلاء الولائي، وهو هاشم بنيان السراجي. تمتلك هذه الكتائب اللواء 14 في "الحشد الشعبي"، ومن هذا اللواء هناك ما لا يقل عن 200 عنصر مسلح ينتشرون داخل الأراضي السورية الشرقية المحاذية للعراق. أيضاً من ضمن الفصائل العراقية في سوريا فصيل "حركة الأبدال" بزعامة جعفر الموسوي، وهو قيادي سابق في "كتائب حزب الله"، وانشق عنها عام 2014، وتحظى الجماعة بمواقع في البوكمال السورية. تضاف إليها أجنحة مسلحة لـ"لواء الطفوف"، و"كفيل زينب"، و"سرايا الخراساني"، و"ذو الفقار".

وتكشف معلومات، استقتها "العربي الجديد" على مدى شهرين من أربع شخصيات وازنة داخل فصائل عراقية مسلحة تمتلك تمثيلاً داخل الأراضي السورية، أن جميع مناطق انتشار الفصائل العراقية في سوريا تشترك بنقطة واحدة وهي أنها مناطق مفتوحة ولا تحتوي على أي منشآت أو مواقع عسكرية أو اقتصادية مهمة بالنسبة للنظام السوري، وهي أقرب إلى كونها ملء فراغ لمنع تمدد القوات الكردية (قسد) أو لمنع بقايا تنظيم "داعش" من إيجاد موطئ قدم مريح لها، باستثناء مناطق متاخمة لإدلب، حيث تشترك وحدات مسلحة من "كتائب حزب الله" العراقية مع قوات النظام، وتحديداً الفرقة الرابعة، في عمليات القصف ضد المعارضة السورية.

ترتبط الميليشيات العراقية بقيادة تنسيق مشتركة لجميع "فصائل المقاومة" العاملة في سوريا

وقال عضو عراقي بارز في جماعة "كتائب حزب الله"، من رقم هاتف سوري، إنها (الفصائل العراقية) ترتبط بقيادة تنسيق مشتركة لجميع "فصائل المقاومة العاملة في سوريا"، متحدثاً عن أن مسألة "وجود فصائل المقاومة في سوريا لفترة غير محدودة" ترسّخت بعد الحرب على غزة، في إشارة إلى تاريخ 7 أكتوبر 2023. وقدّر المتحدث نفسه أن مجمل تعداد الموجودين من العناصر العراقية ضمن تلك الفصائل العراقية في سوريا "ليس أقل من ستة آلاف عنصر من مختلف الفصائل".

لكن عضواً آخر في جماعة النجباء رجّح، أن العدد تراجع منذ مدة لتقليل الخسائر جراء القصف الصهيوني والأميركي، واكتُفي بقوات "النخبة"، وهم مقاتلون اختيروا من كل فصيل موجود ويرتبطون بمسؤولين في "فيلق القدس"، بإمكانهم التحرك والرد بسهولة في مواقع جرى تغييرها عدة مرات لتجنّب القصف، ووصفهم في معرض حديثه بأنهم "عقائديون".

واعتبر أن الحديث داخل العراق عن مشاركة الفصائل العراقية مع حزب الله اللبناني، في حال اندلاع أي مواجهة مع الصهاينة، مجرد "تكهنات". فالحزب، وفقاً للمتحدث ذاته، "ليست لديه مشكلة في عدد العناصر أو في الجهد الميداني القتالي، لكن الأغلب أن الفصائل ستفتح جبهة دعم مباشرة للحزب من داخل سوريا بالطيران المسيّر والصواريخ ضد أهداف (إسرائيلية) في حال اتسعت المواجهة". وتابع أن وجود الفصائل العراقية في سورية "قابل للتمدد والتغيير حسب التطورات وما يُطلب منها".

الفصائل العراقية في سوريا... لا ثقة بها؟

في 18 تشرين الاول/أكتوبر الماضي، ظهر القيادي البارز في "كتائب الإمام علي" أيوب فالح الربيعي، الملقب بـ"أبو عزرائيل"، في عدة صور ومقاطع فيديو برفقة مقاتلين من حزب الله اللبناني على الحدود اللبنانية الجنوبية مع فلسطين المحتلة، مُتنقلاً في عدة مواقع، معلناً دخول الفصائل العراقية إلى جانب حزب الله في اللحظة التي تبدأ المواجهة البرية فيها مع الاحتلال الصهيوني.
غير أن أحد الأعضاء الذين تحدثت معهم "العربي الجديد" أشار بشكل عابر إلى نقطة مهمة، وهي أن الجناح الأمني في حزب الله اللبناني لم يسمح لـ"أبو عزرائيل" بالدخول أو الاقتراب من مواقع حساسة للحزب في الجنوب اللبناني، ولا حتى من خطوط مقاتليه ونقاط الرصد التابعة للحزب، لدواعٍ أمنية واستخبارية. كما فرض إجراءات على كوادر تصوير من قنوات فضائية تابعة لعدة فصائل من بينها قناة العهد التابعة لـ"عصائب أهل الحق"، شملت تدقيق الأجهزة الموجودة لديها، ومنعها من التصوير في بعض المواقع، وأيضاً فرض مراقبة عليها حتى خروجها من مناطق التماس الحدودية.

وحول ذلك، قال الباحث في الشأن الأمني العراقي أحمد النعيمي، لـ"العربي الجديد"، إن الفصائل العراقية في سوريا "حليف مهم في الساحة السورية، لكن لا يمكن الوثوق بها استخبارياً، والفصائل تعاني من اختراقات كبيرة داخل العراق وفي سوريا، لذا يُحجب الكثير من التفاصيل وحتى القرارات عنها، ويُتعامل معها ضمن الجهد البشري على الأرض، ومن خلال ضباط الارتباط الإيرانيين الذين يحملون صفة مستشار في سورية".

النعيمي: الفصائل العراقية المسلحة حليف مهم في الساحة السورية، لكن لا يمكن الوثوق بها استخبارياً

ووصف النعيمي خريطة انتشار الفصائل العراقية في سوريا بأنها "مُتفق عليها بين النظام السوري وإيران وقادة تلك الفصائل، وهذا الانتشار يوفر على النظام جهداً ونفقات عالية، إذ ركّز الجيش على مناطق السيطرة ذات الكثافة السكانية والأهمية الاجتماعية والاقتصادية للنظام، بينما وُجّهت الفصائل العراقية للانتشار في مناطق مفتوحة ذات كثافة سكانية منخفضة للغاية، وهي مناطق شرق وشمال شرق سورية المحاذية للعراق دولياً، ومحلياً مع قوات قسد". واعتبر أن "تمويل تلك الفصائل نفسها من ناحية التسليح والرواتب، وحتى التموين، بمثابة دعم مباشر للنظام السوري، الذي يدير تلك المناطق من خلال قوات يمكن اعتبارها مشرفةً على الجهد الميداني لهذه الفصائل". ولفت إلى أن "الاكتفاء الذاتي للفصائل العراقية العاملة في سوريا يشمل أيضاً احتساب القتلى الذين يسقطون جراء القصف الجوي الأميركي أو الصهيوني، أو حتى في الهجمات المسلحة، شهداء في الحشد الشعبي، وتُصرف لذويهم رواتب تقاعدية مثل أقرانهم الذين يُقتلون داخل العراق".

وشهدت الساحة العراقية، منذ مطلع العام الحالي، عدة عمليات اغتيال استهدفت قيادات في فصائل عراقية مسلحة، أبرزها أبو تقوى السعيدي القيادي في "النجباء"، والقائد البارز في "كتائب حزب الله" أبو باقر الساعدي، فضلاً عن ضربات أخرى نفذت بدقة استهدفت مواقع حساسة للفصائل في كل من القائم والرطبة وبغداد وجرف الصخر في بابل. وأقر زعيم "النجباء" أكرم الكعبي، نهاية شباط / فبراير الماضي، بوجود من أسماهم "بعض الخونة والعملاء الذين باعوا وطنهم ودينهم وضميرهم للمحتل"، وقدّموا "معلومات عن المقاومة ومواقعها"، متوعداً بالكشف عنهم.

أسلحة الفصائل العراقية في سوريا

تتشابه ترسانة الأجنحة المسلحة للفصائل العراقية العاملة في سوريا مع نظيرتها العاملة في العراق، من ناحية نوعية السلاح المتوسط والخفيف. غير أن الفصائل الرئيسة الأربعة الأكثر فاعلية في سوريا، وهي "كتائب حزب الله" و"النجباء" و"عصائب أهل الحق" و"حركة أنصار الله الأوفياء"، هي من تمتلك السلاح الأكثر فاعلية بينها، ويتمثل في الطائرات المسيّرة، والصواريخ التي يزيد مداها عن 50 كيلومتراً. وتتصدر الطائرات المسيّرة ثابتة الجناح من طرازي "مهاجر" و"سحاب" الانتحاريتين إلى جانب صواريخ "الأشتر" و"البتار" و"النمر" و"العقاب" و"المبير" ترسانة تلك الفصائل، بمديات متفاوتة وقدرات تدمير مختلفة. واستخدمت تلك الفصائل هذا النوع من الطائرات في قصف مواقع أميركية داخل العراق وسورية وفي إقليم كردستان شمالي العراق خلال أوقات متفاوتة من العامين الماضيين.

وقال المتحدث باسم "كتائب سيد الشهداء"، الموجودة في سوريا، الشيخ كاظم الفرطوسي، إنهم "ضمن محور مقاومة يبدأ من طهران وينتهي في بيروت". وتوعد بأن "أي عدوان من الكيان على جنوب لبنان يعني دخولنا ساحة مواجهة مباشرة معه، وأعددنا العدة لهذا السيناريو". ووفقاً للفرطوسي، فإن "جنوب لبنان سيكون مقبرة كبيرة ل(لإسرائيليين) في حال فكروا بالهجوم".
واعتبر الفرطوسي أن إدراج الولايات المتحدة المتواصل للفصائل العراقية المسلحة على لائحة الإرهاب، وآخرها حركة أنصار الله الأوفياء، "شرف لهذه الفصائل والشخصيات المُدرجة. ولا تأثير جراء تلك التصنيفات الأميركية على محور المقاومة، ليست هناك أي مصالح اقتصادية أو علاقات خارجية لفصائل المقاومة". ورداً على خريطة وجود الفصائل العراقية في سورية، قال الفرطوسي إن "هذا الأمر معنيون به الأخوة في الجانب السوري".

كاظم الفرطوسي: نحن ضمن محور مقاومة يبدأ من طهران وينتهي في بيروت

من جهته، قال الباحث العراقي في شؤون الجماعات المسلحة رائد الحامد، إن وجود الفصائل العراقية المسلح في سوريا رُصد منذ الأشهر الأولى للثورة السورية ربيع عام 2011. وأضاف أنه "على صعيد المليشيات العراقية، كانت البدايات من لواء أبو الفضل العباس، تحت عنوان حماية ضريح السيدة زينب في ضواحي دمشق. وهو لواء بلغ تعداده المئات لكنه أسس لاحقاً لاستقدام مليشيات أخرى لعبت أدواراً قتالية ليس في دمشق وضريح السيدة زينب فقط، إنما في عموم المحافظات السورية، أبرزها ريف دمشق وحلب، ودرعا، ودير الزور، والقنيطرة". وأوضح أن أبرز الفصائل الموجودة حالياً في سوريا هي "حركة النجباء، وجند الله، وحركة أنصار الله الأوفياء، وكتائب حزب الله العراقية"، مضيفاً أن "هذه الفصائل هي الأكثر قوة وتسليحاً ونفوذاً، إلى جانب عصائب أهل الحق، ولواء أبو الفضل العباس، وسرايا طليعة الخراساني، ولواء ذو الفقار، وغيرها من المجموعات التي تنتشر في محافظتي دير الزور السورية والأنبار العراقية".

ولفت الحامد إلى أنه "مع تراجع زخم القتال في سوريا بين قوات المعارضة وقوات النظام بعد معركة حلب نهاية عام 2016 والدخول في اتفاقيات أستانة برعاية تركية ضامنة للمعارضة ومشاركة النظام وايران وروسيا، اتجهت هذه المليشيات لممارسة نشاطات تركز على جانبي التغيير الديمغرافي في دمشق وحلب وحمص، وفرض ثقافات وافدة على المجتمع السوري، خصوصاً في محافظة دير الزور"، مضيفاً أن "الجانب الثاني اقتصادي حيث تسيطر المليشيات العراقية على منافذ العبور بين سوريا والعراق على جانبي الحدود، إضافة إلى تقارير تشير إلى ضلوعها بتجارة المخدرات عبر الحدود الدولية بين البلدين".

المصدر

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram