

إن وجود الجماعة في العراق يخدم هدفها الأساسي المتمثل في ربط نفسها كخيط لا غنى عنه في شبكة "محور المقاومة" المدعوم من طهران. كما بنى أنصار الله قدراتهم في إيران ولبنان وعمان، بهدف تطويق عدوهم اللدود في الشمال، المملكة العربية السعودية.
ومنذ بداية الحملة العسكرية التي قادتها السعودية ضد أنصار الله في عام 2015، لعبت بغداد على نطاق واسع على جانبي الديناميات الدبلوماسية المعقدة في اليمن.
ففي حين يتعامل مبعوث الحوثيين في العراق، أحمد الشرفي، بشكل أساسي مع الأجهزة الأمنية العراقية، فإن السفير اليمني، الخضر أحمد مرمش، الذي يمثل الحكومة المعترف بها دوليًا في عدن، يتعامل مع وزارة الخارجية العراقية.
ومع ذلك، إذا تصاعدت التوترات بين الرياض والحوثيين، فقد يتحول وجود الحوثيين إلى عبء على محمد شياع السوداني، خاصة مع سعي رئيس الوزراء العراقي لتعزيز دور الوسيط في المنطقة. وسيواجه السوداني ضغوطًا شديدة لاتخاذ موقف وسط بين استرضاء طهران التي تدعم كلًا من الحوثيين والجماعات العراقية الشيعية المسلحة التي ساعدت في وصوله إلى السلطة مع إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية أوثق مع الرياض.
هل يصبح الحوثيون العصا لتي تعيق عجلة العراق الإقليمية؟
أوضح مصدر سياسي عراقي في حديثه لموقع أمواج.ميديا، شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الحوثيين بدأوا لأول مرة في تعزيز وجودهم في البلاد في عام 2011. وبعد سيطرة أنصار الله على العاصمة اليمنية وأكبر مدنها صنعاء في عام 2014، مهّد وزير الخارجية العراقي في ذلك الوقت، إبراهيم الجعفري (2014-2018) الطريق لاعتراف بغداد الفعلي بالحركة اليمنية. وقد خدم هذا مكاسب المؤسسة السياسية العراقية.
وفي أواخر عام 2021، أُفيد بأن رئيس الوزراء العراقي آنذاك مصطفى الكاظمي (2020-2022) استخدم علاقاته الوثيقة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للمساعدة في إعادة حسن إيرلو، مبعوث إيران إلى اليمن، عبر المملكة. وأشارت مصادر مطلعة لأمواج.ميديا إلى أن ممثلي أنصار الله في بغداد أدّوا دورًا كبيرًا في المفاوضات.
قام الحوثيون في السنوات الأخيرة، على خلفية هذه الديناميات السياسية، بتنسيق الأنشطة بشكل متزايد مع الجماعات المسلحة الشيعية في العراق. والجدير بالذكر أن المتحدث الأمني بأسم كتائب حزب الله، أبو علي العسكري، أعلن في يناير/كانون الثاني 2022، عن إطلاق حملة لجمع التبرعات لصالح قضية الحوثيين. وقد أعربت جماعات عراقية شيعية مسلحة أخرى قريبة من إيران، مثل حركة حزب الله النجباء وكتائب سيد الشهداء وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر علنًا عن دعمها للجماعة المسلحة اليمنية.
وفي خضم التعاون المتزايد، أُفيد بأن أنصار الله يستخدمون بشكل متزايد المنظمات المجتمعية لشرح فكرهم السياسي والديني الزيدي المتميز لجمهور عراقي أوسع. أحد الأمثلة على ذلك هو منظمة "محمديون" التي تتخذ من البصرة مقرًا لها، والتي تنشر التعاليم الدينية والثقافية للحوثيين بتنسيق واضح مع كتائب حزب الله العراقية.
زعم مدير قناة أنصار الله على تليغرام، في حديثه لأمواج.ميديا، أن الجماعة اليمنية تدير أيضًا منظمات ثقافية مماثلة في مدن النجف وديالى وكركوك العراقية وتركز حاليًا على تطوير وجودها في إقليم كردستان "نظرًا للوجود الإسرائيلي هناك". ولم تتمكن أمواج.ميديا من التحقق بشكل مستقل من هذه الادعاءات.
وأعربت مصادر مطلعة قريبة من الجماعات المسلحة الشيعية العراقية عن شكوكها في قدرة أنصار الله على تكثيف وجودها في كردستان العراق. وفي حديثها لأمواج ميديا، قالت المصادر إن السلطات الكردية ستمنع بالتأكيد أي تحرك منسق للحوثيين في المنطقة. علاوة على ذلك، من غير المرجح أن ترضخ الجماعات العراقية الشيعية التي تسهل وجود الحوثيين في العراق لمثل هذه الدفعة الجريئة والمثيرة للجدل من قبل ضيوفها اليمنيين.
حرب أنصار الله الثقافية
أصبحت رموز أنصار الله وشعاراتها سمة بارزة بشكل متزايد في الاحتجاجات التي تنظمها الجماعات المسلحة المدعومة من طهران في جميع أنحاء العراق. ولعلّ أبرزها "الصرخة" التي يهتفون فيها "الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام".
وكان لشعارات الحوثيين حصة كبيرة عندما اقتحم أنصار هيئة الحشد الشعبي العراقية السفارة الأميركية في بغداد في ديسمبر/كانون الأول 2019. كما ظهرت هذه الشعارات خلال الاحتجاجات المناهضة للولايات المتحدة في يوليو/تموز 2023. وتم إحياء الشعارات مرة أخرى في أكتوبر/تشرين الأول الماضي عندما اعترض المتظاهرون المرتبطون بهيئة الحشد الشعبي شاحنات النفط المتجهة إلى الأردن على الحدود الغربية للعراق.
كما تجدر الإشارة إلى أن شعارات الحوثيين رددتها أيضًا الجماعات المرتبطة بهيئة الحشد الشعبي في المحافظات الجنوبية ذات الأغلبية الشيعية في العراق مثل المثنى. إن المعبر الحدودي البري الرئيسي للمحافظة مع المملكة العربية السعودية يجعله موقعًا حساسًا للخلاف بين الجماعات المسلحة الشيعية، وقد حظت المحافظة مؤخرًا باهتمام كبير في وسائل الإعلام الحوثية. ومع ذلك، نفى مصدر من أنصار الله، في حديث لأمواج.ميديا، أن تكون للمحافظة أي أهمية خاصة للجماعة، وعزا التركيز على المحافظة في وسائل التواصل الاجتماعي إلى النشاط الإعلامي الزائد للكوادر المحلية.
كما سعى صناع السياسة الحوثيون إلى تعزيز العلاقات مع زعماء العشائر في جنوب العراق. وفي محاولة لتعميق العلاقات وتسهيل أنشطة أنصار الله المحلية، التقى مبعوث الحوثيين شرفي العام الماضي مع زعماء العشائر في محافظات القادسية وذي قار وكربلاء والنجف وواسط.
إن التقرب من القيادة العشائرية في العراق قد يكون بمثابة وسيلة لفرع أنصار الله في العراق لكسب المكانة الاجتماعية، وإيجاد مجال سياسي داخل البيئة الاجتماعية الأوسع للجماعات الشيعية المسلحة العراقية. علاوة على ذلك، فإن تنمية مثل هذه الشبكات الاجتماعية في المحافظات الجنوبية يمكن أن تكون بمثابة مصدر مركزي للقوة إذا دفعت الجماعات المدعومة من إيران إلى تقويض المزيد من التعاون بين بغداد والرياض.
الحوثيون يسعون إلى "عمق استراتيجي"
والأهم من ذلك، أن وجود الحوثيين في العراق يعمل أيضًا بمثابة قناة لوصول كوادر الجماعة إلى المستشارين العسكريين الإيرانيين، ويسمح بتبادل المعرفة مع الجماعات المسلحة العراقية. وقد أصبح هذا التنسيق الآن راسخًا. ومع ذلك، في حين قال مصدر مقرب من جماعات "المقاومة" العراقية لأمواج.ميديا إن أنصار الله كان لديهم مستشارين عسكريين ملحقين بقوات هيئة الحشد الشعبي خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، داعش في الفترة بين 2014 و2017، إلا أن الوجود اليمني كان "رمزيًا" فقط.
علاوة على ذلك، في بداية التدخل العسكري الذي قادته السعودية في اليمن عام 2015، أعرب قائد كبير في منظمة بدر عن استعداد المجموعة العراقية لإرسال مقاتلين لمساعدة الحوثيين. وبغض النظر عما إذا كانت هذه التحركات قد تم تنفذيها أم لا، يبدو أن أنصار الله يهمها أن تفهم الرياض من هذه الادعاءات، خاصة فيما يتعلق بالمبادرات القريبة من حدود العراق مع المملكة العربية السعودية أن النفوذ الجيوسياسي للحركة اليمنية يتزايد.
وساهمت الحرب الصهيونية على غزة في تحفيز العلاقات بين كوادر الحوثيين وأبرز الجماعات المسلحة الشيعية في العراق. وفي إشارة إلى استقلاليته المتزايدة في الهيكل السياسي للحوثيين، وقع فرع أنصار الله في العراق في مايو/أيار بيانًا مشتركًا مع كتائب حزب الله. وزعم البيان أن الأمين العام للجماعة العراقية تحدث مباشرة مع زعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي. وبحسب ما أُفيد، ركزت المحادثة على "الحفاظ على الاستعداد والتنسيق بين مجموعات "محور المقاومة"، وخاصة تلك المتمركزة في العراق واليمن".
وفي وقت لاحق، تحديدًا في يونيو/حزيران، أعلن كيان يطلق على نفسه اسم "المقاومة الإسلامية في العراق" يُعتقد أنه يضم عدة جماعات عراقية شيعية مسلحة مدعومة إيرانيا أنه نفذ إلى جانب أنصار الله ضربات مشتركة بطائرات مسيرة على مدينتي أشدود وحيفا الإسرائيليتين. ويمكن اعتبار تبادل الدعم العلني السابق بين الحليفين بمثابة مقدمة مباشرة للهجوم المزعوم.
ويمكن أن تشير الضربة المشتركة المزعومة على إسرائيل أيضًا إلى مزيد من التنسيق الأفقي داخل "محور المقاومة". وقد يشمل ذلك الجماعات الفلسطينية مثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي. لقد أظهرت مؤخراً مؤشرات أن الحرب في غزة قد تقترب من نهايتها، إلا أن شبح الهجوم الصهيوني على جنوب لبنان يزيد من احتمالات إطالة أمد مشاركة الجهات الفاعلة العراقية في الصراع في منطقة المشرق العربي. ومع ذلك، فإن هذا من شأنه أن يزيد من غضب حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، ناهيك عن غضب وسطاء السلطة في بغداد.