

الأمر الذي عده خبير قانوني مخالفة للعرف الخاص برؤساء الجمهورية، فيما وصفته منظمات بـ"تضارب في المصالح" و"منافسة" غير منطقية لعمل منظمات المجتمع المدني، داعية إلى دعم ورعاية كافة المنظمات بالتساوي، والعمل على تقوية مؤسسات الدولة، وإيجاد تشريعات تحد من تمادي المسؤولين في تأسيس هكذا مشاريع قد تصرفهم عن عملهم الحقيقي.
وحصلت "العالم الجديد"، على وثائق تشير إلى قيام رئيس الجمهورية وزوجته بمعية وزير الثقافة أحمد الفكاك، بتأسيس المركز الثقافي العربي الكردي، الحاصل على شهادة التسجيل من دائرة المنظمات غير الحكومية بتاريخ 23 تشرين الأول أكتوبر الماضي، والذي يحظى علنا برعاية الرئيس منذ بدء نشاطه.


كما وصلت الصحيفة، صور خاصة لتحضيرات المؤتمر الذي يعقد اليوم السبت، حيث ترصد تجهيز القاعة في مجمع “قرية دجلة” السياحي، بالأعلام والشاشات، ويجري فيها اختبار لعرض كلمة رئيس الجمهورية.
ويقول مصدر في رئاسة الجمهورية، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، إن "رئيس الجمهورية عبداللطيف رشيد، قام بتأسيس المركز الثقافي العربي الكردي، العام الماضي، وتسنم هو رئاسة المنظمة بعضوية زوجته شاناز إبراهيم ووزير الثقافة أحمد فكاك البدراني".
ويضيف المصدر، أن "المركز يعقد اليوم السبت، مؤتمرا كبيرا يجري الإعداد له قبل مدة، وجرى حجز قاعة في قرية دجلة، وسيكون بحضوره ومشاركته، وقد جرى تنفيذ الأمور اللوجستية الخاصة بالمؤتمر من قبل موظفين في رئاسة الجمهورية".
ويوضح أنه "تم إيفاد موظفة إلى لبنان لغرض طبع الكراسات والبروشورات الخاصة بالمؤتمر، فضلا عن تكليف موظفين في قسمي التشريفات والإعلام التابعين لرئاسة الجمهوية بكتابة بيانات المركز وأخباره والتحضير للمؤتمر".
ويلفت إلى أنه "تم تخصيص دار أثري للمركز، وهو منزل عبدالمجيد الشاوي (أحد أعيان بغداد) التراثي الذي يعود بناؤه إلى العام 1917، والواقع في منطقة الكريمات بجانب الكرخ، والمطل على نهر دجلة".
ويبين أن "المنزل تم تسليمه رسميا لديوان الرئاسة بعد أن كانت وزارة الثقافة ترفض ذلك، ولكن الوزير الحالي أحمد الفكاك، وافق مؤخرا، لكونه بات عضوا في إدارة المركز إلى جانب الرئيس وزوجته".
يشار إلى أن المركز يزاول أعماله في بغداد والسليمانية، وأغلب جلساته حضرها رئيس الجمهورية، وأكد في كلماته وبياناته الخاصة فيه، بأنه على استقلاله بعيدا عن أي انتماء حزبي، وأن هدفه هو مزج الثقافتين العربية والكردية في العراق والانفتاح ودعم المثقفين والفنانين.
وحول هذا الأمر، يوضح الخبير القانوني عدنان الشريفي، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "القانون لا يمنع رئيس الجمهورية من تأسيس منظمة، لكن ذلك يخالف العرف الأخلاقي".

الدار التراثية التي حصل عليها رشيد لإدارة مركزه بمنطقة الكريمات في الكرخ/ بغداد
ويوضح الشريفي، أن "العرف الأخلاقي، هو مصطلح دبلوماسي عالمي خاص برؤساء الجمهورية، حيث يمنعهم من ممارسة أي أنشطة لا تخدم المصلحة العامة للبلاد"، مبينا أنه "كان من الأجدر برئيس الجمهورية تبني أي مؤسسة من مؤسسات الدولة أو غيرها لتنفيذ ما يريده بشأن الثقافة العربية الكردية".
ويلفت الخبير القانوني، إلى أن "الدستور حدد الرئاسات بالتنفيذية والتشريعية والقضائية، ورئيس الجمهورية ضمن السلطة التنفيذية، لذا لا يمكنه أخلاقيا ممارسة هذه المهام، فهو حامي الدستور".
وبشأن مشاركة وزير الثقافة بهذا الأمر، يبين أن "هناك فوضى بالأعراف الدبلوماسية في العراق، فالوزراء لا يعرفون صلاحياتهم ولا حدودهم، والآن رئيس الجمهورية كذلك، فهو يرتكب خطأ أخلاقيا".
يذكر أن رئيس الجمهورية عبداللطيف رشيد، تسنم منصبه في تشرين الأول أكتوبر 2022، بعد أزمة سياسية أمتدت لأكثر من عام بين الإطار التنسيقي والتيار الصدري، حيث سعى الأخير لتشكيل الحكومة، قبل أن ينسحب من البرلمان ويشكلها ائتلاف قوى الدولة، الذي يجمع كافة القوى السياسية في البلاد.
ويزخر العراق بمئات المنظمات المدنية، والتي تعمل بكافة التوجهات والتخصصات، الثقافية والفكرية والفنية، وأغلبها تزاول مهامها عبر التمويل الذاتي، فضلا عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب، الذي يعنى بكافة الأمور الأدبية وبكافة اللغات ومنها الكردية، ولديه دار نشر خاصة به، ويشارك بجميع المعارض الداخلية والخارجية، إضافة إلى أن وزارة الثقافة تضم دائرة للثقافة الكردية.

الدار التراثية التي حصل عليها رشيد لإدارة مركزه بمنطقة الكريمات في الكرخ/ بغداد
من جانبه، يبين رئيس جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق، مصطفى ناصر، خلال حديث لـ"العالم الجديد"، أن "ما أقدم عليه رئيس الجمهورية، يعتبر تضارب مصالح، فهو بدلا من أن يكون راعيا لمنظمات المجتمع المدني وداعما لها في أنشطتها، اتجه إلى منافستها، حيث استغل موقعه والموارد التي تحت سلطته لتأسيس منظمته وإدارتها".
ويوضح ناصر، أن" رئاسة المنظمة من قبل رئيس الجمهورية شخصيا، تشير بشكل واضح إلى أنه استخدم موارد الرئاسة لدعم منظمته، سواء عبر تكليف الموظفين في الرئاسة أو شبهات استغلاله لموارد الرئاسة، أضف لذلك أنها بعضوية زوجته، ما يعني أنها عائلية، وستكون عرضة لعمليات فساد".
ويتابع أن "هذه الخطوة، ورغم عدم مخالفتها للقانون، إلا أنها غير صحيحة وستخلق عرفا جديدا من تأسيس المنظمات من قبل الرؤساء أو المسؤولين في الدولة لمزاحمة المنظمات الأخرى وترويج ما يريدونه"، داعيا لـ"إجراء تعديل في القانون الذي أباح لرئيس الجمهورية تأسيس منظمة، وإلزامه بعدم ممارسة هذا النشاط إلا بعد إنتهاء ولايته، لأن مثل هذه الأعمال تصرف المسؤول عن عمله الحقيقي الموكل إليه، وتدخله في مجالات هي ليست من اختصاصه”.