السبت 26 / سبتمبر / 2026

الانتخابات الرئاسية في إيران، بزشكيان حين لا يُصلحُ "الطبيب" ما أفسده "المرشد"!

تبدّل الوجوه في قصر "سعيد أباد" لا يعني تبدّل الاستراتيجيات بل تبدّل الأداء

مصطفى كامل
السبت 6 يوليو, 2024 08:25
 أظهرت النتائج الأولية غير الرسمية لانتخابات الرئاسية الإيرانية في جولتها الثانية، التي أعلنت صباح اليوم السبت، فوز المرشح (الإصلاحي) مسعود بزشكيان بعد تقدّمه بأكثر من 16.3 مليون صوت على منافسه (المحافظ) سعيد جليلي الذي حصد نحو 13 مليون صوت فقط.

ومن الواضح، وفي قراءة أولية وسريعة لهذه النتائج، أن المرحلة الحالية من عمر نظام ولاية الفقيه اقتضت تقديم شخصية (إصلاحية) مغمورة لتصدّر المشهد السياسي في إيران، وهي شخصية كان مجلس صيانة الدستور في طهران قد استبعدها من السباقٍ الانتخابي سنة 2021 لعدم "أهليتها" وقتئذ، فمالذي جعلها مؤهلةً الآن بعد ثلاث سنوات فقط؟! ومالذي جعلها تفوز بمنصب الرئيس، حتى وإن كان هذا المنصب التنفيذي لا يضع صاحبه في الموقع الأول في هيكل النظام الإيراني، رغم عنوانه البرّاق الخادع.
ولهذا الاقتضاء المرحلي مسوّغاته المنطقية، فالانفتاح (المطلوب) على الغرب وعلى الجوار العربي ضمن دور "التقية السياسية" الذي يواصل نظام ولاية الفقيه أداءه على خشبة المسرح السياسي منذ عقود ببراعةٍ لا ينافسه فيها نظام آخر، ومساعي البدء بمفاوضاتٍ جديدةٍ حول البرنامج النووي الإيراني، والتهيؤ للتعامل مع عواصف دونالد ترمب المرتقبة في حال عودته، المرجّحة، إلى البيت الأبيض، والوضع الذي تواجهه إيران وميليشياتها بعد معركة طوفان الأقصی في قطاع غزة الفلسطيني، كل ذلك، فضلاً عن ضرورات المتطلّبات الداخلية وخصوصاً ترتيبات "التغيير ضمن الاستمرارية"  الواجب اتبّاعها عند رحيل المرشد الأعلى للنظام علي خامنئي، يتطلّب وجهاً جديداً لم يكن ضمن وجوه الأزمات السابقة داخلية كانت أم خارجية.

المساعي التي أبداها بزشكيان باعتباره (إصلاحياً) تمثل توجّهات مهمة ومسارات ضرورية لتنفيس بعض الاحتقانات الداخلية والخارجية التي يعاني منها النظام.

إذ لم يكن مسعود بزشكيان على الإطلاق شخصية سياسية بارزة طيلة حياته أو رجلاً محورياً في الأزمات الداخلية والخارجية كما أن خبراته الإدارية محدودة، بل يمكن القول إنه كان شخصاً في الظل ومسؤولاً هامشياً إلى حد اعتباره بمثابة دمية أو "خيال مآتة" لا أكثر، فهو مجرد وزير صحة في عهد محمد خاتمي وعضو في مجلس الشورى (البرلمان) لا غير.
ولا يُخفي بزشكيان (لهفته) لتحسين علاقات النظام الخارجية ومع الغرب خصوصاً، فبحسب ما أعلنه في برنامجه الانتخابي، فإن تحسين العلاقات مع الغرب بشأن البرنامج النووي من أجل تخفيف العقوبات الأميركية هدفٌ طالما تحدّث عنه، وهذا الهدف ليس شعاراً في حملة انتخابية لمناغاة الجماهير التي تطحنها مشاكل الفقر والتضخّم وغيرها بل مسعى حقيقي قد يُسفر عن خطوات عملية تستبق مجيء ترمب المتوقّع.
كما أن مواقفه على الصعيد الداخلي ومنها موقفه خلال أزمة مهسا أمينی‌‌ والأزمات الداخلية السابقة لها تعتبر متميزة و (إيجابية) قياساً إلى مسؤولين آخرين، فضلاً عن اتخاذه موقفاً أكثر ليونة بشأن فرض ارتداء الحجاب، مع أن زوجته ظهرت معه وهي ترتدي حجاباً تقليدياً مما يرضى عنه "المرشد" وأدعياء (حراسة) الفضيلة الذين يدافعون عنها في العلن ويمارسون رذائل الموبقات في السر، وغير ذلك من القضايا ذات الأهمية على الصعيد الداخلي، ويبدو أن برنامجه ركّز على جذب الناخبين المحبطين وخاصة جيل الشباب المتطلّع إلى مناخ حرياتٍ أوسع وسبل عيشٍ أفضل.

خلال حملته الانتخابية، منح بزشكيان جلّ اهتمامه نحو السياسة الخارجية وأسخن ما يتصّل بها من ملفات، مثل العقوبات والاتفاق النووي، وحاول دغدغة مشاعر الناخبين بالربط بين الأزمات الداخلية والمشاكل الخارجية، مؤكداً أن "أزمات إيران ومشكلاتها الاقتصادية الداخلية لن تحلّ إلا عبر تبنّي سياسة خارجية منفتحة على العالم" وصفها بأنها "متوازنة لا تعتمد التوجّه نحو الشرق أو الغرب" في استعادةٍ مبطّنةٍ للشعار التاريخي الذي رفعه علناً وخالفه سراً مؤسس النظام روح الله خميني نهاية عقد السبعينيات من القرن الماضي "لا شرقية ولا غربية" لكنها استعادة محدّثة، حيث وعد بزشكيان أن (جمهوريته) وهي النسخة الرابعة عشرة في ظل الولي الفقيه لن تكون في ذات الوقت "معاديةً للشرق أو للغرب".

بل أن "الطبيب" أفرط في منح مرضاه، وعددهم يقترب من 90 مليوناً، جرع مهدّئات حينما رسم أمامهم خيوط أملٍ معلّقةً في الهواء بقوله إنه "سيجعل إيران جزءاً من حلّ قضايا العالم وليس جزءاً من مشاكله".

وفيما يسعى الشباب الإيرانيون بجدّ للهجرة من إيران، وعد "الطبيب" بحلّ مشاكل الشباب "كي لا يهاجروا إلى الخارج" و "لتكون الهوية الإيرانية امتيازاً وليس عبئا" على حدّ قوله.

لكن "جراح القلب" يُدرك أكثر من غيره أن جرعات المنشّطات والمهدئات التي يوزّعها المرشحون مجاناً خلال الحملات الانتخابية لن يكون بإمكانه هو مواصلة توزيعها بإفراط عندما يضع قدميه في "سعيد أباد" حيث سيجد، وهو وزير صحة سابق، أن مذاخر البلاد لا تكفي لمنح الجميع ما يرغبون به من علاجات، ما يعني أن الوصفات الطبية التي سيكتبها لمرضاه ستكون قاصرة جداً عن الحاجة الفعلية، و "الطبيب" خير من يعلم أن تشافي المرضى لا يمكن أن يحدث إلا بحزمة كافية من مستلزمات العلاج وما يتبعه من لوازم النقاهة لضمان ألّا ينتكس المرضى، مع جهودٍ حثيثةٍ في المجال الوقائي، والشعوب الإيرانية مريضة وكل تلك المستلزمات الضرورية غير موجودة في إيران وحيث التشخيص وحده لا يكفي مع استعصاء الأمراض وتنوّعها، وبعضها مزمن، من جهة، ومع وجود من ينشر الفايروسات المسبّبة للأوبئة عمداً من جهة أخرى.

صحيحٌ أن لدى بزشكيان مواقف داعمة للحرس الثوري في مواجهة بعض التحديات التي تعرّضت لها مؤسسات الحرس والعقوبات التي فرضت عليه حتى أنه ارتدى ذات مرة البزة الرسمية لعناصر الحرس كنوعٍ من إظهار الدعم، لكنه يتعامل مع الحرس كمؤسسة (وطنية) مثل غالب الإيرانيين، وليس (عقائدية) مثلما يتعامل معها الآيديولوجيون، وهذا يعني أنه لم يصطدم بالحرس من قبل وربما كان يحوز على رضا بعض قياداته أيضا.

وكل هذه المساعي التي أبداها الطبيب الجراح، ابن مهاباد الأذري العرق، باعتباره (إصلاحياً) تمثل توجّهات مهمة ومسارات ضرورية لتنفيس بعض الاحتقانات الداخلية والخارجية التي يعاني منها النظام منذ سنوات والتي تنفجر بصيغٍ مختلفة ولأسبابٍ عدة بين حينٍ وآخر.

مع أنني أؤمن أن (الإصلاحيين) و (المحافظين) يتبادلون الأدوار حيثما لزم الأمر، فكل (إصلاحيٍ) هو محافظٌ عندما تتطلّب مصلحة نظام ولاية الفقيه، والعكس صحيحٌ، ومجيء (إصلاحي) إلى قصر سعيد أباد في طهران لا يعدو أن يكون عملية تجميل لوجهٍ أرهقته التجاعيد وقبّحته الأزمات، لكنها عملية تجميلٍ مؤقتة المفعول.

وعلى ذكر تبادل الأدوار، إذ يُوصف بزشكيان بأنه (إصلاحي) فلا يعني أنه مصلحٌ بالفعل، بل هي عملية تلاعبٍ بالألفاظ وتسويقٌ تجاري لمنتجات النظام لا أكثر، فالفرق بين التيارين (المحافظ) و (الإصلاحي) مثل الفرق بين أن تبيع بضاعتك بلا تغليف أو تقدمها للزبائن في علبة ورقية ملونة، فبينما يتعامل (المحافظ) مع قضايا الشعوب الإيرانية بالفظاظة المعروفة التي تمارسها أجهزته القمعية بلا هوادةٍ ولا رادع، وبينما يقارب الشؤون السياسية الخارجية بالاستعلاء المتغطرس المشهور عن نظام ولاية الفقيه فإن (الإصلاحي) يُغلّف هذه الفظاظة وتلك الغطرسة بغلالةٍ رقيقةٍ لكنها لا تشفّ من حريرٍ برّاقٍ زاهي الألوان يسرُّ الناظرين، لكنك ما إن تقترب من هذه الغلالة حتى تكتشف نتن رائحة ما تُخفيه وبشاعة ما تستره، ولا تكاد تلمسها حتى تؤذيك أشواك ما تحجبه تلك الغلالة الزاهية وتمزّق أصابعك.

وعملية تبادل الأدوار وتبديل الوجوه والمسارات، ظاهرياً، منهج نقرأه عبر تاريخ تولي الرؤساء مناصبهم في طهران، هكذا جاء (الإصلاحي) هاشمي رفسنجاني بعد (المحافظ) علي خامنئي في مرحلة إنهاء الحرب ضد العراق وما بعدها، وهكذا صعد (المحافظ) محمود أحمدي نجاد بعد (الإصلاحي) محمد خاتمي في مرحلة كان التصعيد وبناء البرنامج النووي سمتها الأساسية، ليأتي بعده (الإصلاحي) حسن روحاني لتخفيف الاحتقان وفتح أبواب التفاوض حول البرنامج النووي وتهدئة العلاقات الخارجية،  الموقف جداً بشأن المطامع النووية مع الولايات المتحدة.

وعندما أراد ولي أمر النظام إظهار وجهه القبيح بكل بشاعته بلا مساحيق تجميلٍ جاء بالجلّاد (المحافظ) إبراهيم رئيسي بعد مرحلة ترمب التي تأزّم خلالها الموقف جداً بشأن المطامع النووية الإيرانية مع الولايات المتحدة، وبعد الانتفاضات المتوالية للشعوب الإيرانية، ليأتي الآن دور الطبيب (الإصلاحي) مسعود بزشكيان مع أن غالب التوقّعات كانت ترجّح كفة (المحافظ) سعيد جليلي، وهو فوزٌ لم يكن ليحدث لولا أن خامنئي فسح له المجال وأزال من أمامه العقبات، ولولا أنه أعطى إشارةً واضحةً له مذ أمر مجلس صيانة الدستور بإزالة تحفّظاته على بزشكيان، وهو ما حوّل الأخير بقدرة "المرشد" من "فاقد الأهلية" وممنوعٍ من الترشّح سنة 2021 إلى "مؤهلٍ" تماماً سنة 2024 بل ورئيس جمهورية بالفعل!

لا بل أن مجيء (إصلاحي) إلى قصر سعيد أباد سيفتح شهية أصحاب نظرية المؤامرة الذين سيقولون، ولست منهم، إن إزاحة "رئيسي" (المحافظ) كانت اغتيالاً متعمّداً لفسح المجال أمام (الإصلاحي) بزشكيان لتحسين وجه النظام داخلياً وخارجيا.

(الإصلاحيون) و (المحافظون) يتبادلون الأدوار حيثما لزم الأمر، فكل (إصلاحيٍ) هو محافظٌ عندما تتطلّب مصلحة نظام ولاية الفقيه، والعكس صحيح، ومجيء (إصلاحيٍ) إلى قصر سعيد أباد في طهران لا يعدو أن يكون عملية تجميل لوجهٍ أرهقته التجاعيد وقبّحته الأزمات.

وأياً كان ساكن القصر الرئاسي في طهران فإن الاستراتيجيات الإيرانية لن تتبدّل جوهرياً لكن طبيعة الأداء ستختلف بالتأكيد، فهذه الاستراتيجيات محكومة بقوالب صارمة نصّ عليها الدستور الذي لا يمنح الرئيس فرصة رسم الخطوط العريضة، والتفصيلية أحياناً، لهذه الاستراتيجيات وانما فرصة تنفيذها فقط، ومن سوء حظ الرؤساء في إيران أن تقييمهم لا يكون على حسن التنفيذ فحسب وانما أولاً وأخيراً على ما تقتضيه متطلبات استمرار النظام وإطالة عمره في المرحلة المعنية، فقد يكون الرئيس المعني ناجحاً في التنفيذ ومرضياً عنه تماماً من قبل "المرشد" لكن مقتضيات الظروف الداخلية والخارجية تفرض تغييره لضمان إطالة عمر النظام.

وفي كل الأحوال فإن الطبيب بزشكيان لن يصلح ما أفسده المرشد خامنئي لكنه سيمنح النظام الإيراني عمراً إضافياً عبر ما سيمنحه من جرعاتٍ خليطٍ من المهدّئات والمنشّطات، وهذه المهدّئات والمنشّطات، وإن كانت وقتية التأثير والمفعول، أكثر ما يحتاجه الولي الفقيه علي خامنئي لعبور هذه الفترة الحرجة والملتبسة، ولتأمين انسيابيةٍ أكثر سلاسة في المرحلة المقبلة خصوصاً إذا ما زار ملك الموت "مرشد الثورة" واصطحبه معه مغادراً دنيانا وهي زيارة متوقعةٌ كل يوم.

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram