

في حين اكتسح حزب العمال المعارض البرلمان بأغلبية بلغت 412 مقعدا، متجاوزا بذلك عتبة النسبة اللازمة للفوز، وتشكيل الحكومة وهي 326 مقعدا. فما هي الأسباب التي دفعت الناخب البريطاني لمعاقبة الحزب الحاكم بهذا الشكل، وهو الذي أعطى أصواته له بكرم فائق، ومكّنه من أن يستمر في السلطة 14 عاما، بل يكتسح البرلمان في عام 2019؟
لقد ساد شعور لدى الغالبية العظمى من البريطانيين بأن الحزب الحاكم، لم يكن أهلا للثقة التي منحوها له، وأن كل الوعود التي قطعها لهم كانت كاذبة، فالخروج من الاتحاد الأوروبي لم يحقق حلم عودة الإمبراطورية والقوة والقرار والسيادة بيد بريطانيا، الذي كان يراود البعض، بل انقلب كل هذا بشكل عكسي، حتى إن بريطانيا خسرت الكثير من نفوذها الذي كانت عليه عندما كانت عضوا في الاتحاد الأوروبي، حيث كانت تشكل ثلاثية قيادة لأوروبا مع فرنسا وألمانيا.
كما أن الفجوة بين الفقراء والأغنياء ازدادت اتساعا، وعانى نظام الرعاية الصحية في البلاد من انهيار كبير، كما اكتشف الناس أنهم وفي عز معاناتهم من الأزمة الصحية الناتجة عن وباء كورونا والحجر الصحي المفروض عليهم، كان ساسة الحزب الحاكم يقيمون حفلات صاخبة في مقر الحكومة، ثم يكذبون على لجان التحقيق المشكلة للتحقق من ذلك. أما سوء الإدارة، خاصة في الحقل الاقتصادي فأبسط مثال عليه هو ما فعلته رئيسة الوزراء السابقة ليز تراس، التي حاولت إصلاح الاقتصاد بطرح ميزانية مصغرة أدت الى انهيار السوق، ما دفع بنك إنكلترا إلى رفع الفوائد بشكل كبير، وتسبب بعبء ضخم على البريطانيين، أفقد الطبقة الوسطى مواقعها، ونقلها إلى خانة الطبقة الفقيرة. كل هذه الأسباب وغيرها عززت من حالة فقدان الأمل بين أوساط الناس، ووضعتهم أمام خيار وحيد وهو معاقبة الحزب الحاكم بإزاحته من السلطة، لكن ما الذي يمكن أن يفعله حزب العمال لإنقاذ البلاد مما هي فيه؟
لا شك في أن الشعبية التي حصل عليها حزب العمال البريطاني ستكون أمام امتحان صعب وكبير، لأن الإرث الاقتصادي السيئ لا يمكن القفز عليه
لا شك في أن الشعبية التي حصل عليها حزب العمال البريطاني ستكون أمام امتحان صعب وكبير، لأن الإرث الاقتصادي السيئ لا يمكن القفز عليه، فالأدوات الاقتصادية شبه معدومة، والاتفاقيات الاقتصادية ضعيفة جدا، حيث كان الساسة قد وعدوا الناس بشراكة مع الولايات المتحدة، ودعم اقتصادي منها بعد البريكست، والتخلص من سلطة بروكسل، لكن كل ذلك لم يحصل بسبب السياسة الحمائية لإدارة الرئيس الأمريكي السابق ترامب، التي اشترطت شروطا صعبة على بريطانيا منها، خصخصة نظام الرعاية الصحية، والسماح بدخول المنتجات الأمريكية بشكل يُكلّف الاقتصاد البريطاني أكثر مما يغنيه من مكاسب. وكذلك إدارة الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن، لم تتحمس هي الأخرى لعقد اتفاقية تجارة حرة مع بريطانيا. علما أن خبراء الاقتصاد يشيرون بشكل واضح إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يكلفها 162 مليار يورو سنويا، ولذلك تراجع اقتصادها بنسبة وصلت إلى 6%، كما أن البريطانيين باتوا يشعرون بالنتائج السلبية للخروج في حياتهم اليومية، لكن تأثيراتها الأشد وطأة يشعر بها ذو الدخل المحدود. وما زالت ذاكرة الذين صوتوا لحزب العمال طرية ويتذكرون جيدا، كيف أن أزمة الحدود التي اندلعت بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بعد البريكست أفرغت المتاجر من المواد الغذائية. وها هو اليوم زعيم حزب العمال يطرح فكرة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي على إعادة البريكست بصيغة جديدة، تكون أقل وطأة على الاقتصاد البريطاني، لكن الأيام ستكشف إن كان لديه ما يكفي من الدعم لهذه الخطوة داخل الحزب وبين جماهيره.
إن الحقيقة المطلقة هي أن ولاية واحدة لحزب العمال البريطاني لا يمكن أن تحدث تغييرا. لذلك ذهب مستشارون لزعيم الحزب للقول بضرورة تدشين استراتيجية صناعية طويلة الأمد، كأفضل وسيلة لمواجهة الأزمة الحالية، ويضيفون على ذلك بأن هناك ضعفا عميقا في الإنتاجية البريطانية، ويعزون سبب ذلك إلى سنوات مضت نتيجة سياسات رئيسة الوزراء السابقة مارغريت ثاتشر، التي قامت بتفتيت الصناعات البريطانية من أجل هدف سياسي وهو القضاء على النقابات العمالية. وعليه فإن زعيم حزب العمال عليه واجب إعادة البنية الصناعية إن كان حقا يريد أن ينهض بالاقتصاد البريطاني، لكن هذا الهدف يتطلب استثمارات ضخمة ويتطلب إنفاقا عاما أيضا. ولأن بريطانيا تحت عبء ضريبي باهظ، حيث معدلات الضريبة عالية جدا، فإن السؤال الأهم الذي يبرز هنا هو، هل ستضطر حكومة حزب العمال إلى فرض ضرائب أخرى على الناس؟ أم فقط على كبار الأغنياء؟ ربما هذا القرار وغيره من القرارات الأخرى، التي تعالج الوضع العام في البلاد ستظهر بشكل واضح خلال العامين المقبلين عندما يُجس نبض الاقتصاد البريطاني، أيضا هناك مشكلة أخرى هي نقص الأيدي العاملة، حيث إن هناك قطاعات لا يمكن أن تعمل من دون اليد العاملة الأجنبية، مثل الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية وقطاع الزراعة والريف، وهو ما يشكل 70% من الاقتصاد البريطاني، الذي هو بحاجة إلى عمالة من الخارج، الأمر الذي دفع زعيم الحزب إلى الإعلان، في برنامجه الانتخابي، بأن حكومته ستقوم بوضع سياسة للهجرة قائمة على أساس الاستفادة من الهجرة الماهرة، كذلك تبرز أمام حكومة حزب العمال الجديدة مشكلة كلفة الديون الخارجية، إذ إن بريطانيا هي أكثر دولة في مجموعة السبع الصناعية تدفع تكلفة الدين الخارجي، وتبلغ 155 مليار جنيه إسترليني فقط لخدمة الديون، التي تراكمت عليها بعد بريكست وجائحة كورونا والحرب في أوكرانيا.
أما على الصعيد الخارجي فبريطانيا منذ قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإلى الآن لا أحد فيها يعرف إلى أين هي تريد الذهاب، هل تريد أن تكون في تحالف أنكلوسكسوني مع الولايات المتحدة؟ هل تريد أن تُحيي تحالفها مع الاتحاد الأوروبي بصيغة الند للند؟ هل تريد أن تكون قوة صاعدة أو تعود قوة عظمى؟ وحتى في مسألة بناء التحالفات الدولية الاقتصادية لم تستطع بريطانيا بناء أي تحالف اقتصادي مع دولة أو دول، في حين ذهبت دول عديدة إلى القيام بذلك كالصين والهند وكندا وغيرها. كما أنها على الصعيد السياسي لم تكن فاعلا دوليا مُهما في أزمات الشرق الأوسط، والأزمات في افريقيا، وتخلت عن دورها كلاعب دولي. يقينا أن نتيجة الانتخابات البريطانية الأخيرة كانت عقابا ليس فقط لحزب المحافظين، بل لكل الأحزاب البريطانية كل حسب استحقاقه. والدليل أن نسبة التصويت قد انخفضت عن الانتخابات السابقة، بنسبة تصل إلى مليوني ناخب.
نشر المقال هنا