

لقد قتل الصهاينة "حل الدولتين" بعد تصويت الكنيست (الإسرائيلي) بالأغلبية الساحقة يوم 17/7/2024 على مشروع قرار يرفض بشدة إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، ويعلن أن "إقامة دولة فلسطينية في قلب أرض (إسرائيل) سيشكل تهديداً وجودياً ل (إسرائيل) ومواطنيها وستؤدي إلى إدامة الصراع (الإسرائيلي) الفلسطيني وزعزعة استقرار المنطقة".
وقبل ذلك وافقت الحكومة (الإسرائيلية) بالإجماع يوم 18/2/2024 على قرار برفض ما أسمتها "الإملاءات الدولية بشأن تسوية دائمة مع الفلسطينيين ورفض الاعتراف أحادي الجانب بدولة فلسطينية غرب نهر الأردن"، وقبلها ضمّت (إسرائيل) القدس الشرقية والجولان، وهكذا أصبح حديث العرب عن "حل الدولتين" ومرجعية قمة بيروت 2002 مجرد هذر.
هذه الخطوات الإسرائيلية العنصرية المنتهكة للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن تعطي للعرب فرصة فريدة أن يعلنوا أن الكيان الصهيوني هو من قتل ودفن حل الدولتين التي تبنّته قمة بيروت العربية عام 2002، ولذا فلم يعد مطروحاً سوى حل واحد وهو حل الدولة الديمقراطية الواحدة من النهر الى البحر.
إن الخطوة الأولى نحو تبني مرجعية عربية جديدة لحل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً تستدعي من الجامعة العربية وأمينها العام السيد أحمد أبو الغيط البدء بمشاورات مع الدول العربية لبلورة موقف عربي موحد يدعو لحل الدولة الواحدة في فلسطين يتمتع فيها الفلسطينيون واليهود بحقوق مواطنة متساوية، وهذا هو الهدف الاستراتيجي الأصح والأكثر شمولاً لإنهاء الصراع العربي- (الاسرائيلي) وتحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط.
تدعم المعطيات في أدناه التحرك لاعتماد مرجعية عربية جديدة تخلف قرار قمة بيروت عام 2002، وتحدد الآفاق وتحشد الدعم لحل الدولة الديمقراطية الواحدة:
أولاً: الدولة الواحدة، قائمة فعلاً منذ عام 1967، فبين النهر والبحر تتحكم سلطة واحدة في دخول وخروج الأشخاص والبضائع، وتشرف على الأمن، ولديها القدرة على فرض قراراتها وقوانينها وسياساتها على ملايين الفلسطينيين دون موافقتهم. وكما قال الكاتب شبلي تلحمي وكتاب آخرون "إن حل الدولة الواحدة ثنائية القومية قائم فعلاً، لكنه يعاني من خلل هيكلي ناشئ عن التمييز ضد الشعب الفلسطيني، ومن ثم فإن حل الدولة الواحدة لا يمكن تجاهله باعتباره الحل العملي للصراع الفلسطيني – (الإسرائيلي)". (أنظر مقال مجلة «فورين أفيرز» في 14 نيسان 2024).
الدولة الواحدة التي يتمتع فيها اليهود والفلسطينيون بحقوق مواطنة متساوية مطلب سيحظى بدعم كبير من المجتمع الدولي، وبوادره قائمة في رفض المجتمع الدولي ورفض المؤسسات القانونية والإنسانية الدولية لنظام الفصل العنصري الصهيوني "الأبارتهايد".
ثانياً: الدولة الواحدة التي يتمتع فيها اليهود والفلسطينيون بحقوق مواطنة متساوية مطلب سيحظى بدعم كبير من المجتمع الدولي، وبوادره قائمة في رفض المجتمع الدولي ورفض المؤسسات القانونية والإنسانية الدولية لنظام الفصل العنصري الصهيوني "الأبارتهايد"، والمؤرخون المنصفون يرون في تجربة جنوب أفريقيا مثالاً يحتذى، حيث أزيل النظام العنصري وبؤر الاستيطان للبيض والمعازل المخصّصة للسود وتوحّد السود والبيض في كيان واحد.
ثالثاً: إن دعم الغرب "اللفظي" لحل الدولتين لم يأتِ شغفاً بقيام دولة فلسطينية على 22% من أرض فلسطين، بل لسببين رئيسيين:
الأول هو من أجل أن تكسب به (إسرائيل) وقتاً وتغيّر، بالقتل والتهجير، الواقع الديموغرافي في الضفة والقطاع للوصول إلى "إسرائيل العظمى".
والثاني هو أن الترويج لحل الدولتين سيصرف الفلسطينيين والرأي العام العالمي عن الحل الحقيقي وهو الدولة الواحدة. وقد عبّر سياسيون غربيون صراحة عن رفضهم حل الدولة الواحدة، التي برأيهم ستؤدي إلى فقدان الصفة الصهيونية لدولة "إسرائيل"، ومنهم هيلاري كلينتون التي قالت في 23/7/2015 "إن حل الدولتين هو الحل الوحيد للإسرائيليين والفلسطينيين، وإن الدولة الواحدة ليست حلاً، بل هي وصفة لصراعات لا تنتهي".
رابعاً: التحولات الجيوستراتيجية التي يمر بها العالم والمنطقة، منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023. وخاصة استمرار حملة الإبادة الجماعية في غزة، جعلت الرأي العام العالمي يبدي تعاطفاً واسعاً وعميقاً مع شعب فلسطين بعد طول تجاهل وظلم، بضمنهم اليهود الأميركيون ، وعددهم أكثر من يهود الكيان الصهيوني، الذين رأى كثير منهم أن ممارسات (إسرائيل) البربرية تعارض قيمهم ونزعتهم الانسانية. كما تحركت المؤسسات القانونية الدولية لدعم حقوق شعب فلسطين، وآخرها الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر يوم 19/7/2024.
كما تزايدت أعداد المفكرين اليهود الذين يتبنون رؤية الدولة الواحدة، ويرونها الحل الأكثر أخلاقية، وعدلاً، وأكثر استدامة وديمومة، ومن بينهم المؤرخ الإسرائيلي "إلان بابي" الذي أرّخ لعمليات التطهير العرقي والتهجير التي نفذتها (إسرائيل) ضد الفلسطينيين منذ النكبة، حيث يؤكد "بابي" إن الحل يكمن في دولة واحدة قائمة على فكرة المواطنة.
العرب ليسوا "معادين للسامية" بل هم أمة عريقة متسامحة لها تاريخ في استقبال اليهود الهاربين من إسبانيا بعد اعتناق ملك القوط للكاثوليكية وصدور مرسوم في سنة 700 ميلادية يقضي باستعبادهم، وفي استقبال اليهود الهاربين من جرائم الإبادة النازية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
خامساً: لا يجب أن ينظر الى حل الدولة الواحدة على أنه تصالح مع المحتلين. إن الالتزام العربي بحل "الدولة الديمقراطية الواحدة" سيؤكد أن العرب ليسوا "معادين للسامية" ولا يريدون "إلقاء اليهود في البحر" بل هم أمة عريقة متسامحة لها تاريخ في استقبال اليهود الهاربين من إسبانيا بعد اعتناق ملك القوط للكاثوليكية وصدور مرسوم في سنة 700 ميلادية يقضي باستعبادهم، وفي استقبال اليهود الهاربين من جرائم الإبادة النازية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، وهذا سيعمّق مأزق الصهيونية أمام العالم، وأمام المعتدلين والمنصفين من اليهود، علماً بأن عدداً متزايداً من اليهود بدأوا يؤكدون انتمائهم العربي (انظر مذكرات المفكر آفي شليم: مذكرات يهودي عربي).
سادساً: إن اعتماد حل الدولة الواحدة سوف يسمح بمراجعة نقدية لخطوات (التطبيع) العربية، ويضع جميع الدول العربية على خط شروع واحد بأن يكون القبول والتطبيع عند قيام الدولة الديمقراطية الواحدة لا قبله، يدعم ذلك أن الدول العربية التي انخرطت في خطوات التطبيع سابقاً بدأت تراجع مواقفها بعد أن أظهرت جرائم الإبادة التي يرتكبها هذا الكيان منذ السابع من أكتوبر 2023 أن التطبيع معه، ومع عقيدته التي تعتبر العرب "حيوانات على هيئة بشر" إنما هو شكل من أشكال الذل والخنوع.
سابعاً: أما على المستوى الفلسطيني، فإن منظمة التحرير الفلسطينية كانت تحمل منذ تأسيسها عام 1964 رؤية لدولة واحدة ديمقراطية، من البحر إلى النهر، لكنها كانت تلوّح بها فقط ولم تطرحها كحل شامل مستدام، ولم تتخلَ لحد الآن عن حل الدولتين رغم مرارة تجربة أوسلو، واليوم أصبح حل الدولة الواحدة أكثر إقناعاً للفلسطينيين من حل الدولتين بعد التحولات على الأرض، وأهمها النمو الديموغرافي للشعب الفلسطيني مقابل الضمور الديموغرافي لليهود بحث أصبحت الموازنة الديموغرافية في فلسطين التاريخية تميل لصالح الفلسطينيين، ونسبتهم تميل إلى الازدياد.
ففي مقال للكاتب "دان بيري" بعنوان "إسرائيل تدمّر نفسها" نشرته صحيفة (The Hill) يوم 13/7/2024 يقول الكاتب "إن سياسات (إسرائيل) غير الصالحة وضعتها على طريق التدمير الذاتي" ويضيف "أن سكان (إسرائيل)، بضمنها الضفة والقطاع، يبلغ (15) مليوناً بأغلبية عربية ضئيلة، وأن الفلسطينيين يميلون نحو التخلي عن حل الدولتين ويطالبون بالاندماج في دولة واحدة، وإذا حصل ذلك سيهاجر اليهود الأغنياء من (إسرائيل) ويصبح اليهود أقلية، ولربما سيصبح اسم الدولة الجديدة فلسطين".
ثامناً: من مميزات الدولة الواحدة أنها ستجعل الشرق الأوسط منطقة خالية من الأسلحة النووية، وستعزّز جهود المجتمع الدولي في منع الانتشار ونزع السلاح النووي، فعندما يتفكّك النظام الصهيوني العنصري سيفكّك معه أسلحته النووية، تماماً كما فعل نظام "الابارتهايد" العنصري في جنوب افريقيا.
تاسعاً: وحتى العرب الذين يشكّكون في إمكانية إقامة الدولة الواحدة بسبب غطرسة وعنصرية وبطش الكيان الصهيوني، ويرون أن حل الدولتين هو حل مرحلي أكثر واقعية، فإن انضمامهم لحل الدولة الواحدة سيجعل حماة (اسرائيل) في الغرب يسارعون الخطى نحو حل الدولتين، فبالنسبة لهم خسارة 22% خير من خسارة 100%.
ختاما
يبقى السؤال الأهم : إذا جعل العرب "الدولة الديمقراطية الواحدة" مرجعيتهم، هل ستكون تلك المرجعية مجرد شعار ورغبات وأمنيات، أم أن العرب سيوحّدون جهودهم وإمكاناتهم الكبيرة وعلاقاتهم الدولية الواسعة وثرواتهم وبقية عناصر قوتهم لتحويل هذا الهدف إلى حقيقة على الأرض تضمن لهم ولليهود حياة آمنة مستقرة ومزدهرة، وتحفظ السلم والأمن الإقليمي والدولي؟ الجواب على هذا السؤال عند القادة العرب.
والله المستعان