

فصحيفة «هآرتس» (الإسرائيلية) قالت في مقال رأي (انتصار نتنياهو الفارغ في الكونغرس: التفوق في الخطابات والفشل في الحروب). أما صحيفة «جيروساليم بوست» (الإسرائيلية) فقالت في وصف خطابه (في لحظة انتصار نتنياهو تسلل الحزن والاحتقار من العالم الخارجي). كما اختارت صحيفة «يديعوت أحرنوت» عنوانا لمقالها حول الموضوع بالقول (خطاب نتنياهو كان رائعا ولكنه مَعيب).
الفارق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي هو أن هذا الأخير بحاجة إلى الالتفات إلى الإرادة الشعبية، خاصة الشبابية، في ما هذا ليس له أي اعتبار لدى الجمهوريين
وبالصيغة نفسها لكن بعبارات أكثر قسوة واستحقارا تناولت الصحف الأمريكية نتنياهو وخطابه. فما الذي أراده نتنياهو من زيارته لواشنطن؟ يمكن اختصار ما أراده من زيارته للولايات المتحدة، وإلقاء خطاب أمام الكونغرس، وعرض صورة ما حدث في السابع من أكتوبر وفق الرؤية الإسرائيلية، والقول بوجود تهديد إيراني دائم لإسرائيل، وضرورة أن يكون الغرب مع إسرائيل في معسكر واحد ضد الفلسطينيين، هو أن يؤدي كل هذا الاستعراض الصوري إلى تلقي المزيد من الأسلحة، خاصة ذات التكنولوجيا العالية، لكن إذا ما عدنا إلى الخطاب فيمكن القول، إن أقصى ما حققه نتنياهو هو أنه حصل على تأييد نخبة من الجمهوريين، مناصروه في الكونغرس، ومن حوله من مؤيدي إسرائيل التاريخيين. بمعنى أنه سمع ما كان يسمعه دائما من أن الولايات المتحدة تقف دائما إلى جانب إسرائيل وتدعمها.
لكن الجديد الذي لم يستطع اختراقه أو تغييره هو أن الانقسام الداخلي في الحزب الديمقراطي بين الجناح الذي يمثله بايدن، وتزايد التأثير والنفوذ للجناح التقدمي، فهذا هو الذي لم ينجح نتنياهو في ترميمه، لذلك يمكن القول إنه حقق ما يريده جمهوريا، إلا أنه تعثر ديمقراطيا. أما داخليا فقد كان هدفه من الزيارة هو، إرسال رسالة واضحة للإسرائيليين بأنه هو القادر على مخاطبة الأمريكيين، وهو القادر على استقطاب السياسيين من الحزبين، وبالتالي هو الزعيم الإسرائيلي صاحب المكانة العالية. وكذلك سعى في واشنطن مع من يناصره، وهم ليسوا أقلية على الإطلاق، بل هم يهيمنون على المشهد السياسي، إلى التأكيد أن مستوى المعارضة لإسرائيل وله شخصيا ليس بالحجم الذي يريد الإعلام المعارض لإسرائيل أن يصوّره. كما أراد أن يرسل رسالة إلى العالم ككل بأن إسرائيل لا تزال تحظى بالدعم الكامل من الولايات المتحدة بحزبيها وبمرشحيها. صحيح أن المرشحة كامالا هاريس غابت عن الجلسة، لكنه التقى بها وسمعنا ما قالته خلال اللقاء وكان خاليا تماما من النقد لنتنياهو. لكن يمكن القول إن ما يسعى إليه نتنياهو في ما يتعدى هذا الجانب الشكلي هو أكثر بكثير. فالرجل لم يأتِ الى واشنطن كي يتراجع عن موافقه السابقة، ولا أن يعقد صفقة مع حماس تُلبي الحالة الشكلية التي تدعو لها الولايات المتحدة، وإن لم تكن صادقة، وهي التوصل إلى إنهاء الحرب ووقف إطلاق النار، بل هو جاء بمجموعة من الأهداف المعاكسة تماما لذلك.. إنه يريد أن يحصل من إدارة بايدن، أو إدارة هاريس المقبلة، أو إدارة ترامب المقبلة على دعم كامل لإسرائيل لتوسيع الحرب. فهو يصر على ما يسميه الانتصار المُطلق، الذي لا يعني فقط القضاء على حماس، والاستيلاء الفعلي على قطاع غزة، ولكن إنزال الهزيمة الفعلية بكل الشرق الأوسط. لكن إدارة بايدن ليست بهذا الوارد إطلاقا، فقد اجتهدت طوال الأشهر الماضية في أن تحصر المسألة بغزة وجوار غزة، ولكنها لا تريد صراعا على مستوى المنطقة. قد يقول بعض صقور الجمهوريين بأن هذه معركة مؤجلة، ولكن يؤكدون على أنها معركة لا بد منها، ونستطيع أن نتوقع أن نتنياهو سوف يُحتضن من قبل هؤلاء على أنه المُدافع عن الولايات المتحدة والغرب والقيم وغيرها من الأقوال الفارغة من المضامين.
وهنا لا بد من التأكيد على أنه في مستوى القيادات الحزبية، وعلى مستوى القيادات في موقع السلطة، لا خلاف على الدعم المطلق لإسرائيل. فإذا كان ثمة خلاف بين الديمقراطيين والجمهوريين، فهو أن الجمهوريين يؤيدون إسرائيل، من دون تحفظ، حتى مع بعض المبالغات الكلامية من جانب العديد منهم بالقول، لا بد من القضاء ليس فقط على حماس، ولكن على كل قطاع غزة، وباستعمال أي سلاح بما في ذلك السلاح النووي، كما توّقّع نيكي هيلي على الصواريخ التي تقتل أطفال غزة بكل فخر واعتزاز. هذا هو الموقف الجمهوري. أما موقف القيادات الديمقراطية فهو باستثناء قلة على الغالب، لا بد له من أن يأخذ بعين الاعتبار بعض القاعدة الديمقراطية، ليس فقط من التقدميين والأقليات العرقية، ومنهم ذوو الأصول العربية والإسلامية، ولكن تحديدا الفئات الشبابية، التي تبدو أكثر من منفعلة، لا بل تبدو مستهجنة للمشاركة الكاملة للولايات المتحدة في المقتلة الدائرة في غزة. هؤلاء الشباب ليس لديهم الولاءات التي يُفترض أنها موجودة لدى بقية الأمريكيين، سواء لاعتبارات دينية أو تاريخية أو غير ذلك إزاء إسرائيل، وبالتالي فهم يرفضون ما يجري، فالمسألة هنا ليست تمييزا على أساس ديني، بل على أساس جيلي، وعلى أساس أخلاقي أيضا.
إذن القيادة في الحزب الديمقراطي لا بد لها من تأخذ هؤلاء بعين الاعتبار، كي تتمكن من المحافظة على مكاسبها في المواقع الانتخابية المختلفة، لذلك رأينا على مدى الأشهر الماضة هذا النفاق السياسي من قبل إدارة بايدن، التأييد الكامل، الدعم الكامل، الإمداد الكامل ل(إسرائيل)، والغطاء الكامل لكل جرائمها في المحافل الدولية، ومن ثم بعض الكلام المعسول المُعترض الذي يتمنى ويترجى بأن لا تقتل إسرائيل الكثير من المدنيين الفلسطينيين، وأن تسمح بزيادة عدد شاحنات الإغاثة التي تدخل إلى قطاع غزة. في حين أن كل هذا مجرد كلام فارغ لا أساس فعليا له على الأرض، لان الموضوع يتجاوز بايدن وغير بايدن.
إذن الفارق بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي هو أن هذا الأخير بحاجة الى الالتفات الى الإرادة الشعبية، خاصة الشبابية، في ما هذا ليس له أي اعتبار لدى الجمهوريين. نعم لقد حظي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بما لم يحظ به حتى في (إسرائيل)، بل ربما لم يحظ به زعيم أمريكي في الكونغرس من قبل. وهذا دليل على تراجع ما يسمونه بالديمقراطيات الغربية، وكيف أن الكونغرس الذي يقولون عنه بأنه القوة الديمقراطية العظمى والأولى في العالم يصفق وينهض قياما لشخص أدانته المحاكم الدولية بتهمة الإبادة الجماعية.
نشر المقال هنا