السبت 26 / سبتمبر / 2026

قراءة في شخصية يحيى السنوار

محمد خير كنجو
السبت 10 أغسطس, 2024 11:07
 مرّ على تاريخ الأمتين العربية والإسلامية الكثير من القادة البارزين الذين خلّدوا أسمائهم في كتب التاريخ من حروف من نور، وما تزال الأجيال تذكر مناقبهم وبطولاتهم واخلاصهم لأمتهم، ورغم ذلك لم يخلو تاريخهم من هفوات وأخطاء يجب التوقف عندها للتعلم والاستفادة منها وتداركها بعيداً عن الغلو والتقديس والذم والتشنيع.

ومن الملاحظات التي توقفت عندها وجود الكثير من أوجه التشابه والمشتركات بين بعض أولئك القادة ، ولذلك يمكنك التنبؤ بما سيفعلون بناء على قراءات سابقة قبل أن تتم القراءة عن أحدهم، وكما نعلم أن الأمم لاتنهض إذا لم تجري مراجعات ونقداً ذاتي بشكل دائم ومتواصل، وما لم تتوفر على قدر عالٍ من حرية النقد البناء وأحياناً اللاذع من باب الحرص والنصيحة والمحبة.
وبناء عليه، ما سأقدمه في هذه المقالة قراءة تحليلية متجردة عن شخصية القائد يحيى السنوار وخاصة بعد تسلمه القيادة العامة لحركة حماس.
بعد الاعلان عن اختياره قائداً عاماً لحركة حماس ضجّت مواقع التواصل والقنوات الفضائية وكثر الحديث عنه بين متجنٍ حاقدٍ وبين محبٍّ متطرفٍ مُقدِّس، وأرى أن الطرفين لم ينصفوا الرجل وجانبهم الصواب في العديد من المواضع، ولأكون صادقاً مع القارىء الكريم أقول: قراءتي لشخصية السنوار لا تعتمد على معلومات دقيقة وموثوقة عنه لأني لم التقي به شخصياً، بقدر ما هي استقراء وتتبع لتصريحاته وخطبه وشهادات بعض من خالطه وطريقة قيادته للحرب الدائرة في غزة، خاصة أنه المهندس الفعلي لهجوم السابع من اكتوبر "طوفان الأقصى"، إضافة لتجربة شخصية خالطت من خلالها قادة عسكريين في الثورة السورية فيهم شبه كبير من شخصية السنوار بل تكاد تكون متطابقة.
بداية لا شك ولا ريب لدي ولو للحظة بإخلاص الرجل لقضيته ونزاهته وصلابته وشجاعته، وهو من نوعية القادة الذين يؤمنون بضرورة استمرار المعارك العسكرية مع الأعداء بغض النظر عن التكلفة البشرية والمادية والتدميرية، بل يعتقدون أنها مطلوبة وضرورية لتبقى الأضواء مسلّطة على قضيتهم، وأن تكون محل حديث العالم، حتى وإن كانت تصريحاتهم في بعض الأحيان تقول عكس ذلك من باب الخديعة للعدو، وعلى عكس ما يعتقد البعض أن مشاهد الاشلاء والدماء والدمار قد تؤذيهم وتؤثر فيهم، أقول: هم يشعرون بنشوة كبيرة لرؤية هذه المشاهد ويعتبرونها ثمناً طبيعياً ومنطقياً واجبٌ دفعه باستمرار لإثبات أن عدوهم مجرم وقاتل ولا يتورع عن قتل الاطفال والنساء والشيوخ، وقصف المشافي والمدارس ودور العبادة، كذلك يرفضون أن يحيطوا أنفسهم بأي قائد لديه رؤيا وسطية مختلفة عن رؤيتهم "المتطرفة" وقد يصل بهم الحد لتخوينه واتهامه بالانهزامية، ومحاولة التخلص منه بأي شكل من الأشكال عبر الإبعاد أو الاغتيال المعنوي وربما الجسدي لمجرد الاشتباه به.
هذا النمط من القادة لا يثق بأي أحد بسهولة، ولكنه إذا وثق بأحدهم يصل به حدّ التقديس، ولذلك يخطىء جداً من يعتقد أن علاقة السنوار مع ايران وحزب "الله" ومغازلته للنظام السوري من باب التقية والمصلحة والاضطرار وأكل الميتة، فهذا يتنافى تماماً مع شخصيته، لأنه يبني تحالفاته بناءً على قناعة مطلقة بمنهج الحليف ومصداقيته.
كونوا على ثقة تامة فيما لو رأى السنوار في إيران وحلفائها عكس ما يعتقد ويؤمن به فلن يتردّد للحظة أن يُعلن ذلك ويُنهي هذا التحالف مهما كان الثمن مكلفا.
كذلك مخطىء جداً وواهم من يعتقد أن السنوار جبان ويخشى الموت ولذلك يتخفّى في الأنفاق، بل اعتقد جازماً أنه يتنقل في قطاع غزة متنكراً لأن التواري عن الأنظار والابتعاد عن المعركة الميدانية عكس شخصيته تماما.
ومخطىء أيضاً من يعتقد أن السنوار يعتني كثيراً بأمنه الشخصي بل قد يصل به الحد لإهمال ذلك مما يجعل الوصول إليه أسهل من غيره.
يحيى السنوار ومن يشبهه يؤمنون بقيادة الفرد الواحد، ويتمسّكون جداً برأيهم ويحاولون فرضه على من حولهم، رغم وجود مجلس شورى، ولكنه رويداً رويداً يصبح صورياً تحت سطوة شعار لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.
ومن النواحي المخيفة في شخصية هذا الصنف من القادة أنهم لا يتورعون عن إراقة دماء أقرب المقرّبين منهم بسبب أدنى شبهة، مما يجعل من يحيطون بهم في حالة توجّس وتردّد دائم في إبداء رأيهم وما يعتقدون أنه صواب، لأن الأمر سينتهي للصدام لامحالة.
يبذل هؤلاء القادة في سبيل ذلك عناية خاصة لصناعة أجهزة أمنية يشرف عليها أشخاص متطرفون جداً، ومن الجدير ذكره أيضاً أنهم لا ينسوا من ظلمهم وأساء إليهم، ويبقى الانتقام الهاجس المسيطر عليهم طوال الوقت.

ختاما
اعتقد أن يحيى السنوار الخيار المفضّل لأي عدوٍ وحشي على خلاف ما يروّجه بعض الناس من كون (إسرائيل) ممتعضة وخائفة من تسلّمه قيادة الحركة، لأنه القائد الفعلي للحركة منذ أن تسلم مكتبها السياسي في غزة عام 2017، وعليه سنرى في الأيام القادمة استمرار لعمليات المقاومة، وضربات نوعية مؤلمة للعدو مما سيخلق ذرائع اضافية لتدمير ما تبقى من غزة، وسيبقى السنوار متمسكاً بمطالبه في أيّ مفاوضات مهما كانت الضغوطات كبيرة، وسيختار القتال حتى الموت على أن يُقدّم أي تنازلٍ ومن أي نوع كان، لأنه لا يؤمن بشيء اسمه خط الرجعة.
المؤكد لديَّ أن القائد يحيى السنوار دخل التاريخ، ولكن أخشى ما أخشاه أن يخسر الجغرافيا قبل رحيله أو بعده، وتسمية هجوم السابع من اكتوبر ب "طوفان الأقصى" لم يكن عبثياً، فمدلوله واضح جداً يتلخّص في عبارة "أنا ومن بعدي الطوفان".

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram