

وعليه فإن حدود القوى الغربية لم تعد محصورة في القارة الأوروبية، بل امتدت إلى أميركا الشمالية وآسيا والمحيط الهادئ. ويمكن القول إن القاسم المشترك الأعظم في ما بينها هو تبنيها النهج السياسي والنهج الاقتصادي، الذي تسلكه الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، ثم نهج الدول الأوروبية. وبذلك نكون قد انتقلنا من فهمنا للغرب كجغرافيا، إلى فهم سياسي وجيوسياسي، بل أحيانا تنظم إلى هذه المجموعة الدولية دول من أمريكا اللاتينية أيضا، التي طالما اعتبرتها الولايات المتحدة حديقتها الخلفية، وهذا في الحقيقة موقف استعماري وإمبريالي بحت.
وعندما يجري الحديث اليوم عن أفول الغرب، فهذا يعود إلى مشكلة أساسية في الغرب نفسه، فلطالما اعتبر أن وجوده قائم على القيم، وأن قيمه هذه ليست محلية بل عالمية، لكن في التطبيق العملي نجد أنه قد فشل فشلا ذريعا في ذلك. فمثلا عندما يتغنى بالديمقراطية والمساواة والدفاع عن حقوق الإنسان، نجد أن تطبيقه لها على بقية الدول والشعوب لا ينسجم إطلاقا مع معانيها. ففي كل حالات الاستعمار التي حصلت، كان الغرب يتصرف كراعٍ لحقوق الإنسان والمواطنة. وهذا هو في الحقيقة الشيء ونقيضه في الوقت نفسه، لأنه كيف تستقيم حالة الاستعمار مع شعار الحرية وحقوق الإنسان والمساواة.
إن سياسات الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة وعدم التطبيق الفعلي للقيم بالتساوي على الجميع، لا يمكن أن تقبل بها دول الجنوب بعد الآن
فعلى سبيل المثال في حرب فيتنام، وعلى الرغم من كل القتل والدمار، واستخدام الأسلحة النووية، لكن الولايات المتحدة ادعت أنها تفعل ذلك تحت بند الحرية. كما أنها في عام 2003 غزت العراق بشكل أحادي، مدعية واجبها في إحلال الديمقراطية، لكن بشاعة الأفعال التي مارستها في أبو غريب وبوكا والقتل والتدمير الهمجي، الذي طال كل العراق، حكم على كل القيم التي تنادي بها بالإعدام. وما يقال عن العراق يقال عن أفغانستان أيضا، الادعاء نفسه والأسلوب الهمجي نفسه، بل لعل ما يجري في غزة ضد أهلنا من قتل وتهجير ودمار قد أسقط القيم الغربية إلى قعر الحضيض، وهو دليل ساطع على أن القوى الغربية تدافع عن هذه القيم عندما تصب في مصلحتها فقط، لكن عندما تنتهي مصلحتها فهي لا تتوانى عن الغزو والاحتلال، وتدبير الانقلابات، وتغيير النظم السياسية والاغتيالات. إن سياسات الكيل بمكيالين والمعايير المزدوجة وعدم التطبيق الفعلي للقيم بالتساوي على الجميع، لا يمكن أن تقبل بها دول الجنوب بعد الآن. وهذا هو العامل الفاعل في تراجع النفوذ الغربي اليوم، الذي بدا واضحا في انحسار النفوذ الفرنسي بشكل رئيسي في القارة الافريقية مؤخرا. فلم تعد القوى الغربية في موقع يسمح لها بفرض إرادتها وقراراتها على بقية العالم. وهذه هي الهندسة الجديدة للعلاقات الدولية، التي أنتجت دولا وشعوبا راشدة، لا تقبل أن تكون تحت وصاية أحد. ومع ذلك فالواقعية السياسية تقول إن القوة الأكبر عالميا ما زالت هي الولايات المتحدة، لكنها لم تعد قادرة على إدارة العالم كما كانت تفعل منذ عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاما، فقد أنتهى ذلك الزمن. واليوم الولايات المتحدة لديها منافسين في كل المجالات، فالصين اليوم هي ثاني قوة اقتصادية في العالم، وربما قريبا تسبق الولايات المتحدة على هذا الصعيد. كما أنها بدأت تفرض وجودها السياسي، ليس إقليميا وحسب، بل عالميا أيضا. فمنذ أشهر تم تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران برعاية الصين. كما أن ظهور مجموعة البريكس وتوسعها في هذا العام 2024، يُعتبر حدثا كبيرا ومهما في التوازنات والتجاذبات الدولية، وهي فاعل جديد في الساحة.
وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الأمور والأمثلة ليست دليلا على أن القوى الغربية قد اختفت من المشهد الدولي، لكن تُظهرها بأنها لم تعد في وضع الهيمنة، ولا في وضع يُمكنها من فرض إرادتها على بقية شعوب الكرة الأرضية كما في السابق. فمجموعة البريكس لا يمكن النظر إليها وفق النمطية السابقة في التحالفات الدولية، حيث إننا نجد أن هناك مصالح متضاربة داخل هذه المجموعة، فعلى سبيل المثال الهند والصين ليستا ذاتي مشاريع سياسية واحدة، وهناك منافسة، وهنا تكمن الصعوبة، فقد كان لدينا نظام عالمي تُهيمن عليه القوى الغربية، وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية. أما اليوم فقد اهتزت هذه الهيمنة، لكننا لم نصل إلى نظام عالمي أو سياسي بديل حتى الآن، وإعادة تشكيله وفق نموذج آخر لم يُكتب بعد. فالتحدي الرئيسي أمام جميع دول العالم، سواء دول الجنوب، أو دول الشمال هو الرهان الديمقراطي، وهذا الرهان ليس له نموذج واحد. وعليه لا يمكن لفرنسا، على سبيل المثال، أو الولايات المتحدة أو المانيا أو بريطانيا، أن تفرض نموذجها على بقية شعوب العالم، بل من المهم جدا أن تستطيع شعوب العالم ودوله أن تختار بحرية نموذجها الخاص ومشروعها السياسي الذاتي. إذن هناك علاقة جدلية بين دور الدول، والإسهام الشعبي، كي يتسنى بناء نموذج بديل. وهذان الوجهان ينبغي فهمهما من حيث شموليتهما وعلاقتهما الجدلية، وربما هذا هو السبيل الذي يسمح في بناء نظام عالمي جديد.
إن التحالفات القديمة التي هيمنت على العالم لعقود لم تعد قائمة، ونحن الآن أمام منظومات متقلبة كثيرا. هناك شراكات ظرفية مع مجموعة من الدول، وقد تكون محدودة زمنيا، لكنها لم تعد تحالفات راسخة لعدة عقود، حيث انتهى هذا النمط. صحيح أن الناتو ما زال قائما، وقد تعزز بعد الحرب في أوكرانيا، لكن حتى داخل الناتو وجهات نظر ليست موحدة ولعل المثال الأبرز على هذا الأمر تركيا، فهي عضو في الناتو منذ عام 1952، لكن نلاحظ منذ خمسة عشر عاما تقريبا أن تركيا قررت التحرر من الالتزامات القالبية في مواقف الناتو. هي لم تخرج من الحلف ولا تزال عضوا فيه، لكنهم باتوا يُطلقون عليها تسمية العضو المشاغب. فهي لا تتردد في ترجيح مصالحها الخاصة، حتى عبر معارضة بعض قرارات الولايات المتحدة الأمريكية، ووجدنا لديها مواقف مختلفة إزاء روسيا وإزاء فلسطين. إذن هي قررت لعب ورقة السيادة الوطنية، واتخاذ قراراتها باستقلالية، وهذا سيؤدي حتما إلى حدوث تحول وتغيير في علاقتها مع العالم الغربي.
نشر المقال هنا