الأحد 27 / سبتمبر / 2026

مرصد حقوقي: تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب تؤكد غياب سيادة القانون وتعطيل العدالة في (العراق الجديد)

السبت 14 سبتمبر, 2024 11:25
 يسلط هذا التقرير القانوني الضوء على قضية تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب في العراق، مع التركيز على ملفات ومحاور حقوق الإنسان مثل: القتل خارج القانون، والخطف والاختفاء القسري، ووضع حرية التعبير.

ولا يزال النظام القانوني في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة في العراق يواجه تحديات صعبة في محاسبة الجناة، سواء كانوا من الجهات الحكومية أو غير الحكومية. ويقدم هذا التقرير تحليلاً للوضع الحالي للإفلات من العقاب في العراق، ويبين الأسباب الرئيسة لغياب معالجة هذه الظاهرة المتفاقمة.

انتهاكات جسيمة يقابلها إفلات مطلق من العقاب

شهد العراق طوال العقدين الماضيين نمطاً مستمرًا من الإفلات من العقاب فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، خاصة في أعقاب المظاهرات الشعبية السلمية المناهضة للعملية السياسية التي جاء بها الاحتلال، التي تتجدد من جراء تفاقم الفساد والفشل الحكوميين على مدى العقدين الماضيين. وقد تورطت القوات الأمنية والميليشيات الولائية في المئات من عمليات القتل خارج نطاق القانون، وحالات الاختفاء القسري، والاحتجاز التعسفي. ومع ذلك، تفتقر التحقيقات الحكومية في هذه الحوادث إلى الشفافية، وتمت محاكمة عدد قليل جدًا من المتورطين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. وحتى عندما تُجرى المحاكمات، فإنها تستهدف في الغالب ضباطًا من ذوي الرتب الدنيا، بينما يفلت كبار المسؤولين من المساءلة، مما أدى إلى انتشار عدم الثقة في النظام القضائي.

ويتطلب الدستور الحالي في العراق والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، من الحكومة حماية الأفراد من انتهاكات حقوق الإنسان وضمان تقديم تعويضات فعالة للضحايا. ومع ذلك، فإن الفشل في الالتزام بهذه الالتزامات يظهر وجود فجوة كبيرة في تنفيذ هذه الحمايات القانونية، ويعكس عدم وجود إرادة سياسية لاحترام حقوق الإنسان في البلاد.

القتل خارج نطاق القانون

في العراق، يتم تسجيل العديد من حالات القتل خارج نطاق القانون التي تشمل عمليات قتل على يد القوات الأمنية، والميليشيات الولائية وميليشيا الحشد، أو جهات أخرى غير حكومية. وعلى الرغم من أن الدستور الحالي في العراق ينص على حماية الحق في الحياة، فإن تنفيذ هذا الحق يظل غير كافٍ في ظل استمرار هذه الظواهر. غالبًا ما تفتقر التحقيقات في هذه القضايا إلى الشفافية، مما يؤدي إلى محاسبة قليلة أو معدومة للمسؤولين الحقيقيين عنها.

ومن أبرز ما يعزز استمرار وتفاقم حالات القتل في العراق؛ انعدام الشفافية في التحقيقات الحكومية في حالات القتل خارج نطاق القانون، وغالباً ما تكون نتائجها غير معلنة، مما يساهم في غياب المساءلة، وسط استمرار مسلسل تنفيذ أحكام الإعدام الجائرة بحق المعتقلين الأبرياء في العراق، بالإضافة إلى اعتماد النظام القضائي على المسؤولية المحدودة في المحاكمات التي تطال ضباطا ذوي رتب دنيا بينما يظل كبار المسؤولين بمنأى عن المحاسبة، كالإفراج عن قاتل المتظاهرين في الناصرية (عمر نزار)، الأمر الذي يؤدي إلى تعزيز حالة عدم الثقة في قدرة النظام القضائي على تحقيق العدالة.

الاختطاف والاختفاء القسري

شكل تفاقم حالات الاختطاف القسري في العراق ظاهرة مقلقة وخطرة تتسبب في ترهيب المجتمع وإعاقة النشاط المدني، حيث تُرتكب في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة عمليات اختطاف لأغراض الابتزاز السياسي، أو المالي، أو غيرها. وتستخدم هذه الممارسات بشكل رئيس من قبل القوات الحكومية والميليشيات العاملة بغطاء رسمي في البلاد، وتستهدف في الغالب أفرادًا من المدنيين أو النشطاء السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

وإن من أبرز ما يساهم في استمرار جرائم الاختفاء القسري في العراق، حيث لا تُتخذ الإجراءات القانونية ضد الجناة؛ هو النقص الممنهج في الحماية القانونية للضحايا وغياب مسارات واضحة للتعويض وتفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب جراء قلة التحقيقات في حالات الاختطاف القسري وتغييب التشريعات الواجبة لتعزيز القوانين المتعلقة بالاختطاف القسري وتحديد العقوبات المناسبة، والتعطيل المتعمد لآليات التحقيق وغياب فرق تحقيق مستقلة ومتخصصة في حالات الاختطاف القسري، فضلا عن انعدام برامج الدعم للضحايا وعائلاتهم لتقديم المساعدة القانونية والنفسية.

حرية التعبير والنشاط المدني

تنص عدة مواد في الدستور النافذ في العراق على حرية التعبير، ويحمي القانون الدولي هذه الحرية أيضًا، بما في ذلك المادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. ومع ذلك، فإن الحريات العامة في العراق تواجه تهديدات متزايدة، حيث استخدمت السلطات الحكومية أحكامًا قانونية غامضة لاستهداف الصحفيين المستقلين والنشطاء المدنيين والمعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، مما أسفر عن آلاف الاعتقالات التعسفية وتأثير سلبي مباشر على حرية التعبير. وأدى هذا الوضع إلى خلق بيئة معادية لأولئك الذين يسعون إلى إحداث التغيير سلميا أو محاسبة المسؤولين القتلة والفاسدين، مما يقوض التزامات العراق بحماية حقوق الأفراد في التعبير عن آرائهم بحرية دون خوف من الانتقام.

إن حماية حرية التعبير تستوجب محاسبة المتورطين بجرائم قتل واستهداف المناهضين للنظام السياسي الحالي، وتعديل أو إلغاء الأحكام القانونية الغامضة التي تُستخدم لإسكات الأصوات المعارضة وضمان حماية حقوق المجتمع المدني في الدفاع عن الإصلاح دون خوف من الاضطهاد.

ومن بين مئات المشاهد في العراق التي تُظهر أن الإفلات من العقاب هو منهج سياسي متبع في العراق؛ نستعرض نموذجين اثنين، وهما:

الإفراج عن قاتل المتظاهرين في الناصرية

بموازاة تورط المنظومة القضائية في العراق في ارتكاب الانتهاكات تجاه المعتقلين بإصدار الأحكام جزافًا؛ أُعلن مؤخرًا قرار الإفراج عن الضابط في قوات التدخل السريع المدعو (عمر نزار)، على الرغم من صدور حكم سابق بحقه بالسجن المؤبد لإدانته بارتكاب (مجزرة جسر الزيتون) التي راح ضحيتها العشرات من المتظاهرين في محافظة (ذي قار) سنة (2019م)؛ حيث اعترف بفعلته بل افتخر بها وأعلن حينها عن إصراره على عدم الاعتذار عن قتله المتظاهرين وانتهاك حقوقهم ومصادرتها في الحياة والتعبير!

وإدانة الضابط المجرم هذا، لا تقف عند اعترافه أو الحكم عليه بالسجن؛ بل إن الوثائق والوقائع المدللة بالصوت والصورة، والشواهد الميدانية، وشهادات الشهود من الناشطين والصحفيين، التي تؤكد تورطه؛ تعد الإدانة الأكثر مصداقية من قرار المحكمة التي لم تكن لتصدر الحكم بحقه إلا بدافع سياسي في محاولة لإطفاء جذوة الغضب الشعبي تجاه تطرفه في جرائم قتل المتظاهرين، واغتصاب النساء أثناء المداهمات، والعديد من الجرائم الأخرى في هذا السياق.

وقد صدر قرار الإفراج عنه بناءً على كتاب رسمي موقع من رئيس محكمة التمييز الاتحادية (فائق زيدان)؛ قرّر فيه غلق التحقيق ونقض القرارات الصادرة في الدعوى كافة، وإلغاء التهمة الموجهة ضد الضابط والإفراج عنه، بحجة عدم كفاية الأدلة! وهذا مما يكشف عن جملة من الحقائق التي تختلط فيها المقاصد السياسية الفاسدة بالقضاء الجائر المجرد عن العدالة، في ظل موجة كبرى من الاستخفاف الكبير الذي تمارسه المنظومة القضائية بأرواح العراقيين وحرمة دمائهم، وإيغالهما في التنكيل بذوي الضحايا وعدم الاقتصاص لهم من قاتل أولادهم.

المماطلة في حسم قضية (سرقة القرن)

في اليوم نفسه الذي أُعلن عن الإفراج عن قاتل المتظاهرين (عمر نزار)؛ تأجلت محاكمة المدعو (نور زهير) المتهم الأول في قضية (سرقة القرن) التي اختفى من ورائها مبلغ (3.7) تريليون دينار عراقي بما يعادل نحو مليارين ونصف المليار دولار، من أموال الأمانات الضريبية في القضية التي صارت حديث الشارع العراقي منذ أكثر من سنتين، حاولت خلالهما السلطات الحكومية مخادعة العراقيين بقصص مفضوحة خرج في أحدها رئيس الحكومة الحالية وبجواره أكداس من الأموال مدعيًا أن الحكومة استعادت جزءًا من السرقة؛ لكن هذه الأموال (المستعادة) لم يعرف مصيرها حتى الآن؟! ومن ضمن هذه القصص: الإعلان أيضًا في أواخر سنة (2022م) عن إلقاء القبض على المتورط الأول فيها (نور زهير) في مطار بغداد أثناء محاولته الهروب خارج البلاد عبر طائرة خاصة؛ ولكن في وقت لاحق من سنة (2023م)، رفعت السلطات إشارة الحجز عن شركة تابعة له، وأُعلِن عن قيامه بتوزيع أمواله على متنفذين من بينهم (سياسيين وإعلاميين)، مع التلميح إلى ارتفاع رقم سرقة القرن.

وبما يدل على فساد المنظومة القضائية في العراق أصدر القاضي المختص أمرًا بإطلاق سراح (نور زهير) بكفالة، مقابل (تعهده) بتسليم كامل المبلغ المسروق خلال مدة أسبوعين، مشيرًا إلى أن القسم الأكبر من المبلغ لدى المتهم عبارة عن عقارات وأملاك، أما الأموال فقد تم تهريبها خارج العراق بحسب ما صرح به عدد من النواب والسياسيين، في سابقة ليس لها نظير في عالم الجرائم، حين تعتمد محكمة ما على (تعهد) السارق لتخلي سبيله؛ بل زاد الأمر عن حده باستضافة الجاني عبر وسائل الإعلام ليتخذ موقف المهاجم ويهدد بالتصريح بأسماء سياسيين وإعلاميين إن تمت محاكمته محاكمة علنية، وكأنه يشير إلى إمكانية حل قضيته باتفاقات سياسية فاسدة ويتم غلق القضية، ، في حين لا يزال يحظى حيتان الفساد بالنجاة من المساءلة لتستمر جرائم فسادهم ويزداد طغيانهم.

جريمة مروعة تطال عائلة كاملة أغلب أفرادها أطفال

اقتحم مسلحون يرتدون الزي العسكري الرسمي؛ منزل مختار منطقة العباسية غربي مدينة سامراء شمال بغداد (جمال علي المخلف العباسي) - الذي قتل العام الماضي - وأقدموا على قتل زوجته وأولاده الخمسة -أغلبهم أطفال - قبل إضرام النار في المنزل وإحراق جثث الضحايا بداخله. وقال شهود عيان من أقارب الضحايا لمراسل موقع (الهيئة نت) إن الجناة الذين كانوا يرتدون زيًا عسكريًا؛ اقتحموا المنزل في وقت مبكر من يوم الأربعاء (21 آب/أغسطس 2024م) وقتلوا العائلة نحرًا، موضحين أن من بين الضحايا طفلين في التاسعة والعاشرة من عمرهما، واثنين آخرَين دون الثامنة عشرة.

وبحسب التفاصيل الواردة من سامراء، فإن تورط ميليشيا الحشد في هذه الجريمة ناجم عن وجود خلافات عائلية قبل نحو سنتين بين المختار -الذي اغتيل قبل نحو سنة- وأطراف أخرى، مؤكدين أن الخلاف في الأصل سببه ميليشيا الحشد أيضًا، التي سبق لها التورط في تفاقم مشكلات اجتماعية في المنطقة، قبل أن تُرتكب جريمة اليوم بدوافع انتقامية.

وتعد منطقة العباسية شمال غربي مدينة سامراء، من أكثر المناطق التي تنتشر فيها قوّات الأمن الحكومية وميليشيات الحشد، وهي تخضع كما هو حال المدينة إلى الإجراءات الأمنية المشددة منذ أكثر من عشر سنوات.

إن من أبرز التحديات القائمة المؤدية إلى تفاقم الإفلات من العقاب في العراق؛ انعدام استقلالية القضاء والتدخل السياسي الصارخ في تعيين القضاة واتخاذ القرارات القضائية، وعدم وجود هيئات رقابية مستقلة للتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها القوات الأمنية والميليشيات وضمان محاكمة الجناة بغض النظر عن رتبتهم ومناصبهم، ويزاد عليه غياب الإصلاحات القضائية الحقيقية، فعلى الرغم من المحاولات الحكومية المعلنة لإصلاح النظام القضائي في العراق؛ إلا أن انعدام الاستقلالية وغياب سيادة القانون وتعطيل العدالة سمة هذا النظام، وسط زيادة ملحوظة في التدخلات السياسية في تحديد مساره. يزاد على ذلك، النظام السياسي القائم على المحاصصة لا يسمح لهذه الإصلاحات أن يكون لها أي تأثير على تحسين المساءلة، في الوقت الذي لا تزال فيه الإصلاحات القانونية المعلنة الأخرى، مثل قانون مكافحة العنف الأسري، تواجه عقبات سياسية.

ولا يزال الإفلات من العقاب السائد في العراق في ظل حكومات الاحتلال المتعاقبة يقوض الجهود لتحقيق الاستقرار واحترام حقوق الإنسان وتعزيز التنمية في البلاد. ولا يختلف اثنان على أن معالجة الفجوات القانونية وضمان المساءلة عن الانتهاكات أمر غير ممكن في ظل عملية سياسية قائمة على المحاصصة الطائفية تنتج عنها حكومات تشكلها التوافقات المصلحية بعيدا عن الأولويات الوطنية.

المصدر

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram