

ويستفيد الطرف المعني في ردّه من حالة التراخي التي في الغالب تصيب العدو بعد أي انجاز يحققه، ومن ثم الحفاظ على معنوية الجنود حتى لا يستغل انكسارها العدو الذي حقق مهامه من عمليته؛ وهو ما لم يحدث في "موقعة البيجر" على الرغم من أن سكوت قادة حزب الله على الموجة الأولى يوم الثلاثاء فتح شهية الاحتلال (الإسرائيلي) لتكرار العملية في موجتها الثانية يوم الأربعاء.
في الأول من تموز/ يوليو 1967، أي بعد ثلاثة أسابيع فقط من هزيمة الجيوش العربية أمام المحتل (الإسرائيلي) وخسارة مصر على صعيد الخسائر البشرية ما يقارب الخمسة عشر ألف جندي بالإضافة إلى خمسة آلاف أسير وآلاف الجرحى، وعلى صعيد الخسائر المادية، نحو 300 طائرة، أي تقريباً 80% من القوة الجوية، وأعدادًا كبيرة من الدبابات والمدرعات، تقدر أيضاً بنحو 80%، كما تعرضت البنية التحية العسكرية من مطارات وقواعد دفاع جوي لخسائر كبيرة تحتاج سنوات لترميمها، على الرغم من كل تلك الخسائر الجسيمة كانت معركة رأس العش، بالقرب من مدينة بورفؤاد في محافظة بورسعيد، شمال شرق مصر، التي لقنت فيها قوات من المشاة في الجيش المصري درساً قاسياً لقوات العدو الصهيوني رغم التفوق في العدة والعتاد، إلى جانب الإسناد الجوي لقواته
بعد يومين من العملية التقنية التي قام بها الاحتلال (الإسرائيلي) الذي استهدف بها أجهزة الإرسال والاستقبال لعناصر حزب الله، فيما يعرف إعلامياً ب "موقعة البيجر" خطب الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله خطبة مطولة تنديداً بالموقعة؛ التي أعلن الحزب أن الخسائر البشرية فيها أربعة آلاف عنصر، فيما تؤكد التقديرات بحوالي عشرة آلاف جريح، منهم من خسر أطرافه، ومنهم من خسر بصره والأغلب إصاباته بالغة تحتاج أشهر للعلاج، ما يعني أن حزب الله تحمل تكلفة عالية نتيجة لهذه الموقعة.
وبين تحليل أن تكون العملية سيبرانية وبين أن تكون الأجهزة تم تفخيخها مسبقاً من دولة المنشأ أو الشراء، فإن ما حدث بالنتيجة خرق أمني ومخابراتي يجب محاسبة المسؤول عنه، وهو أيضاً خرق لسمعة الحزب الذي طالما أكد على أن تدريبات عناصره في طهران، أو الخبرات التي يتلقاها من الخبراء العسكريين المقيمين في الضاحية الجنوبية في لبنان، جعلت من عناصره قوى عسكرية تضاهي قوى الجيوش النظامية، ويزيد عليها خبراتهم في حرب العصابات.
تأخر كلمة الأمين العام للحزب، وغيابه عن المشهد طيلة يومين، وضع علامة استفهام كبيرة، لا سيما وأن السفير الإيراني لدى بيروت لحقته أضرار بالغة أكثر خطورة مما تم إعلانه في البداية؛ حيث أكدت جهات قريبة من المرشد الإيراني أن السفير تعرض لأضرار جسيمة في وجهه وعينيه، بعد انفجار جهاز البيجر الذي كان بحوزته في الموقعة، ما جعلت التكهنات تحيط بمصير الأمين العام للحزب، لكن الحزب مساء أمس الأربعاء أعلن عن كلمة له ليقطع الشك باليقين، لكن تعرضه في كلمته بأن الاحتلال ظن أن تفجيره للبيجرات سيصيب قادة الحزب، لكنهم، أي قادة الحزب يحملون أجهزة أخرى، ما يعني أن الرجل كان مشمولاً بالعملية، فيما يبدو أو كما ألمح، أو على الأقل فيما قد يفهم.
في كلمته أكد نصرالله أن ما جرى يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين هو بمثابة إعلان حرب من قبل الاحتلال (الإسرائيلي)، وطمأن الشعب اللبناني بأن الضربة لم تسقط حزب الله، لكن في المقابل فإن الاحتلال خسر بالفعل شمال فلسطين المحتلة، وأن جيش العدو يواجه مشكلات عسكرية، مؤكداً أن هناك من يتحدث عن أن هناك تصعيد في الشمال المحتل، وعن حرب شاملة.
وخاطب بنيامين نتنياهو ويواف غالانت مؤكداً أنهما وجيشهما وكيانهما المحتل لن يستطيعوا إعادة السكان إلى الشمال، وربط العودة بوقف العدوان على غزة وعلى الضفة الغربية.
حديث نصرالله عن شمال فلسطين المحتل وربطه بوقف العدوان على غزة والضفة الغربية، وإن كان يظهر منه الدعم، ولعل الناظر للكلمة سيضعها في سياق الخطاب الإعلامي للحزب، وحتى في سياق ربط نصرالله بين جبهتي لبنان وفلسطين، وتأكيده على أن محاولة الاحتلال إشعال جبهة لبنان من خلال الحديث عن إقامة حزام أمني داخل الأراضي اللبنانية، لن توقف دعم حزب الله لغزة، فإن حديثه عن سكان شمال فلسطين المحتل، يبدو لافتاً، إذ أنه كرر أكثر من مرة مصطلح إعادة المستوطنين للشمال، قبل أن يراجع نفسه، ويصحح التعبير، والمستغرب هنا هو اعتراف نصرالله بالمستوطنين ومغتصباتهم، وقبوله بوجودهم بشرط وقف العدوان على غزة، هذا الكلام يكشف عن أن فكرة المقاومة والممانعة وفلسطين التاريخية غائبة، وأن حزب الله الذي وافق على ما انتهت إليه مفاوضات ترسيم الحدود البحرية مع الاحتلال، يوافق على فلسطين جديدة مجتزأة.
هذا الموقف إنما هو كاشف، لذا فإن حديثه عن نصرة المقاومة في غزة والضفة أو حديثه عن فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر، يحتاج إلى إعادة نظر، ولعلنا نرجع البصر كرّتين حتى لا ينقلب إلينا البصر خاسئا ويومها نتحسر على أشرف مقاومة عربية وإسلامية في العصر الحديث، ونتحسر على شعب صامد محتسب مساند لمقاومته، خُدع في جهات لا تعمل إلا لصالح مخطط أجندة ليست عربية، تحلم بعودة إمبراطوريتها، وتستخدم العرب وقوداً لتسيير قطار مشروعها.
وأكثر ما أخشاه هو ذلك التحول الذي قد يفهمه قادة المقاومة ولا تعيه القواعد والعامة، وبالطبع نحن لا نقف أمام أي مجهود يمكن أن يقدم لنصرة المقاومة، لكن مهمتنا أن نوضح في أي جهة توجه هذه الجهود.