

وقالت الأنباء إن هذا الحزام الناري الهائل نُفّذ بـ 80 قنبلة تزن الواحدة منها نحو طن من المتفجرات الخارقة للتحصينات، واستهدف كل مقرات حزب الله المؤشرة لدى الاستخبارات العسكرية الصهيونية سلفًا، بينما كانت الغارة الأعنف على مربع سكني مكوّن من ست بنايات يقع في أسفله المقر السري الرئيسي لحزب الله في الضاحية الجنوبية.
وخلال وقت قصير، تسرّب النبأ الصاعق وهو اغتيال أمين عام الحزب حسن نصرالله في الغارة الأعنف على الضاحية، وهو نبأٌ ظلَّ الحزب لبضع ساعات يستبعده تمامًا مُشيعًا أنَّ زعيمه بخير، وأنه لم يكن في الموقع المستهدف، داعيًا أعضاءه وأنصاره إلى عدم الخضوع للدعاية (الإسرائيلية) المعادية.
ثم ما لبث الحزب أن دخل بعد ذلك في حالة صمتٍ مطبقٍ تمامًا دام بضع ساعات، بل حتى أنه حين أصدر في ساعة متأخرة من ليل الجمعة بيانات عن ضربات عسكرية وجّهها للأراضي الفلسطينية المحتلة تجنّب الإشارة إلى مصير نصرالله أو إلى غارات الحزام الناري من قريبٍ أو بعيد.
وطبقًا لرصدٍ خاص قام به كاتب هذه السطور فإن الصمت المُطبِق تعدّى إعلام حزب الله ليمتدَّ إلى وزارة الصحة ومديرية الدفاع المدني اللبنانيتين اللتين أحجمتا عن تقديم الإحصائيات اليومية المعتادة عن ضحايا القصف الصهيوني من قتلى وجرحى!
وجاء هذا الصمت المطبق خلافًا للقاعدة الأساسية التي تقول في مثل هذه الحالة: عندما لا يُعلن خبرٌ واضحٌ رسمي من الجهة المعنية، وهي حزب الله هنا، فهذا يعني أن هناك كارثةً يُتكتَّم عليها.
وكان هذا بالضبط ما يعنيه تأخّر صدور موقف رسمي من حزب الله، والأدهى أن الحزب أجّل البيان الذي أعلن سابقًا عن قرب صدوره.
مثلما كان اغتيال سليماني محطة فاصلة في تاريخ فيلق القدس الإيراني، حيث لم يستطع خَلَفَه قاآني أن يسدّ مسدَّه، فإن مصرع نصرالله حدثٌ فاصلٌ لن يكون الحزب/ العصابة بعده كما كان قبله.
وقد أسهم هذا الصمت المُريع لوسائل إعلام حزب الله وتجنّب الحديث بشأن مصير زعيمهم حسن نصرالله وزعامات الحزب الأخرى في تعزيز الحرب النفسية الصهيونية الموجّهة لكوادر الحزب وعناصره، حيث بدأت موجة الرعب التي يعيشها هؤلاء تتضخّم كل لحظة، فيما زادت من حدّتها حالة الإرباك الهائلة التي عانى منها الحزب/ العصابة في أعقاب الهجوم، فيما شهدت مدن الجنوب اللبناني وأحياء الضاحية حركة نزوحٍ كبيرةً جدًا باتجاه مدن الشمال اللبناني وسوريا.
وإذا كان مفهومًا أن الترتيبات الأمنية والإدارية في بعض الدول تحول دون الإسراع بالإعلان عن وفاة زعمائها قبل إنجاز تلك الترتيبات، فإن من غير المفهوم أن يتأخر حزب الله في الإعلان عن مصرع زعيمه كل هذه الساعات تاركًا أعضاءه وأنصاره نهبًا للدعاية الصهيونية الهائلة الموجّهة ضدهم، إلا إذا كان السبب هو عدم الوصول إلى حقيقة قاطعة بشأن مصير نصرالله، الذي تراكمت فوق جثته مئات الأطنان من كتل الخرسانة المسلحة وقضبان حديد التسليح.
وقد زاد العدو من عيار هجومه كمًّا ونوعًا على مقرّات حزب الله في بيروت ليلة الجمعة على السبت لتكون غاراته الأربعين التي تلقّتها العاصمة اللبنانية الأعنف على الإطلاق منذ عقود.
وكان من الواضح أن العدو الصهيوني وهو يكرّر ضرباته على مواقع سبقَ له استهدافها في ضاحية بيروت الجنوبية فإنه عَمِلَ على عدم إعطاء فرصة لنجاة أحد من زعماء الحزب الذين استهدفهم ومنهم نصرالله بالطبع.

وجاءت ظهيرة اليوم السبت ليعلن الكيان الصهيوني رسميًا مصرع نصرالله، أعقب ذلك بيانٌ باهتٌ للولي الفقيه الإيراني علي خامنئي يمكن وصفه بأنه "مجرد هراء" تجنّب فيه الإشارة إلى مصير حسن نصرالله، ليأتي بعد ذلك بقليل بيان حزب الله ليعلن مصرع زعيمه ويُحسَم الأمر.
لقد عاش نصرالله حياته ظاهرةً صوتيةً، وهو في الحقيقة طبلٌ أجوف ومزمورٌ فارغ، وكان طائفيًا بامتياز، وأداةً رخيصةً بيد ملالي إيران.
لم يقتل صهيونيًا واحدًا، وإن فعل فليس لعيون فلسطين وإنما تنفيذًا لإرادة الولي الفقيه ومشروعه الفارسي العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي.
كما تغوّلت ميليشياته وعصاباته في لبنان فأحالتها إلى خرابٍ وإلى دولة فاشلة، واستعدى بخطاباته المحيط العربي وخوّنه وزايد عليه.
وسفكت ميليشياته دماء مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء وغيبت أعدادًا لا تُحصى في العراق وسوريا واليمن، بدوافع طائفية ظاهرها شعار محاربة الإرهاب الذي رفعته أميركا "شيطانهم الأكبر" والحقيقة أنه هي من صنعت هذا الإرهاب، وهي من جاء به وهي من رعاه وسلّطه علينا.
ماذا عن المشروع الفارسي؟
لابدّ لنا من القول إن يوم الجمعة هذا يمكن أن يمثّل على التقويم العربي تاريخ بداية نهاية المشروع الفارسي العنصري الإجرامي التوسعي الطائفي في المشرق العربي بعد أكثر من عقدين على هذا الاستعلاء الدموي الكريه.
فخلال هذين العقدين تحقّق للمشروع الصهيوني الأميركي في وطننا العربي ومحيطه الكثير من المنجزات، وهو ما لم يكن ممكن التحقق لولا الخدمات معروفة التفاصيل التي قدّمها دهاقنة المشروع الفارسي.
فقد احتُلَّ العراق وأزيلت دولته الوطنية التي كانت تسبّب صداعًا دائمًا وقلقًا شديدًا لأصحاب المشروع الصهيوني، كما قال رئيس وزراء كيان العدو أرييل شارون يوم احتلال بغداد، ودمّرت سوريا التي تقف على باب التشظي، وتبعثر اليمن وتقسّم السودان، ودخلت أقطار عربية عديدة في نفق التطبيع المظلم مع العدو الصهيوني، وهو دخولٌ لم يكن ممكنًا لولا التهديدات والممارسات الإرهابية الإيرانية التي جعلت من يعنيهم الأمر يسوّغون خطواتهم التطبيعية هذه بتلك المخاوف التي تنتابهم من جراء الهيمنة الإيرانية المصحوبة بصلافة التهديد باستخدام القوة المسلحة مباشرة أو عبر مخالب العملاء من الخلايا المتيقّظة لا النائمة.
ولما كان الخلاف أو التنافس بين أطراف المشاريع الثلاثة المعادية للأمة العربية الفارسي من جهة والأميركي الصهيوني من جهة ثانية محصورًا في قضيتين أساسيتين هما:
فقد وجدت الأطراف الثلاثة نفسها تنجرّ من حيث لا يرغب بعضها إلى صراعٍ مسلحٍ، وكان هجوم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في قطاع غزة محطة أساسية على هذا الطريق، الذي بدأت أولى محطّاته في العراق أيضًا حول مدى النفوذ الإيراني وليس على مبدئه المتّفق عليه، حيث كانت السنوات الأولى التي أعقبت الغزو الأميركي شهدت الكثير من التنسيق والتفاهم بين الطرفين لتثبيت المشروع السياسي للاحتلال، ودعم العملاء المتسلّطين على العراق، وإدامة قتل العباد ونهب البلاد.
بقي حجم التصعيد الإيراني والميليشياوي، اللفظي غالبًا، مقبولًا في الأشهر الأولى بعد "طوفان الأقصى" لكنه شهد انعطافة خطيرة عندما زاد الإيرانيون عبر مخالبهم من كمّ ونوع الإخلال بأمن (إسرائيل) وهو ما لا يرضاه المقابل على الإطلاق.
وظنّ الحاكم في طهران، بصلافة المستعمر الفارسي المعروفة، أن بإمكانه أن يهيمن على المشرق العربي لوحده، تحقيقًا لحلم استعماريٍ ساساني، بعيدًا عمّا هو متفّق عليه فعليًا أو ضمنيًا من حدودٍ بين الأطراف الثلاثة، وتوهّم أن اللعب بنار القضية الفلسطينية من خلال حزب الله والمليشيات الإرهابية في العراق والحوثية في اليمن يمكن أن يحقّق له مزيدًا من المكاسب والنفوذ على حساب الطرفين الآخرين.
ولتوضيح فكرة الصلف الاستعماري الإيراني وسعي نظام طهران لتقاسم النفوذ مع المشروع الاستعماري الأميركي/ الصهيوني على حساب مصالح دول المنطقة ننقل شهادة مهمة تحدّث بها الكاتب الألماني يورغن تودنهوفر في مقالٍ نشرته إحدى الصحف الألمانية يوم 13/10/2023، حيث قال إنه عمل وسيطًا بين إيران والإدارة الأميركية، وقدّم للأميركان عرضًا إيرانيًا يتضمّن ضمانات بعدم صنع القنبلة النووية، واستعداد إيران للوصول إلى اتفاقٍ مُرضٍ للطرفين حول تقاسم النفوذ في الشرق الأوسط.
وتؤكد هذه الشهادة أن نظام ولاية الفقيه مستعدٌ للمساومة ببراغماتية خبيثة على دماء وحقوق العرب في المشرق العربي مقابل تثبيت (حقوقٍ) له في المنطقة.
وقد بقي حجم التصعيد الإيراني والميليشياوي، اللفظي غالبًا، مقبولًا في الأشهر الأولى التي أعقبت "طوفان الأقصى" لكنه شهد انعطافة خطيرة عندما زاد الإيرانيون ضمن مشروع فرض نفوذهم وعبر مخالبهم في العراق واليمن ولبنان من كمّ ونوع الإخلال بأمن (إسرائيل) بشكلٍ غير مقبولٍ من الطرف المقابل على الإطلاق.
وزاد من حدّة هذا (الإخلال بأمن إسرائيل) أن إيران بدأت مرحلة جديدة في نظامها السياسي بعد مصرع رئيسها إبراهيم رئيسي في حادث الطائرة بتاريخ 20/5/2024، واللافت هنا أن مصرع رئيسي الذي كان عنصرًا (متشدّدًا) لم يجعل إيران بمجيء (الإصلاحي) مسعود بزشكيان أكثر هدوءًا في شعاراتها بل جعلها محافظةً على تشدّدها في تلك الشعارات، بسبب حسابات إيرانية داخلية وأخرى خارجية، مع تحفّظي على كلمتي (متشدّد وإصلاحي) في الهيكلية السياسية الإيرانية الذي لا أراه إلا تبادل أدوارٍ ضمن خيمة الولي الفقيه.
في هذه اللحظة التاريخية بالضبط (لحظة الإخلال بأمن إسرائيل) بدأت عُرى التخادم بين المشاريع الثلاثة المعادية للأمة تنفصم، مع أن الطرف الأميركي (الإسرائيلي) حاول، والحقُّ يقال، بوسائل شتى مباشرة وغير مباشرة الحفاظ على تلك العُرى والوشائج ولو في أدنى حدٍّ، إكرامًا لحقوق الرفقة القديمة والتخادم السابق، وعلى أمل تطوير ذلك الحد الأدنى في وقتٍ لاحق، لكن تلك الرغبة المشتركة في واشنطن (الديمقراطية) وتل أبيب (الليكودية) واجهت صلفًا إيرانيًا ملحوظا!
وهنا حصل ما حصل من تطوراتٍ دراماتيكيةٍ سريعةٍ وعميقةٍ وخارج المتوقع، أو خلافًا لقواعد الاشتباك كما يُقال!
ويمكن لانفصام العُرى هذا أن يتعزّز بعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض في الانتخابات التي لم يبقَ سوى 37 يومًا عليها، خصوصًا أن ترمب تلقّى معلومات استخبارية أكّدت له أن إيران تعمل على اغتياله انتقامًا لسماحه باغتيال قاسم سليماني قبل أربع سنوات في بغداد.
لكن الأمر لا يخلو من مخاطر، فالحدّ من استعلاء المشروع الفارسي سيقابله استعلاءٌ مؤكّدٌ للمشروع الصهيوني/ الأميركي في ظل غيابٍ تامٍ لمشروعٍ عربي، ومع تغيّر اتجاهات المشروع التركي للاهتمام بالشؤون الاقتصادية أكثر من السياسية، بما يجعل الأمة العربية مكشوفةً أمام المشروع الاستعماري الصهيوني/ الأميركي.
ومع ذلك، فالمشروع الاستعماري الصهيوني المدعوم أميركيًا مشروعٌ استيطاني محدود المدى جغرافيًا، وما يزال الكثير من أبناء الأمة يرفضونه، بينما المشروع الفارسي مشروع توسّعي لا يقبل بأقل من مسخ المقابل أو قتله، وهو مشروعٌ يتداخل مع قطاعات واسعة في جواره العربي في العراق والخليج العربي ولبنان واليمن مدفوعًا بعوامل دينية واجتماعية وثقافية وعائلية وغيرها ومن خلال جالياتٍ سكانية مستوطنة بما يجعله الأخطر بامتياز!
لكن القضاء على استعلاء المشروع الفارسي، الذي سيكون حمايةً لمصالح المشروع الاستعماري الآخر وليس حبًّا بالعرب والمسلمين بالطبع، لن يكون فوريًا، فقد يستلزم الأمر بضع سنوات لإتمامه، غير أنني أعتقد أن القطار انطلق من المحطة، والقطارات لا تسير إلى الخلف.
والآن كيف لنا أن نقرأ هذا الحدث، من حيث ارتداداته على حزب الله بالذات، وعلى الجهات الدائرة في فلكه عربيًا بالدرجة الأساس، وربما دوليًا أيضا؟
مثلما كان اغتيال سليماني في بغداد قبل أربع سنوات محطة فاصلة في تاريخ فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، حيث لم يستطع خَلَفَه إسماعيل قاآني أن يسدّ مسدَّه، فإن مصرع زعيم عصابة حزب الله الإرهابي في لبنان حسن نصرالله حدثٌ فاصلٌ لن يكون الحزب/ العصابة بعده كما كان قبله.

فلا نعيم قاسم ولا هاشم صفي الدين يُمكنهما، إن سَلِما من الاغتيال وليس مستبعدًا اغتيالَهما، أن يملآ الفراغ الذي سيُحدِثه غياب نصرالله عن المشهد السياسي والعسكري والأمني في الحزب وفي لبنان وفي التنظيمات الإرهابية التابعة للحزب خارج حدود لبنان وطبعًا داخله.
وليس من المبالغة القول إن نصرالله ربّى خلال أكثر من ثلاثة عقود عشرات الآلاف من أبناء الطائفة الشيعية في لبنان على طريقته، وكان هؤلاء يرونه نموذجهم الوحيد وقدوتهم وبطلهم، يستفتحون بوجهه صباحاتهم ويختتمون بمرآه لياليهم، وبعضهم يعبده من دون الله، كما لم يكن لسواه حضورٌ بين عناصر الحزب أو جماهيره، فهو وحده في الميدان، وكل الذين ظهروا بمعيّته ذات يوم خلال السنوات الـ 32 سنة كانوا هامشيين تمامًا مقارنةً به، أو أنهم غابوا عن المشهد كليًا؛ موتًا أو قتلًا أو انشقاقا.
والحق أن نصرالله كان يتمتع بحضورٍ "كاريزمي" كبيرٍ لدى أتباعه وأنصاره ليس في لبنان فحسب بل في الوطن العربي أيضًا لأسبابٍ عدة ذاتيةٍ وموضوعية.
وسيزيد الطين بلّة أن كل القادة العسكريين البارزين في أعلى هرم التشكيلات العسكرية قتلوا أيضًا، فلم يَعُد أمام مقاتلي حزب الله من يملأ عيونهم حتى في المستويات الوسطى من القادة.
فضلًا عن ذلك، فإن حملة التصفية الهائلة التي حدثت خلال الأيام القليلة الماضية زرعت الريبة في نفوس عناصر التنظيم، مدنيين وعسكريين، وهي شكوكٌ ستتفاقم كل يوم، وستُثار آلاف الأسئلة عن هذا الاختراق المذهل، عن حجمه ومداه وعمقه وتاريخه وأسبابه، كما ستعلّق أطواق الشكوك على رقاب الزعامات الحزبية التي نَجَت من صواريخ الـ F 35 الصهيونية، ولماذا نَجَت أصلا؟!
وإذا كان هذا ما سيحدث على الصعيد الداخلي للحزب/ العصابة، فإن ما سيحدث على الصعيد الخارجي مهمٌ أيضًا ويعنينا أكثر.
فليس سرًّا ولا من قبيل المبالغة القول إن حزب الله هو الوكيل الحصري لمشروع ولاية الفقيه الفارسي العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي في المشرق العربي، وإن الآخرين، بدءًا بأبي مهدي المهندس وانتهاءً بأتفه زعماء الميليشيات، يعملون موزّعين لديه، بالقطعة أو براتبٍ مقطوع، وكانت صلة نصرالله بزعامات العصابات الإرهابية في العراق وسوريا واليمن والبحرين والكويت وغيرها صلةً مباشرة، وكان حضوره الشخصي بينهم حضورًا فاعلًا، وكان لكلماته أو طلباته وقعًا كبيرًا، وبغيابه ستختلّ كثيرٌ من الضوابط، وسنرى كثيرًا من الخلاف، وستنفرط حبّاتٌ من المسبحة التي ينتظم في خيطها غلمان علي خامنئي شيئًا فشيئا.
وكما أن قاآني كان بعيدًا عن ملف المخالب الإيرانية في العراق وسوريا واليمن ولبنان، فإن خليفة نصرالله أيًّا كان بعيدٌ عن هذه الميليشيات هو الآخر، ولن يكون له عندهم الحضور والوقع الذي كان لنصرالله، كما هو الحال مع قاآني.
وقد يكون هناك الكثير مما يُقال في هذا الخصوص، لكن الخلاصة المؤكدة هي أن حزب الله لن يعوّض خسارته الجسيمة بغياب نصرالله، وسيتشظى، وعوامل التشظي موجودة وستجد من يدفع باتجّاه تفعيلها وتعميقها.
هذا ليس كلامًا عاطفيًا ولا مجرد تمنيات، ولا أنكر أنها تمنيات مئات الملايين من العرب والمسلمين، وإنما قراءة حقيقية لمفردات الماضي ووقائع الحاضر واستشرافٌ واقعي لاحتمالات المستقبل.
ماذا يمكن لإيران أن تفعل؟
قبل الإجابة على هذا السؤال أشير إلى أنني لا أرى في الفكرة القائلة إن "نظام الولي الفقيه الإيراني باع نصرالله" فكرةً صائبة.
صحيح أن النظام الإيراني نظام براغماتي غارقٌ في النفعية بأقذر صورها، ويمكنه بسهولة أن يبيع عملاءه لكن نصرالله ليس أيَّ عميل، إنه العميل الذي صنعه خميني على عينه، ورعاه خامنئي بيديه، لذا فالتضحية به صعبة جدًا، كما أنه ليس هناك ثمنٌ مجزٍ واضحٍ يمكن لإيران أن تتلقّاه مقابل قطف رأس نصرالله.
وللإجابة على سؤال "ماذا يمكن لإيران أن تفعل؟" نقول إن المخالب وسيلة للدفاع عن الجسم وليس العكس.
وبعبارة أوضح:
أنشأت إيران مخالبها الإرهابية في لبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها للدفاع عنها وحماية مشروعها الفارسي العنصري التوسعي، وليس العكس، لذا على الجميع ألّا ينتظروا ردًّا إيرانيًا ساحقًا على مصرع زعيم حزب الله، فالحزب/ العصابة صُنع للدفاع عن إيران سياسيًا وعسكريًا واستخباريًا وليس العكس.
وأظن أن سقف الرد الإيراني على مصرع حسن نصرالله لن يتجاوز الاستنكار والإدانة والشجب و "الاحتفاظ بحق الرد في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة".
وفي كل الأحوال فالأنابيب الصاروخية التي لا تحمل حشواتٍ متفجّرةً موجودةٌ وما صُنِعَت إلا لمثل هذا اليوم، كما رأيناها يوم (الانتقام) لمصرع سليماني.
قبل الختام
ما قامت (إسرائيل) به في لبنان خلال الأيام القليلة الماضية يُطلق عليه في العلم العسكري بأنه "عملية تجريد العدو"، لكن هذا التجريد كان على قدرٍ كبيرٍ جدًا من الاتّساع والعمق والدقة بما يؤكد أن الاختراق لا يتجاوز مكتب زعيم حزب الله، ولعله في شخص نصرالله بالذات كما يرى كثيرون.
مثلما كان اختراع الأسلحة النارية ثم النووية حدّين فاصلين في المعارك، فإن يوم استخدام أجهزة اتصال محمولة لإحداث تفجيرات تشمل آلاف البشر في لحظة واحدة مع تباعدهم جغرافيًا يمثّل حدًا فاصلًا في التاريخ.
إذ لا يمكن أن يكون التجريد واسعًا وشاملًا وعميقًا ودقيقًا إلى هذه الدرجة إلا إذا كانت الخيانة على هذا المستوى (الرفيع)، أو أن المعنيين في تل أبيب لديهم كاميرات ولاقطات صوتٍ في كل بيت في لبنان تبثّ لهم تفاصيل ما يجري في الغرف المغلقة لحظة بلحظة، وهذا غير ممكنٍ من الناحية العملية وإن كان ممكنًا نظريا.
وحتى نستكمل فهم الصورة العامة للموضوع علينا أن نعود إلى ما حدث يوم الثلاثاء 17 أيلول حينما فجّر العدو نحو خمسة آلافِ قطعة من أجهزة النداء الآلي التابعة لعناصر حزب الله.
ففي هذا اليوم دخلت حروب التقنيات الحديثة مرحلة جديدة مختلفة تمامًا عمّا سبق.
فبعد أن كانت مثل هذه العمليات تستهدف شخصًا واحدًا محددًا بعينه باتت منذ عصر ذلك اليوم سلاحًا يمكن أن يستهدف في آن واحد أعدادًا غير محدودة من البشر وفي أماكن متباعدة أيضًا، وربما لا يعرف بعضهم بعضًا، وبجهد تقني فقط.

فبواسطة كبسة زر واحدة أخرج العدو الصهيوني ما لا يقل عن خمسة آلاف عنصرٍ من قوات حزب الله من دائرة الفعل، وبتر أذرع وسيقان مئات منهم كما فقأ عيون مئات آخرين، كل هذا جرى دون أن يحرّك العدو جنديًا واحدًا من جنوده أو يخسر طلقة رصاص واحدة من مذاخره.
ومثلما كان اختراع الأسلحة النارية حدًّا فاصلًا في المعارك، ومثلما دشّن التفجير النووي في مدينة هيروشيما اليابانية مرحلة جديدة في تاريخ الحروب، فإن هذا اليوم، 17 أيلول 2024، الذي استخدمت فيه أجهزة اتصال محمولة لإحداث تفجيرات تشمل آلاف البشر في لحظة واحدة مع تباعدهم جغرافيًا ودون تحريك جندي واحد أو إطلاق رصاصة واحدة؛ يمثّل حدًا فاصلًا في التاريخ.
ومع حدوث هذه الكارثة الواسعة التي ضربت حزب الله في لبنان علينا أن نطرح بعض الأسئلة، وهي أسئلة أطرحها بهدف تحفيز الذهن لأصل بالقارئ إلى استنتاجٍ يؤكد حدوث الخيانة، وليس الخرق الأمني فقط، داخل أعلى حلقات الكادر القيادي في حزب الله، ولأقوده إلى تصوّرٍ يفهمُ من خلاله حجم الكارثة التي تعصف بالحزب/ العصابة حتى قبل اغتيال نصرالله.
وسأحصر أسئلتي هنا بقدر تعلّق الأمر بتصنيع أجهزة النداء الآلي، وتوريدها وتخزينها وتوزيعها فقط، وعلى هذا النحو:
وأعتقد أن الإجابة على هذه الأسئلة تزيل الغموض وتكشف عن حقيقة ما جرى بالضبط.
وبغير الإجابة عن هذه الأسئلة يكون كلّ كلامٍ في هذا الصدد مجرد تحليلات واستنتاجات، وربما خيالاتٍ وأوهاما.
وربما كانت هناك أسئلة عديدة أخرى تستحق أن تجد إجابات أيضا!
وببساطة ووضوح يمكن القول:
أن تصنع احتياجاتك فهذه قضية أمن قومي في حدّه الأقصى وليست شأنًا اقتصاديًا فحسب.
فالذي يفخّخ جهاز اتصال بإمكانه أن يُسمّم سائلَ غسيلٍ ومساحيقَ تنظيفٍ وأطعمةً وعصائرَ ومشروباتٍ غازية وحلوياتٍ وأدويةً يمتلك مصانعها، أو يمكن أن يعبث بسلاسل توريدها.
28/9/2024