

لقد قال أحد حكام العراق الجديد يوم كان معارضا "نتعاون مع الشيطان من أجل إسقاط نظام صدام حسين". لم يأت ذلك التصريح من فراغ. كان النظام الإيراني هو قدوته في ذلك. ففي ثمانينات القرن العشرين تم الكشف عن فضيحة إيران غيت التي عرف العالم من خلالها أن الولايات المتحدة كانت تزوّد إيران بالسلاح من أجل استمرارها في الحرب ضد العراق.
في بدايات الألفية الثالثة لم يخفِ جنرالات إيران أن الولايات المتحدة لم تتمكن من احتلال أفغانستان والعراق لولا التسهيلات التي قدّمتها إيران لعمليتي الغزو. وفي ذلك أكدت إيران استعدادها للتعاون مع الشيطان الأكبر بغض النظر عما ينتج عن ذلك التعاون من مآس سيعاني من تداعياتها البلدان عشرات السنين.
لم يكن النظام الإيراني يومًا ما وفيًا لشعاراته وصادقًا فيها. فالقدس على سبيل المثال التي وضعها هدفا لفتوحاته تمرّ الطريق إليها بكربلاء، وهو ما يعني أن احتلال العراق يجب أن يسبق أيّ تحركٍ باتجاه القدس.
ألم يكن نصرالله، وهو الذي كان يدعي الفطنة وامتلاك العقل الثاقب والقدرة على أن يضع خبرته في مسارات إستراتيجية مختلفة حين كان يلقي عظاته الطويلة بأسلوب يغلب عليه غرور القوة، قادرًا على رؤية حقيقة الدولة التي ضحّى بلبنان من أجلها حين وضعه تحت حمايتها أم أن الحب أعمى كما يُقال؟ حتى النزعة الطائفية لا تبرّر الخطأ الذي ارتكبه وكان سببا في مقتله.
اللبنانيون طائفيون باستثناء عدد قليل. الطائفية هناك اجتماعية وليست سياسية فقط. هناك مسافة بين الطوائف تحكم عليها بالعزلة. ولكن المشهود للبنانيين أنهم جميعا يعتزون بانتمائهم الوطني. وهم يضعون لبنانيتهم فوق انتمائهم الطائفي. لم يكن هناك تناقض بين الأمرين.
أما حين خرق بشير الجميل ذلك العهد في التصالح الوطني وتعاون مع (إسرائيل) فإنه دفع حياته ثمنا لجريمته بعد أن كان لبنان قد دفع حصته من ذلك الثمن؛ ومن خلاله المارونيون.
لم يختلف نصرالله عن بشير الجميل فهو الآخر وضع الطائفة الشيعية بعد أن احتكر تمثيلها في خدمة إيران وكان عميلًا يفاخر بكونه جنديًا لدى علي خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية (الإسلامية) وأن المائة الف من مقاتليه يتسلمون رواتبهم من إيران وهم يضحون بحيواتهم من أجل تنفيذ الإملاءات التي تصدر من طهران.
وكما حدث مع بشير الجميل الذي لم يكن على يقين من أن (الإسرائيليين) سيغدرون به، وفعلوا ذلك، كان مصير نصرالله الذي عبث بلبنان طولًا وعرضًا ودفع بدولتها إلى الفشل النهائي أن يكون ضحية لغدر إيراني حتّمته الظروف الدولية فكان كبش الفداء الجاهز الذي كانت إيران تفكر في التخلص منه لتحاول من خلاله أن تنهي أزمتها مع الغرب. ومع مقتله أظهرت إيران الحجم الحقيقي لسيد المقاومة لديها.
الرجل الذي قتلته (إسرائيل) ما كان ليُقتل لولا تخلي إيران عنه. كم كان ساذجًا حين أُقتيد إلى اجتماع ضمّ ما تبقى من قيادات حزبه العسكرية والسياسية ومجلس الشورى الذي كان أعضاؤه يخططون لعزله. سرية ذلك الاجتماع لم تمنع من إطّلاع إيران عليه وهي موقع ثقة جميع مَن حضروه. ولكنها ثقة لم تكن في محلّها. ما لم يكن يعلمه نصرالله ولا رفاقه أن النظام الإيراني كان قد قرر التضحية بهم من أجل بقائه.
ولأن نصرالله كان جنديًا إيرانيًا فإنه لم يتوقع أن قيادته ستسلّمه للعدو هدية جاهزة. مَن يصدق ذلك؟ ما فعله الرجل من أجل إيران لم يفعله أحد آخر. لقد ضحّى ببلده ومواطنيه الذين سلمهم للضياع بمختلف أنواعه من أجل أن يكون وفيًا لعهدٍ مجنون قطعه على نفسه بأن يكون تابعًا لإيران إلى آخر نفس.
مات حسن نصرالله قبل أن يقول كلمته الأخيرة التي ربما كشفت عن شعوره بغدر صانعيه. غير أن ذلك لن يتمكّن من قوله حتى لو بقي حيا. ذلك لأنه لم يكن سوى تابعٍ انتهت صلاحية استعماله.