الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

10 أيام...لكنّها لم تهزّ النظام اللبناني بقيادة "حزب الله"!

خليل عيسى
الأربعاء 23 أكتوبر, 2024 11:05
 رئيس وزراء مؤمن بعينين جاحظتين أشبه بطفل إنتهى للتو من حفلة بكاء يستعجل الصحفيين الانتهاء من توجيه أسئلتهم إليه لانّه لا يريد تفويت صلاة الظهيرة. رئيس مجلس نوّاب لا يعتقد أنّ الوضع يستدعي فتح قبّة البرلمان في حين يتم مسح القرى والأحياء التي انتخب سكّانُها نوّابَ كتلتِه، عن وجه البسيطة.

وما عدا بعض النوّاب"التغييريين" فإنّ الاكثرية الساحقة من النوّاب غائبة عن السمع. هي طبقة حاكمة لم ترد أن تقول حرفًا واحدًا عمّا يجري ولأكثر من سنة. بقي ذلك حتى باغتنا مشهد ترويكا عواميد النظام اللبناني الفعلي في إجتماع "عين التينة". الصورة كانت بليغة: نبيّه برّي ووليد جنبلاط ونجيب ميقاتي بدوا هَرِمين منهكين كمن ألقي عليهم حمل العالم بأسره. رؤوس محنيّة وعيون مغمضة وأجساد كهلة بأياد معقودة خلف الظهر كتلميذ يتلقّى القصاص. ولما العجب؟ هي بالفعل حالة تعاونيّة النظام الزعاماتي هذه الايام، الذي أقامه وحماه "حزب الله" رويدًا رويدَا بمعونة الولايات المتّحدة والفرنسيين.

تجلّت حماية "حزب الله" في مفاصل محدّدة نذكر منها موقعة "شيعة، شيعة" خلال مظاهرات تشرين من العام 2019 التي ضربّ فيها بلطجيّة الحزب المتظاهرين السلميين. قبلها كانت إيران و"حزب الله" قد أبدلت من خلال نبيه برّي مجلس نوّاب بطوله وعرضه "بطاولة حوار" بين زعماء حتى بات نظام "حزب الله" لا يحاور الا "عاموس هوكشتاين" اليوم بدل اللبنانيين والعالم العربي مستعملا فيما يستعمل حيلة الإلهاء وخصوصا عبر أطرافه "المسيحية" من خلال همروجة "انتخاب الرئيس" لشراء المزيد من الوقت. حيلة الزعماء هذه ما زالت فاعلة حيث لم يجرؤ نجيب ميقاتي ولمدّة سنة كاملة على إعلان فكّ الارتباط مع غزة.

إبقاء الوضع على ما هو عليه هو تحديدا ما حاول ويحاول النظام اللبناني بقيادة "حزب الله" فعله حتى الانتخابات الاميركية في الخامس من تشرين الثاني. وإذا كان أبناء القرى الجنوبية والبقاعية هم من يقاتل إسرائيل تحت راية الحزب فإنّ تلك الاجساد تدافع أيضا وبالنتيجة عن "اللفياثان" اللبناني وهو المسخ السلطوي الموجود في الخطوط الخلفية، أي قبل أتوستراد "طريق المطار"، وهو النظام الفعلي الذي بناه "حزب الله" رويدا رويدا وعلى مراحل بواسطة فساد الزعماء من كلّ الطوائف. وإذا كان صحيحا أنّ عشرة ايّام كانت كافية لتطييرها قيادات والبنى العليا لحزب الله من المعادلة وردّ التنظيم الى حالة عسكرية كلاسيكية إلّا أنّه على عكس الايام العشر التي وثّقها الأميركي "جون ريد" في كتابه حول الثورة البلشفيّة، لم يهتز هذا النظام بقيادة "حزب الله".

الادلة على كلّ ذلك واضحة فجميع الزعماء ما يزالوا يقولون بالقرار 1701 لكن بتفسيره التهريجي "اللبناني" الذي يفرغه من أي معنى، أي الذي يُخيّل لهم أنّه سيسمح بالعودة الى يوم 7 تشرين 2023 صبيحة أنتهاء الحرب، لكن هذه المرة مع غطاء إضافي وهو مقولة نشر عديد أكبر من الجيش اللبناني. أي مجددا إبقاء الوضع على ما هو عليه من دون فكفكة البنية العسكرية لحزب الله وإبدالها بسلطة الدولة لا غير. هذا يعني أنّه مع قدوم إدارة أميركية مؤيّدة للايرانيين لا تزال إيران خامنئي تأمل بوقف الاندفاعة العسكرية الاسرائيلية والسماح من جديد للحزب الله بإعادة بناء ذاته عسكريا وأمنيا. أي أنه أيضا وفي المحصلة النهائية يودّ الزعماء الستة من مختلف الطوائف العودة الى نظام تعوّدوه والفوا العيش فيه، فحزب الله هنا هو بيئتهم الحاضنة، هم الذين مثلهم مثل بيئة "حزب الله" "الشيعية" التي أدمنت على الحزب وهي "من تحت"، قد أدمنوا هم عليه كذلك لكن "من فوق". فوجود "حزب الله" بعد عقد من الزمن قد أوجد شروط لعبة جديدة من "ثلث معطّل" حينا وعدم إقامة موازنات مالية انتهت بإقتصاد ورقي لتبييض الأموال بلا حدود يناسب الكلّ.

حتى في المشهد الاعلامي، يتبدّى لنا هذا النوع من القواعد الضمنية على حصر النقاش ما دون الخطوط الحمر: عدم لوم "حزب الله" على ما فعله في كونه هو من بدأ الحرب، والإصرار على اعتبار ما يحصل عدوانا من طرف واحد هو إسرائيل متجاهلين أن إيران هي التي بدأته في تشرين 2023 وتودّ إكماله وأنّ مشكلة اللبنانيين قائمة مع إيران كذلك. ضِف على كلّ ذلك زعيق إعلام النظام أنّ الدولة اللبنانية هي إمّا "عاجزة عن تنفيذ 1701" أو أنّها "نفذّته" لكن إسرائيل هي التي خرقته "وحدها" وهذا الأمر غير صحيح قطعا لانّ الدولة اللبنانية مع حزب الله تذاكتا ولم تنفذاه يوما مع أنّ كلّ ذلك للأمانة تمّ بتغطية أميركية منذ أيام بوش الابن وأوباما.

وجولة سريعة على الإعلام المرئي في لبنان اليوم توضح لنا أنّه صار بشكل شبه كامل عبارة عن آلة تعميم للاعلام الحربي لحزب الله وخطوطه الحمر. وبايجاز فإنّ قناة ال"أل بي سي" التي هي أصدق ناطق بإسم مجموع المؤسسة الحاكمة اللبنانية صارت في طريقة بثّها ونوعية ضيوفها بديلا فعليا عن قناة "المنار". أما قناة ال"أو تي في" العونيّة فقد صارت إمّا بوق لحزب الله والأطراف التي تدور في فلكه أو تقوم ببثّ الصلوات كلّ الوقت في محاولة إنكار الواقع لمشاهديها بينما تلفزيون "الجديد" بات منذ زمن الفرع المحلّي لقناة "الجزيرة" التي تحنّ على التيارات الاسلامية من كابول إلى إسطنبول. وبشكل عام فإنّ كلّ القنوات في لبنان متخمة بالابواق التابعة للحزب. وحده تلفزيون المرّ (الام تي في) رغم أنّه يستقبل خلال النهار مدّاحين لحزب الله في بعض الاحيان فهو يرمى بالخيانة والعمالة بسبب افتتاحية أخبارها التي تعارض الحزب الذي حاول منذ أكثر من عقد اغتيال صاحبها الياس المرّ.

يؤكّد ما نقول كذلك أنعدام الاداء الصحفي المستقلّ على الأرض، فنرى الفيديوهات غير الواضحة التي تأتينا عند كلّ قصف. الفيديوهات عادة ما تكون بكاميرا بعيدة وفي أرض خالية من البشر، مبرمجة لتعرض دمارا. من غير سياق ولا حالة سياسية او اجتماعية. وبشكل عام لا يوجد مقابلات عفوية مع الناس والتصوير لا يسمح به الا برقابة. وفي المناطق التي يسيطرعليها الحزب لا يوجد أيّ إعلاميين على الأرض بشكل مباشر. كما نلاحظ تفاوتا غير مفهوم في التغطية المرئية مثل التعتيم الإعلامي على ما يحدث في البقاع مقارنة بالجنوب مثلا حيث تكاد لا تأتينا أي صور أو أخبار صحفية مستقلّة. ولا يخرج الامر عن سيطرة الحزب أوالنظام اللبناني الامني-الاعلامي الا بشكل نادر، حين تحدث مثلا غارات في مناطق بعيدة عن السيطرة المباشرة للحزب مثل قصف قرية أيطو في شمال البلاد فتتسرّب حينها صور لناس قيل أنّهم كانوا من الحزب بين الجرحى، أو في حالات نادرة مثل فيديو انتشر لشاب من الضاحية الذي هوجم لانّه أراد العودة الى منزله لكن تمّ منعه فقال ما معناه أنّ سيارات "الرابيد" للحزب كانت تنقل سلاحا الى بنايته ثم "راحت البناية" بسبب القصف. تمّ بالطبع ضربه في فيديو آخر. كما نعيش الاتهام السهتيري للمصورين المستقلّين الذين يأتون لتصوير البنايات المستهدفة بكونهم "عملاء" لانّ بعض صورهم أظهرت مخازن أسلحة بين الردم مما ضرب سرديّة "حزب الله" على أنّه لا يملك مخازن أسلحة في الضاحية، بينما طريقة الانفجارات المتسلسلة في مواقع القصف تشي بأن لبنان كلّه قد حوّله "حزب الله" الى مخزن أسلحة. ومقابل كل هذا لا يحاول الاعلام اللبناني ممارسة دوره في التغطية المستقلة كما يجب ان يحدث في كلّ إعلام الحروب.

كلّ ما ذكرته من أمثلة بات معروفا لكن ندرة الكلام حوله في متن إعلام النظام إنّما يدلّ على أنّه حتى الآن، ما زال هذا النظام يعتبر، تماما كما تفعل إيران، أنّ "حزب الله" هو الأداة التي تحمي توازن التركيبة الداخلية للسلطة الزعاماتية التي يقوم عليها هذا الأخير، سواء أكان ذلك على على القرى الحدودية أو في اللعبة التفاضية التي تتمّ بين الولايات المتّحدة وبين ايران واسرائيل من جهة أخرى. وهذا النظام الشرس لا يزال يأمل الإتيان بنظام اميركي بإدارة أوبامية رابعة داعمة للايرانيين بعد الخامس من تشرين الثاني لكي يوقف الهجوم الايراني ويعيد ترميم ذاته ولو بماكياج هو "إنتخاب رئيس" و"انتشار للجيش اللبناني في الجنوب"، فهل سينجح في رهانه؟

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram