

ودموعُ نخلٍ يستعيد جراحه بين الأنام
ولربَّما هذي الوجوهُ مآتمٌ
ذكرى وذاكرةُ المطرِ السُخامْ
وأنا انتظرتُ ..
الريحُ نزفي .. سوفَ تحملُني
ويحملُني الغَمامْ
علّي أرى جيلاً من الغضبِ المقدّسِ وعدهُ
لأشدّهُ بسلالةِ الضوءِ القديمِ
وتشدّني الحربُ الحرونُ
إلى الضرامْ
وأنا انتظرتُ الوعدَ.
قَدْ جفَلتْ خيولُ الله حينَ أثَارها القصفُ المعربِدُ في الظلامْ
أوَ تذكرون الليلَ افواجًا من الشهداءِ
قد جاءوا الينا واجمين
وقالعين عيونَهمْ
ماذا ستحملهُ الأكّفُ؟
فجائعا.
ماذا ستحملُ للسمواتِ الدماء؟
الكربلاءاتُ .. العزاءُ .. الزينَباتُ ..
الثاكلاتُ ...المريَماتُ .. الفاطماتُ .. الفُزَّعاتُ
وألفُ ألفٍ في المَقامْ
وسأذكرُ ..
أوَ تذكرونَ الخبزَ أسودَ.. والغبارْ
وزنبقاتِ الآهِ في حجرِ المجاعةِ والحِمِامْ ..
الغامضِ السرِّيُّ مرآى للحِمامْ
أوَ تذكرونَ الموتَ ..
أنَّاتِ الرُصافةِ ..
دمَعَها ..
أبوابَها
ومآذنَ الكرخِ الذبيحةَ..
صوتَها ..
ونداءَها
وأزيزَ بارقةِ القيامةِ .. والقَيامْ
وأنا أرى في كلِّ هاويةٍ مكائدَ قاتلي
وتكتُّم الشجنِ الفصيحْ
وأمدُّ كفّي .. تلتقي جُرحاً .. أنيناً
قابضاً بيدٍ على كفّي، يصيحْ :
أنا الذبيحُ ..أنا الذبيحْ
من الحُسينِ إلى المسَيح.
أوَ تذكرون دموعَ اشجارِ القُرى
وأنا أرى..
وأنا ارى..
حمَّى لظَى الإسمنت
عَيْنَي طفلةٍ في السقفِ أُلصِقَتا ..
من فرطِ صبوتها الدما تتضرّعُ
هذا الجدارُ اضالعٌ
واصابعٌ محروقةٌ
أمّا الثرى أكبادنا الحرّى
وقد جزعَ الثرَى
لما رأى .. ثدياً نُحاساً خائفاً
في كفِّ طفلٍ يرضعُ
تحنوُ عليه الثديِّ
ثمَّة صرخةٌ لا تُسمَعُ
سودٌ جدائلُ ملجأٍ في العامريةِ يحتَفي ويُديرُ بوصلةَ الزمانِ ..
سحابةٌ بدمِ الفرات تخضّبتْ
وتخضّبتْ خُضرُ القبابِ
وجُرحُها فوقَ المآذنِ يُرفَعُ..
أوَ تذكرونَ الياسمينَ .. مُحاصرٌ
روحٌ محاصرة بأنفاسِ العقاربِ و الوباءْ
والأرضُ صقرٌ حائِمٌ
في صمتهِ لغُةٌ يُخبِئُها الإباءْ
أوَ تذكرونَ ..
الذكرياتُ .. الذكرياتُ .. الذكرياتُ
الذكرياتُ .. معلقاتٌ في السماءْ
ولربَّما هذا الهواءْ..
أو ذاك ...
أو هذا الضياءْ
ولربَّما مختومةٌ بالموتِ
مَنْ يأتي بموتٍ رائعٍ
يحنو عليه .. وكلُّ تابوتٍ ردِاءْ.
ووَقفتُ أُمعنُ في الدماءْ
وأَمَضُّ جُرحٍ في الكواكبِ
أن ترى .. قتلاً يُبرّئُ قاتلاً
والفجرُ بعضاً من إماءْ
في جُلّنارٍ ضاحكٍ
وليختنق نبعٌ ودمعةُ ثاكلٍ
وليذهبْ الشهداءُ نحوَ مجرّةٍ ..
يا للفجيعةِ أن تَرى
البلَوى يُوشحها الهناءْ
أو أنْ ترى النسرينَ يبَذخ عطرهُ
ويُهيمُ مفتوناً بلوعةِ عاشقين.
هيا أصعدي يا روحُ
كم طاوعتُ نبعَكِ وأبتعدتُ
وجِدْتُ بالماضي وبالنورِ المُوشّى بالعبيرْ
ولقَدْ حملتك صابراً متباهياً
ووضعتُ في عُنقي السرائرَ كلهَّا
وودائعَ التاريخِ
حين يبوحُ إرثٌ زائفٌ
بين الخورنق والسديرْ
مَضت سنونٌ..
كلُّ شيءٍ ساخنٌ،
وكلُّ نفسٍ هيأّت ترحَالها ورحَالهَا
ومشَتْ كما يمشي الضميرُ
على السعيرْ
ومضَتْ تحلُّ أحاجياً
وتروحُ تلبسُ ما نسجتُ من الحريَرْ
أوَ تستوي
بحراً ومكراً هائلاً
وتعيدُ ما للّيلِ من طُرقٍ وأسرارٍ
وقافلةٍ تسيرْ
والمركباتُ تموجُ بين نهار
ألوانٍ وأشكالٍ
وأفيالٍ تطيرْ
أوَ تذكرونَ ..
إنِّي سأذكرُ واهمين بما تيسّرَ
من كتابِ الواهمينْ
وكلُّ شيءٍ ساخنٌ..... في أوجِ محنتِنا
الطبيعةُ غيّرت ألوانَها و فصولَها
وثعالبُ المذياعِ تنهشُ بالرؤوسِ
وبالصغيرِ وبالكَبيرِ
والخائبونَ استنفرواَ
حتى المناقيرَ الهزيلهْ
ومعاولَ الجبلِ الأصمِّ
ولوَّحوا للصابرين
بأرجوان السَعْد يصعدُ عالياً
برفيفِ أحلامٍ وتبرٍ ذائبٍ
يندى على وردٍ نضيرْ
وتراكضت بعضُ الخيولِ بلا لجامْ
ممسوخةٌ في جلدِ خنزيرٍ ضريرْ
يتوهمون
وبقيتُ أُصغي للفؤادِ وللبلادِ..
لجهنمٍ والزمهريرْ
لا تسقطي يانفسُ أني مالئٌ
قلبي بنورِ اللهِ
حالي حالَ هذي الناس
قلبي ثابتٌ خالٍ من الأدغالِ
أُفقي طاهرٌ من كلِّ رجسٍ أو حقيرْ
وليبقَ هذا الذئب يغزو أو يُغيرْ
أو تذكرونَ ..
النارَ تلهثُ
تهرعونَ الى الأباريقِ
المُعادة والتواريخِ المُعادةِ،
والمدى جُرحٌ مُعادٌ ضيّقٌ
سأقومُ أعرفُ أنني مَيتٌ،
وقبري منكرٌ
في اللحدِ يبرأُ من نَكيرْ
ورأيتُني أبني .. وأبني
ما تهدَّم من جِسورْ
وأشدُّ اضلاعَ البلاد
وما تحطّمْ في الصدورْ
وأُضيءُ أوجاعَ الرُصافةِ
سامحاً للكرخِ والعشاق إشعالَ المها
والجسرُ عادَ من المَعاد
كسوتُهُ بالعظمِ والدمعِ الغزيرْ
ولمحِ برقٍ زائغٍ قد يصنعُ الإعْجازَ
في البشرى التي صبَرتْ
لينشرها هواهُ مع النشورْ
ورأيتُني أجري .. أُلملمُ ما تفصّدَ
من جبينْ
وأُعيدهُ نبعاً وماساً كالندى
يغفو على تَعبِ السنينْ
هذا اختياري لامعٌ
علَّ المُنى يوماً ستوصلني
إلى شمسِ اليقينْ