الأحد 27 / سبتمبر / 2026

لماذا يحدث هذا في العراقِ الآن، والآنَ بالتحديد؟!

يسعى السوداني إلى إرسال رسائل غير مباشرة ثلاثية الاتجاهات فهل سينجح؟

مصطفى كامل
الأربعاء 18 ديسمبر, 2024 12:34
ماذا سيفعل المحشور بين عمامتين لا تعنيهما مصالح العراق؟!
ماذا سيفعل المحشور بين عمامتين لا تعنيهما مصالح العراق؟!
 خلال أقلَّ من 24 ساعة توالت عدة تصريحاتٍ من أشخاصٍ يحملون صفاتٍ رسميةٍ في نظام الميليشيات القائم في العراق تبشّر بالويل والثبور، وتُنذر بحلولِ عظائم الأمور.

سبق ذلك وعلى مدى أيام اختفاء التصريحات الفوضوية والشعارات العنترية والألاعيب البهلوانية التي كان زعماء الميليشيات الإرهابية الإيرانية يطلقونها بجرعاتٍ مبالغٍ بها بًقصد الاستعراض الفارغ الذي قد يخدع بعض السذَّج من أولئك الذين يركّزون على مثل هذه الألاعيب الاستعراضية وينسون جوهر الحقيقة الذي يُفصِح عن خلافها.

اختفت تمامًا دعاوى التبجّح الفارغ بالسيادة واستعراضات أوهام القوة الجوفاء التي كان زعماء الميليشيات الإرهابية وأبواقها يتمظهرون بها أمام العراقيين والعالم.

فجأة اختفت تمامًا دعاوى التبجّح الفارغ بالسيادة واستعراضات أوهام القوة الجوفاء التي كان زعماء تلك الميليشيات الإرهابية وأبواقها يتمظهرون بها أمام العراقيين والعالم في دلالةٍ يفسّرها علماء نفس السلوك البشري بأنها تعبيرٌ عن حالةِ خواءٍ داخلي حقيقية وإحساسٍ جديٍّ بالرعب تُصاحبه حالة إنكارٍ وبعدٍ عن الواقع وانفصامٍ عنه، وحلَّ مكان ذلك التبجّح الدونكيشوتي حديثٌ باتجاهٍ آخر مغايرٍ تمامًا، حديثٌ حول "ما هو مطلوب تنفيذه من السلطة" و "ضرورة الاستجابة للمطالب الدولية" و "احتمال سقوط النظام" و "عدم القدرة على تجاوز العاصفة" و "ضرورة تفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها" وغير ذلك من العبارات التي تكشف عن مدى عمق الأزمة التي يواجهها النظام الميليشياوي القائم في بغداد، ولو أمعنّا النظر في أداء هؤلاء المستشارين وفي لغة أجسادهم وهم يُطلقون هذه التصريحات لأدركنا حجم تلك الأزمة بالفعل.

والحقُّ أن كل هذا لم يأت على حين غرّة بل سبقته التراجعات الفضائحية لرموز النظام، سياسيين وميليشاويين، في كيفية تعاطيهم مع تطورات الثورة السورية الظافرة، إذ بدأ ذلك التعاطي بالتصريحات التي انطلقت أول الأمر بخطابٍ طائفيٍ كريهٍ حول "زينب التي لن تسبى مرتين"، وصراخٍ منكرٍ عالي النغمة ضد الثوار، وتهديداتٍ سفيهةٍ باجتياح سوريا بقطعات الجيش (العراقي) لدعم نظام السفاح بشار الأسد، والحيلولة دون سقوطه على أيدي الثوار، ثم انتهى بلحس كلِّ تلك التهديدات الجوفاء وإعلان "احترام السيادة السورية والقبول بخيارات الشعب السوري وتقديم ما يساعد على تحقيق الاستقرار هناك" وكأن هذا النظام الميليشياوي الذي لم يقدّم سوى الفشل الشامل في العراق قادرٌ على أن يحقق شيئًا إيجابيًا في سوريا أو يقدم لها ما ينفع في عهدها الجديد!

والمؤكد أن هذه التراجعات التي لم تأت من فراغٍ ولا بمبادرة من هذا النظام المجرم الذي قاتلت ميليشياته السوريين لأكثر من 10 سنواتٍ استجابة لأوامر إيرانية وتعبيرًا عن اصطفافات طائفية لا تخطئها عين أحد، بل جاءت بأوامر أميركية صارمة وتهديداتٍ واضحةٍ بأن ما سيصيبُ نظام بغداد الميليشياوي سيكون كارثيًا في حال الإصرار على العبث بالشأن السوري الداخلي.

لكن اللافت أن التصريحات الجديدة للمسؤولين العراقيين التي أشرنا إليها في مطلع هذا المقال لم تأتِ على سبيل التحليل والتوقع والاستنتاج، بل جاءت على سبيل الجزم النابع عن معلوماتٍ مؤكدة، كما أنه لم يُعبِّر عن هذه المواقف أشخاصٌ من خارج منظومة السلطة، محللين أو كتابًا أو صحفيين، ولا حتى من برلمانيين أو حزبيين، أو من مسؤولين سابقين، بل جاء التعبير الواضح الصريح عنها من أطرافٍ محسوبةٍ على رأس هرم السلطة التنفيذية بالتحديد، الذي هو في ذات الوقت القائد العام للقوات المسلحة، لا بل من جهاتٍ تعمل بمعيِّته مباشرة.

والأدعى للانتباه أن هذه التصريحات، التي لم تأتِ مجانًا أو على سبيل الثرثرة التي اعتادها رموز النظام الميليشاوي القائم، جاءت مع إصرارٍ أظهره هؤلاء الأشخاص على تقديم أنفسهم باعتبارهم جزءًا من منظومة السلطة التنفيذية في أعلى حلقاتها، وهذا الإصرار من جانب المعنيين لم يأتِ على سبيل تبجّحهم بمناصبهم التي يعرفون أنها ليست ذات قيمةٍ حقيقية أمام هيمنة الميليشيات المطلقة، وإنما جاء بما يُؤكد أن ما يقدّمونه من معلوماتٍ وتقييماتٍ إنما يمثل موقف رأس هرم السلطة بالتحديد وبالتالي لا يدع مجالًا للتفسير بأنها مجرد مواقفَ شخصيةٍ أو انطباعاتٍ فرديةٍ أو استنتاجاتٍ تحليليةٍ فحسب مما تقع مسؤوليتها على كاهل من يُطلقها أو يعبّر عنها وحده!

علماء نفس السلوك البشري يفسّرون مواقف زعماء العصابات الإرهابية الإيرانية بأنها تعبيرٌ عن حالةِ خواءٍ داخلي حقيقية وإحساسٍ جديٍّ بالرعب تُصاحبه حالة إنكارٍ وبعدٍ عن الواقع.

فلماذا حدث هذا في العراق الآن، والآن بالتحديد؟

من الواضح، بالنسبة لي على الأقل، أن محمد شياع السوداني، رئيس وزراء حكومة "أنفاس الزهراء" بحسب ما أطلق عليها زعماء الميليشيات الإرهابية الإيرانية الذين أسّسوا هذه الحكومة، أدركَ، ولو متأخرًا، أن الوقت ينفدُ من بين يديه، وأن الدائرة تضيقُ من حوله، وأنه ليس بمقدورهِ فعل شيءٍ أزاء ما يُطلب منه بإلحاحٍ دوليٍ وإقليميٍ وعربيٍ بالغٍ على صعيد حلِّ الميليشيات، وتفكيك بُناها العسكرية والاقتصادية، والبدء فورًا بتسليم أسلحتها إلى الجهات الحكومية، ولأنه يئس من الحصول على قرارٍ من زعماء عصابات الإرهاب الإيراني الحاكمة في بغداد بالاستجابة لهذه المطالب الضاغطة عليه جدًا؛ فقد لجأ إلى أسلوبٍ جديدٍ يظن أن فيه بعض الفائدة ولو على سبيل تسجيل نقطةٍ دعائيةٍ لصالحه فقط.

وفي هذا السياق، أعني سياق المدُرِكِ لهول القادم لكن العاجزِ عن الفعل في واقع الأمر، طلب السوداني من بعض مستشاريه، مثل إبراهيم الصميدعي ومحمد صاحب الدراجي وغيرهما، الخروج على وسائل الإعلام للتصريح بخطورة الموقف الذي يواجهه العراق الآن، وما سيُحيق به من أزماتٍ في المستقبل القريب في حال استمرار تعنّت زعماء الميليشيات الماسكة بالسلطات الأمنية والعسكرية والإدارية والقضائية في البلاد، قاصدًا بذلك إيصالِ رسالةٍ ثلاثية الإتجاهات:

الأولى: إلى زعماء الميليشيات لإبلاغهم بخطورة الموقف الذي سيواجهونه على يد أميركا وغيرها بسبب امتناعهم عن تنفيذ القرارات المطلوبة منهم، والتي لم يعد بالإمكان التنصّل منها أو التراخي في تطبيقها.

الثانية: إلى المجتمع الدولي مفادها أنه، أي السوداني، يقوم بواجبه لتنفيذ ما طُلب منه لكن زعماء الميليشيات يمتنعون عن الاستجابة، وهو غير قادرٍ على فعل شيء.

الثالثة: إلى العراقيين خلاصتها أنه غير مسؤولٍ عمّا سيواجهونه في المستقبل القريب من ضرباتٍ عسكريةٍ وصعوباتٍ اقتصاديةٍ وأزماتٍ معيشيةٍ شتى.

في هذا الإطار أفهم توالي هذه التصريحات الصادرة عن مستشاري السوداني الآن، والتي ما كان لها أن تصدر في هذه المرحلة لولا وجود إيعازٍ من رأس هرم السلطة التنفيذية بإطلاقها في هذا الوقت بالتحديد الذي تتصاعد فيه الضغوط الواقعة على رئيس وزراء حكومةٍ جاءت به الميليشيات من الصفوف الخلفية في أحزابها ودفعت به إلى الواجهة. وقد تتوالى هذه التصريحات بوتيرةٍ أعلى في القريب العاجل، أو قد تختفي في حال خضوع أجهزة الإعلام لأوامرَ ميليشياويةٍ حازمةٍ تقضي بعدم إبرازها للملأ.

لكن الأهم الآن سؤالان:

  1. هل سينجح السوداني المُدرِك والعاجز في آنٍ معًا، عبر خطته هذه بإرسال الرسائل غير المباشرة أو عبر ما يُوصله مباشرة لزعماء الميليشيات، في انتزاع قرارٍ بحلِّ العصابات المسلحة التي جاءت به إلى السلطة، والتي هي من يُمسك بسلطته ويحول دون سقوطها؟
  2. وهل سيكتفي المعنيون بالقرار الدولي والإقليمي المتعلق بالعراق بإظهار السوداني عجزه عن الحل ليتولّوا بأنفسهم تنفيذ ما طلبوه منه وعجز عنه؟

بصراحة لا أعتقد أن شخصّا محكومًا بهيمنة الميليشيات المطلقة عليه مثل السوداني سينجح في حل تلك الأذرع والمخالب الإيرانية القذرة مهما كانت الضغوط التي يتعرّض لها، ليس لأنه لا يريد لارتباط مصيره الشخصي بمن جاء به فحسب، وقد يقول قائلٌ إن السوداني يريد بالفعل سواءً لتقديم نفسه بصورة (البطل) فيحقق ما تريده أغلبية العراقيين التوّاقين لإنهاء هذه العصابات الإرهابية الإيرانية التي تحتل بلدهم، أو لإنقاذ رقبته من القصاص في أقل تقدير، بل لن ينجح لسببٍ أهم، وهو أن قرارًا مثل هذا يتحدّد عليه مصير النظام كله ليس في يد السوداني ابتداءً وانتهاءً، فهذا القرار بالتحديد في أيدٍ أخرى غير موجودةٍ في بغداد بالتأكيد، فهناك النجف وطهران الحاسمتانِ في هذا الصعيد.

عاصمتا قرار التشيّع الميليشياوي تعتقدان أن (مصلحة الطائفة) تستلزم بقاء هذه البنادق الإرهابية في العراق بعد انثلام هلال المشروع الفارسي في المشرق العربي بانكسار بندقية حزب الله في لبنان، وانكسار عموده الفقري بانتصار ثورة الشعب السوري البطل.

والحقُّ أنه ليس هناك أيُّ إشاراتٍ إيجابيةٍ في هذا الخصوص من عاصمتي القرار السياسي والديني لأحزاب التشيّع الميليشياوي، وهما العاصمتان اللتان قرّرتا، منذ قبل احتلال العراق، إنشاء هذه العصابات الإرهابية المسلحة، واللتان كانتا تمنحانها الأغطية المطلوبة لارتكاب كل الجرائم والموبقات التي ارتكبتها طيلة السنوات الماضية في العراق وفي سوريا، وحتى في أماكن أخرى سيُكشف عنها لاحقا.

فهاتان العاصمتان ما تزالان تعتقدان أن (مصلحة الطائفة) تستلزم بقاء هذه البنادق الإرهابية في العراق بعد أن انثلم هلال المشروع الفارسي العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي في المشرق العربي بانكسار بندقية حزب الله في لبنان، وبعد أن انكسر العمود الفقري لهذا المشروع بسقوط نظام السفاح بشار الأسد بفراره المُخزي وانتصار ثورة الشعب السوري البطل، وحيث لم يبقَ لهذا الهلال إلا العراق، ولليمن حديثٌ آخر، كي لا يدخل في مُحاقٍ قد يطول أمده بعد أن كان دهاقنة المشروع الفارسي ينتظرون استكماله ليكون بدرا.

وأي (بدرٍ) مظلمٍ هو لو تعلمون؟!

فهل سينجح المجتمع الدولي في طمس هذا الهلال؟

العالم ينتظر، والعراقيون يريدون طحينًا بعد أن كثُرت من حولهم الجعجعة.

والله الموفق والمستعان

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram