السبت 26 / سبتمبر / 2026

الى أمتنا العربية: لا تخضعوا لابتزاز ترمب، وردّوا له الصاع صاعين

عبدالواحد الجصاني
الإثنين 27 يناير, 2025 17:00
 في اليوم الخامس من ولايته الثانية شرع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في محاولة بائسة لتحويل هزيمة الكيان الصهيوني في غزة الى "انتصار"!

 

فبعد أن فشلت حملة إبادة شعب غزة، بدأ ترمب حملة سياسية لتهجير لشعبها وإحلال المستوطنين محلهم، وطمس قضية فلسطين وحق شعب فلسطين في تقرير المصير على أرضه.

ففي يوم 25 كانون الثاني/ يناير 2025 تحدث ترمب مع ملك الأردن عبدالله بن الحسين، ووعد بالحديث لاحقًا مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وقال إنه طلب من ملك الأردن وسيطلب من الرئيس السيسي استقبال أهل غزة من أجل "اعمارها" لأن الحياة في غزة أصبحت غير ممكنة بعد ان دُمرت المساكن والمستشفيات والمدارس وكل البنى التحتية.

وقال ترمب في حديث للصحفيين "طلبت من الملك عبدالله استقبال المزيد من الفلسطينيين لأن الوضع في غزة كارثي". وأضاف "نتحدث عن مليون ونصف مليون شخص لتطهير المنطقة برمتها".

وعندما سأله الصحفيون هل الانتقال سيكون مؤقتًا لحين إعادة إعمار غزة، فأجاب: يمكن ان يكون مؤقتًا ويمكن ان يكون دائميا.

والوقائع تقول إن أي تهجير قسري لأي فلسطيني لا بد أن يكون دائميًا ما دامت الصهيونية تحكم فلسطين، فمنذ عام 1948 والفلسطيني الذي يهجّر لا يسمح له بالعودة، وفلسطينيو الشتات المسجّلون في الأونروا والذين لهم حق العودة بلغ عددهم (5.9) مليون فلسطيني.

أولاً: هل خطة ترمب إنسانية هدفها إعادة اعمار غزة وعودة أهلها اليها؟

الساذج فقط هو من يعتقد ان ترمب يهدف الى اعمار غزة ثم اعادتها الى أهلها. خطوته هذه هي جزء من مخطط لشطب القضية الفلسطينية وحقوق شعب فلسطين وقتل حل الدولتين، إذ أن ترمب استعد قبل تنصيبه وبدأ يوم تنصيبه في 20/1/2025 بتنفيذ هذا المخطط بخطوات منها:

1- جاء بفريق عمل لإدارة السياسة الخارجية الأميركية من المتشددين الصهاينة المؤمنين بسياسة اليمين (الإسرائيلي) المتطرف. بل إن اليمين (الإسرائيلي) نفسه لم يكن يحلم بمثل هذه الإدارة كما ذكرت ذلك ساخرة صحيفة فايننشال تايمز البريطانية. فوزير خارجيته ماركو روبيو، وسفيرته في الأمم المتحدة أليس ستيفانيك، وسفيره الى (إسرائيل) مايك هاكابي يؤمنون بحق (إسرائيل) التوراتي في ضم الضفة الغربية وغزة، ويرفضون حل الدولتين.

فريق عمل ترمب هذا سيغير بشكل جذري السياسة الخارجية الأميركية إزاء القضية الفلسطينية.

لقد كان الموقف الرسمي الأميركي يدعم، ولو بطرف اللسان فقط، حل الدولتين، أما الآن فان الآمال التي يعقدها البعض على أن تعمل الولايات المتحدة على تحويل وقف إطلاق النار المؤقت في غزة الى سياق تفاوضي يقود الى حل الدولتين، هي آمال زائفة، دونها خرط القتاد كما تقول العرب.

2- أصدر ترمب يوم تنصيبه قرارات تنفيذية ترفع العقوبات القليلة التي فرضتها إدارة جو بايدن على بعض المستوطنين في الضفة الغربية المتورطين بقتل الفلسطينيين المدنيين وتدمير ممتلكاتهم، كما رفع القيود التي فرضتها إدارة بايدن على تزويد الكيان بالقنابل زنة ألفي رطل.

3- خلال حرب الإبادة (الإسرائيلية) على غزة أرسل ترمب صهره تاجر العقارات اليهودي- الصهيوني غاريد كوشنر للتعبير عن دعمه لحرب الإبادة. وزار كوشنر شمال غزة في فبراير 2024، وصرح قائلًا "إن ساحل البحر في غزة ذو قيمة لا تقدر بثمن ومناخه جميل ويصلح لأن يكون منتجعًا عظيما، وأدعو (إسرائيل) الى اخراج أهل غزة منها من أجل تنظيفها". وحال تنصيبه كرر ترمب مقولات صهره إذ قال "لربما سيكون لنا دور في إعادة اعمار غزة كونها ذات موقع ممتاز على البحر وتتمتع بأفضل مناخ".

4- أعمال ترمب هذه تأتي على خلفية موقفه في ولايته الأولى بين عامي 2017 و 2021، حيث قدم دعمًا استثنائيًا للكيان الصهيوني، وسمح بمضاعفة الاستيطان في الضفة الغربية والقدس المحتلة، واعتبرت ادارته أن الاستيطان شرعي، كما اعترف بالقدس عاصمة "أبدية" ل (إسرائيل) ونقل سفارته اليها، وسعى لتطبيع بعض الدول العربية مع الكيان وروًج لما كان يعرف في حينها ب "صفقة القرن".

على العرب التصدي لتنمر وابتزاز ترمب بقوة الإرادة والوحدة، وأن يتصرفوا معه بثقة عالية بالنفس والقدرات، ويوضّحوا له كمية الضرر الذي سيصيب المصالح الأميركية والنفوذ الأميركي في الوطن العربي إذا واصل استغفال هذه الأمة والاستهانة بحقوقها.

ثانيا: هل يستطيع ترمب أن يعيد تشكيل العالم وفق رؤى اليمين الأميركي المتصهين؟

1- لقد عاد ترمب الى البيت الأبيض بهيئة "كاوبوي" انبعث من أعماق التاريخ الأميركي ليقتل الهنود الحمر ويحتل أرضهم. وكشف الأسبوع الأول من ولايته أنه جاء بنوع جديد من الحروب الاستعمارية - الاستيطانية، جانبها السياسي يقوم على تقويض النظام الدولي المبني على ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي والتعددية في العلاقات الدولية؛ واستبداله بشعار "أميركا اولاً"، وهو يشبه شعار هتلر "ألمانيا فوق الجميع". وبدأ ترمب، كما فعل هتلر بالضبط، بالسعي الى توسيع مجال أميركا الحيوي بإعلان رغبته ضم كندا وشراء جزيرة غرينلاند الدانماركية والسيطرة بالقوة على قناة بنما، وتغيير اسم "خليج المكسيك" إلى "الخليج الأميركي"، وعزّز توجّهه المعادي للنظام الدولي والمؤسسات الدولية بالانسحاب من منظمة الصحة العالمية ومن اتفاقية حماية المناخ.

2- أما الجانب الاقتصادي من "نظرية ترمب" فهو يقوم على اعتبار العالم بقرة حلوب لأميركا، والحَلبُ يجري من خلال حروب تجارية تنتهك مبادئ حرية التجارة الذي تقوم عليها الليبرالية الغربية، ومن خلال ابتزاز الدول عن طريق التنمر والتهويل والتخويف والتهديد بالإجراءات الاقتصادية وفرض الرسوم الباهظة على البضائع المنتجة خارج الولايات المتحدة، وإجبار الدول على شراء النفط والغاز الأميركيين، والضغط لتغيير آلية تسعير النفط في أوبك. واشتراط شراء نصف الشركة المالكة للتطبيق الصيني "تيك توك" للسماح بعملها داخل الولايات المتحدة. تلك كانت نماذج من توجهات الأسبوع الأول لترمب، والاسابيع والأشهر القادمة تنبئ بالأسوأ.

3- ابتزاز ترمب وتنمره لم يستثنِ الغرب الأوروبي ولا الشرق الآسيوي ولا الجنوب الأفريقي واللاتيني، وكان استثنائه الوحيد هو الكيان الصهيوني، بقرة ترمب المقدسة التي تحلبه ولا يحلبها. أما العرب فإنه كهتلر يعتبرهم من مرتبة أدنى من البشر. وبعد تدشين ولايته الثانية أشارت استطلاعات غربية كثيرة الى أن ترمب اصبح مكروها في أوروبا، ولو استُطلعت شعوب العالم الثالث عليه لوصفته بأنه "أُسّ الخبائث".

ثالثا: ما على العرب عمله؟

1- في البدء، لا بد من تقييم واقع أميركا السياسي والاقتصادي والاجتماعي اليوم والتصرف على أساسه، فأميركا اليوم لم تعد كما كانت قبل عقود، تلك القوة المرغوبة المرهوبة التي تملك كل عناصر القوة والبطش والتقدم التكنولوجي، فالولايات المتحدة ترزح اليوم تحت ثقل ديون داخلية وخارجية تزيد على 35 ترليون دولار، وتتراجع قدرتها على المنافسة الحرة في الإنتاج والصناعة والتجارة، وتحاول تعويض ذلك من خلال فرض الإجراءات الحمائية واجبار الآخرين، برهبة القوة الأميركية، على شراء منتجاتها. كما فقدت أميركا قدرتها على قيادة المعسكر الغربي نفسه، هذا إضافة الى المشاكل الداخلية الكثيرة التي تفاقمها سياسات ترمب الداخلية، بدءًا بحملة طرد ملايين المهاجرين الذين لعبوا دورًا كبيراً في الاقتصاد الأميركي كعمالة متفانية ورخيصة، مرورًا بالتضخم الذي سيتصاعد نتيجة فرض الضرائب على البضائع الأجنبية، فالذي يدفع الضرائب هم المواطنون الأميركان وليس الشركات الأجنبية، هذا إضافة الى أن "حكم الأثرياء" الذين اعتمده ترمب في ادارته، أو ما يسمى "الأوليغاركية" فاقم الفروق الطبقية في المجتمع الأميركي، وما ينتح عنها من مخاطر تهدد النسيج الاجتماعي هناك بمزيد من التمزق، بضمن ذلك انتهاك حقوق السود واللاتين والمسلمين، ومعاداة الصحافة والإعلام، ونزعة الانتقام من الديمقراطيين.

2- بناءً عليه، على العرب التصدي لتنمر وابتزاز ترمب بقوة الإرادة والوحدة، وأن يتصرفوا معه بثقة عالية بالنفس والقدرات، ويوضحوا له كمية الضرر الذي سيصيب المصالح الأميركية والنفوذ الأميركي في الوطن العربي إذا واصل استغفال هذه الأمة والاستهانة بحقوقها.

3- مطلوب المزيد من تحشيد المجتمع الدولي ومؤسساته لرفض خطط تهجير الفلسطينيين والدفع باتجاه حل الدولتين سيما وأن (147) دولة اعترفت بدولة فلسطين دولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وإن جميع دول العالم، عدا الكيان الصهيوني وأميركا ترمب، تدعم حل الدولتين.

4- في قضية التهجير مطلوب أن نردّ له الصاع صاعين، ولا نكتفي برد دبلوماسي، أو بتغيير الموضوع، كما فعل وزير خارجية الأردن الذي اكتفى بالقول نحن مستعدون لاستقبال الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم ضمن صفقة التبادل الأخيرة، وأن نقول لترمب: اذا اردت نقل السكان من عزة لإعمارها ثم عودتهم اليها، كما تزعم، فاطلب من الكيان الصهيوني ان يستضيف سكان غزة في أراضي 1948، وبذلك يبقي الغزيون في وطنهم أثناء إعادة الاعمار، خاصة وأن أغلب سكان غزة هم من لاجئي المناطق المحتلة سنة 1948 ولهم مساكن وذكريات فيها.

 

حديث ترمب عن التدمير الواسع في غزة، وأنها أصبحت غير قابلة للعيش، إقرار منه بجرائم الإبادة الصهيونية ضد غزة، وهو دليل إضافي على حق شعب فلسطين في التعويضات.

 

5- علينا أن نقول لترمب وإدارته: إن حديثه عن التدمير الواسع في غزة، وانها أصبحت غير قابلة للعيش، هو إقرار منه بجرائم الإبادة الصهيونية ضد غزة، وهو دليل إضافي على حق شعب فلسطين في التعويضات، وهو حقٌّ أقرّه القانون الدولي، وأكدته قرارات دولية كثيرة آخرها رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري في 19 تموز/يوليو 2024، الذي أكد "أن (إسرائيل) ملزمة بتقديم التعويضات عن أفعالها غير المشروعة" كما أكد الرأي الاستشاري "أن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره هو حق غير قابل للتصرف ولا يمكن أن يخضع لشروط".

كما يجب ألّا نكتفي بطلب التعويضات، بل علينا السعي لتوفير الوسائل لتحقيقها من خلال المؤسسات الدولية المعنية.

نتمنى على الشعب الأميركي أن يقول اليوم لترمب: إنك تُلبسنا الوهم وتجعلنا عراة أمام شعوب الأرض، قبل يستفحل الوهم ويقود العالم إلى كوارث هو في غنى عنها.

رابعا: ملاحظتان ختاميتان

1- نحن العرب أكثر الشعوب معاناة من سياسات الولايات المتحدة، لكننا أمة متحضرة تلتزم بقيم السماء وقوانين الأرض، ليس من شيمتها الانتقام أو التشفي بالآخرين، ولا نريد لأميركا غير ان تصلح سياساتها وتلتزم بالقيم المشتركة للمجتمع الدولي وتتحرر من وهم الهيمنة والاستعلاء.

2- قال ترمب في خطبته يوم التنصيب إن الله أنقذه من الاغتيال لكي يكمل رسالته ويعيد مجد أميركا، وهلّل جميع الحضور بانتشاء لهذا (الإلهام الرباني)! وهذا يذكرنا بقصة للكاتب الدنماركي هانس أندرسن، الذي تعاني دولته الآن من نوايا ترمب فصل غرينلاند عنها.

القصة عن نسّاج دجال أقنع ملكًا بأن يصنع له بدلة لا يراها إلا الأذكياء. ووافق الملك وبدأ النساج يصنع البدلة الوهمية، وكلما مرّ عليه الملك ووزراؤه لا يجدوا شيئًا ينسجه لكنهم يبدون إعجابهم بما ينسج حتى لا يتهموا بالغباء، وفي اليوم الموعود لبس الملك البدلة الوهمية وخرج أمام رعيته. لم يتجرأ أحد على القول أنه لا يرى أي ملابس على الملك، باستثناء طفل صرخ "الملك لا يرتدي أي ملابس على الإطلاق".

نتمنى على الشعب الأميركي أن يقول اليوم لترمب: إنك تُلبسنا الوهم وتجعلنا عراة أمام شعوب الأرض، قبل يستفحل الوهم ويقود العالم إلى كوارث هو في غنى عنها.

والله المستعان

 

 

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram