ووفقًا للبيان الرئاسي السوري، يتضمّن الاتفاق بنودًا تهدف إلى ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وجميع مؤسسات الدولة بناءً على الكفاءة بغضِّ النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية، وتنصّ على أن المجتمع الكردي مجتمعٌ أصيلٌ في الدولة السورية، وأن الدولة السورية تضمن حقّه في المواطنة وفي كل حقوقه الدستورية.
كما يتضمّن الاتفاق بندًا ينصّ على دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز، وينصُّ بشكلٍ قاطعٍ على رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بثّ الفتنة بين مكونات المجتمع السوري.

ومن بين النقاط المهمة التي تضمّنها الاتفاق وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية، ودعم الدولة في مكافحة عناصر عصابات النظام الأسدي وكل ما يهدّد أمنها ووحدتها، وضمان عودة المهجّرين، وتأمين حمايتهم من قبل الدولة.
ووضع الاتفاق سقفًا زمنيًا لتطبيق بنوده بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.
والحق أن هذا الاتفاق يتضمّن الكثير من النواحي الايجابية العميقة التي تُطمئن أبناء الشعب السوري، وتعزّز الوحدة الوطنية بينهم، وتعمل على تحقيق الاستقرار في البلاد في ظلّ الظروف العصيبة الحالية.
ويمكن القول إن هذا الاتفاق يعني بداية صفحةٍ جديدةٍ في التاريخ السوري المعاصر، صفحةٍ تضمن حقوق جميع أبنائها، وتلغي الفوارق الاجتماعية والسياسية التي كان النظام الأسدي زرعها بمثابة قنابل موقوتةٍ للفتنة بينهم، صفحةٍ لا تميّز بين المواطنين على وفق أي اعتبارٍ، ولا تعتمد معيارًا في النظر إليهم غير المواطنة.
الاتفاق صفحةٌ جديدةٌ في التاريخ السوري المعاصر، تضمن حقوق أبنائها، وتلغي الفوارق التي كان النظام الأسدي زرعها بمثابة قنابل موقوتةٍ للفتنة بينهم، ولا تميّز بين المواطنين.
كما يمثّل جوهر الاتفاق نصرًا استراتيجيًا تاريخيًا لسوريا الدولة ولقيادتها ولشعبها. وحصوله الآن، وبالذات بعد تمرّد العصابات النصيرية المساندة للسفاح الفار، يعدّ "ضربة معلم" بامتياز، وهو ضربةٌ قاصمةٌ لأحلام نظام ولاية الفقيه الإرهابي في إيران، وأوهام أتباعه وذيوله في العراق ولبنان وغيرهما.
ومن بين أهم النقاط التي تلفت النظر في هذا الاتفاق ما يأتي:
- أكد الاتفاق على التعامل مع عناصر "قسد" بصفتهم مواطنين سوريين يندمجون في أجهزة الدولة الوطنية السورية، رافضًا اعتبارهم كيانًا مسلحًا يندمج بهذه الصفة في أجهزة الدولة مع الحفاظ على هذا الكيان. كما رفض التعامل مع عناصر "قسد" باعتبارهم مجموعة عرقية بعينها يُراد ضمّها بهذه الصفة العرقية في أجهزة الدولة. والحقُّ أن الفرق بين الحالتين دقيقٌ جدًا، وربما لا يراه بعض الناس، لكنه مهمٌ للغاية، فالفرق هائلٌ وجوهريٌ بين أن تتعامل الدولة مع مجموعةٍ مسلّحةٍ من مواطنيها على أنهم "مواطنين يحقّ لهم العمل في مؤسسات الدولة" وهو السياق الطبيعي في كل الدول والمجتمعات، وبين أن تتعامل مع هذه المجموعة المسلّحة على أنها "كيانٌ مسلحٌ ذو هوية عرقية يُدمج في أجهزة الدولة لكنه في نفس الوقت يبقى محافظًا على كينونته" على غرار ما هو حاصلٌ في العراق الآن، وهذا أمرٌ شاذٌ لا تسمح به قواعد المواطنة السليمة ولا معايير بناء الدول. وبإصراره على تأكيد هذا الفارق يعبّر الشرع أفضل تعبيرٍ عن المنهج الوطني السليم في التعامل مع قضيةٍ شائكةٍ ملتبسةٍ مثل التي يتعامل معها هذا الاتفاق.
- لم يتعامل الاتفاق مع قائد ميليشيات "قسد" باعتباره يمثّل المواطنين الأكراد في سوريا والمجتمع الكردي كله، وانما بوصفه زعيم مجموعةٍ مسلحةٍ لا أكثر، حتى أن اسمه في ديباجة الاتفاق ورد مجرّدًا من أي صفةٍ على الإطلاق.
- أوجب الاتفاق على هذه المجموعة المسلحة "قسد" الاعتراف بالدولة السورية الواحدة، وقطع دابر كل المحاولات الانفصالية التي كانت تعشش في أذهان زعاماتها، وروّجت لها طيلة السنوات الأربعة عشرة الماضية.
- أسقط الاتفاق ضمنيًا أوهام الاستقواء الخبيث بجهاتٍ أجنبيةٍ، وهو ما يعزّز أمن واستقرار سوريا وكل جوارها العربي والتركي معا.
- جعلَ الاتفاق الدولة الوطنية السورية الواحدة هي المرجعية الوحيدة التي يعود إليها جميع السوريين، بصرف النظر عن هوياتهم الفرعية، وذلك باعتبارهم مواطنين لا غير مؤكدًا إعلاء قيم المواطنة على ما سواها.
- أكد الاتفاق ضمنيًا أن البندقية الشرعية الوحيدة على امتداد أراضي الجمهورية العربية السورية هي بندقية الدولة الوطنية السورية، وأن القوات المسلحة السورية هي المخوّل الوحيد بحيازة واستخدام هذه البندقية، وأن الهيكل الإداري الشرعي الوحيد الذي يبسط سلطته في كل تلك الأراضي، وعلى كل ما يوجد فوق تلك الأراضي وفي باطنها، هو الهيكل الرسمي للدولة الوطنية السورية، ولا شيء غير ذلك.
- ثبّت الاتفاق ضمنيًا الحدود الوطنية لأراضي الجمهورية العربية السورية، وأنه لا وجود لما كانت ميليشيات "قسد" تُطلق عليه اسم "روج آفا" أو "كردستان الغربية".
- أكّد الاتفاق ضمنيًا التسمية الرسمية للدولة السورية الواحدة باعتبارها "الجمهورية العربية السورية".
- جرى الاجتماع وعقد الاتفاق في عاصمة الدولة الوطنية السورية الواحدة، وفي القصر الرئاسي السوري الذي يمثّل مركز السيادة للدولة السورية الواحدة وشعبها الواحد، وتحت علم الدولة الوطنية السورية الواحدة، ولم يجرِ ذلك في قريةٍ نائيةٍ من قرى شمال شرق سوريا التي كانت تتواجد فيها ميليشيات عبدي، وهذا له معانٍ وطنيةٌ عميقةٌ لا يجوز إغفالها.
- بكثيرٍ من الثقة المقترنة بالتفاؤل والنظرة الإيجابية يمكن القول إن هذا الاتفاق بعد تنفيذه على وفق ما هو مؤمّلٌ فإنه لا يُحبِط المخطط الصهيوني/ الفارسي ضد سوريا فحسب وانما يُحبِط كذلك مساعي انفصاليين عنصريين في شمال العراق يروّجون لوهم "دولة كردستان الكبرى" التي لا تقوم إلا باقتطاعِ مساحاتٍ شاسعةٍ للغاية من الأراضي الوطنية لجمهوريات العراق وسوريا وتركيا، فيما يصرف هؤلاء الانفصاليون العنصريون النظر كليًّا عن المناطق التي تعيش فيها غالبية كردية في إيران وهم قرابة 13 مليون إنسان يعانون أسوأ الظروف الحياتية على جميع الصُعُد، وذلك لارتباط هؤلاء العنصريين الانفصاليين مع إيران، ومع غيرها، باتفاقياتٍ مصممّةٍ لتخريب هذه الدول الثلاث حصرًا، وعدم المساس بجارة السوء بأي شكلٍ من الأشكال، بل والعمل على حمايتها.
- يُعزّز هذا الاتفاق من قدرة أجهزة الدولة الوطنية السورية الواحدة على بسط الأمن والاستقرار ومن حريتها في الحركة في جميع أنحاء البلاد.
- يوفّر هذا الاتفاق على السوريين وعلى الأتراك دماءً عزيزةً بريئةً كانت ستُراقُ في حال اضطرّت أنقرة إلى اللجوء إلى الخيار العسكري لحسم ملف ميليشيات "قسد" الذي طال انتظارها لحسمه باعتباره يمثل تهديدًا للأمن الوطني التركي كون هذه الميليشيات حسب الموقف الرسمي لأنقرة حاضنة لجهات انفصالية إرهابية في الداخل التركي.
- يضيّق هذا الاتفاق الخناق على إرهابيي حزب العمال الكردستاني التركي المنزوين في منطقة سنجار بشمال غرب العراق، وفي كهوف جبل "قنديل" بشمال شرقه الذين ما يزالون مصرّين على اعتماد الخيار الإرهابي حتى مع صدور الإعلان الأخير لزعيمهم عبدالله أوجلان ودعوته لحل التنظيم وإلقاء السلاح.
- يقطع هذا الاتفاق دابر التواصل بين مجموعاتٍ طائفيةٍ نصيرية ودرزية في غرب وجنوب سوريا مع ميليشيات "قسد" من جهة، وتواصل كل هذه الأطراف مع قيادات وعناصر عصابات السفاح الفار المقيمين في العراق ولبنان وروسيا من جهة ثانية.
- يعزّز هذا الاتفاق من صورة سوريا الجديدة، ويمنح أبناءها ومناصريها في الداخل والخارج المزيد من القوة والإرادة والثقة بمستقبلٍ أفضل لسوريا ولمواطنيها.
- يفتح هذا الاتفاق باب خيرٍ اقتصاديًا كبيرًا لسوريا هي بأمسِّ الحاجة إليه الآن، حيث كانت "قسد" تسيطر على قرابة خُمس مساحة سوريا، وعلى كل حقول النفط والغاز في البلاد.
- يضبط هذا الاتفاق الحدود والمعابر الغربية لسوريا، ويمنع التواصل بين عناصر عصابات الحشد الشعبي الإرهابية الحاكمة في العراق وامتدادها في إيران، وعناصر التخريب في الداخل السوري.
- بعد المشاهد الكئيبة الواردة من منطقة الساحل السوري في اليومين الماضيين جراء المحاولة الانفصالية الانقلابية الطائفية التي نفّذها مجرمو النظام الأسدي هناك، انطلقت مشاهد الفرح في عموم المدن والقرى السورية ابتهاجًا بهذا الاتفاق، وهنا علينا تصوّر حجم الانقلاب الايجابي في المشهد الشعبي السوري الذي حقّقه الرئيس الشرع بانتصار الثورة السورية، كما علينا تخيّل حجم التأثير المأساوي والحزن العميق الذي ضرب دهاقنة الشر في قم وطهران والنجف وكربلاء وبغداد وقنديل والضاحية الجنوبية جراء ما حصل.
لا يُحبِط هذا الاتفاق المخطط الصهيوني/ الفارسي ضد سوريا فحسب وانما يُحبِط كذلك مساعي انفصاليين عنصريين في شمال العراق.
ختامًا
بعد أن عرضنا الجوانب الإيجابية في هذا الاتفاق لا بأس من الإشارة إلى خللٍ بروتوكوليٍ وقعت في الجهات الرسمية السورية بقدر تعلّق الأمر بهذا الاتفاق، وهو توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع شخصيًا على ورقة الاتفاق، لأن مظلوم عبدي مواطن سوري ولا يجوز لرئيس الجمهورية العربية السورية أو أيٍّ من وزرائهِ توقيع اتفاقٍ معه، فالحكومات بحسب القانون الدولي لا توقّع اتفاقياتٍ مع مواطنيها.

وكان يمكن لرئاسة الجمهورية أن تكتفي بالإعلان في بيانٍ رسميٍ عن التوصل إلى هذا الاتفاق بعد اجتماع الشرع بعبدي.
ويبدو أن الجهات المعنية في دمشق أرادت أن تُعطي لهذا الاتفاق مزيدًا من القوة، وأن تبعث في نفوس الشعب مزيدًا من التفاؤل خصوصًا في هذه الظروف العصيبة فوقعت في هذا الخلل.