

ويختلف الناس في هذا الخصوص حول ثلاثة قضايا أساسية:
ولهذا الموضوع جوانب عدة، شرعيةٌ تتعلق بالمذاهب الإسلامية الرئيسة الأربعة وغيرها، وعلميةٌ (فلكيةٌ وجغرافيةٌ)، وغير ذلك أيضًا، سياسيةٌ تحديدًا، ولأن موضوعي ليس شرعيًا بحتًا وليس علميًا متخصّصًا بدقة ولأنه موجّه إلى القارئ العام فسأستخدم فيه لغة مبسّطة يفهمها الجميع ولن أتبحّر في خلافاتٍ مذهبية ولا في نظرياتٍ علمية، لكنه مع كونه مبسّطٌ فإنه لن يخلَّ بالضوابط الشرعية والعلمية.
لموضوع مطالع الأهلة جوانب عدة، شرعيةٌ تتعلق بالمذاهب الإسلامية الرئيسة الأربعة وغيرها، وعلميةٌ (فلكيةٌ وجغرافيةٌ)، وغير ذلك أيضًا، سياسيةٌ تحديدا.
نعرف جيدًا أن للأحكام الشرعية مقاصدها، وأن النصوص لا تؤخذ بظاهر كلماتها فقط، وعلى هذا الأساس فالمؤكد أن رؤية الهلال الواردة في قوله ﷺ "صوموا لرؤيته (أي الهلال) وأفطروا لرؤيته" ليست هدفًا بحدّ ذاتها، وانما هي وسيلةٌ للدلالة على ثبوت دخول الشهر القمري أو انقضاء أيامه، والمؤكد أن قول الرسول الكريم ﷺ يقتضي هذا الأمر، أعني يقصد التأكد من دخول الشهر أو انقضاء أيامه وليس مجرّد الرؤية، ولأن الأجهزة البصرية المقرّبة لا تولّد هلالًا وهو في المحاق لكنها توضّح الرؤية وتقرّبها، فإن الترائي بهذه الأجهزة جائزٌ، ويثبت به حلول الشهر أو عدم حلوله من الناحية العلمية المنطقية، والدين لا يتعارض مع العلم والمنطق السليم الذي أودعه الله تعالى عند الإنسان بل ينسجم معه، لأن الهلال في هذه الحالة موجود والأجهزة تساعد على رؤيته فقط ولا تولّده، تمامًا كما تفعل النظارات المخصّصة للقراءة، فهل يجوز لنا أن نتجادل حول ما إذا كانت قراءة القرآن الكريم بالنظارات المخصّصة للقراءة جائزةٌ شرعًا أم لا؟!
وأظن أننا إذا سلّمنا بأن "الأجهزة البصرية المقرّبة لا تولّد هلالًا وهو في المحاق لكنها توضّح الرؤية وتقرّبها" وهي كذلك بالفعل، فإننا نحسم قضية الترائي بالأجهزة المقرّبة التي لم تكن موجودة في عهد الرسول الكريم ﷺ ولو وُجدت في عهده لكان أباح استخدامها والله أعلم قياسًا على أنه ﷺ اعتمد الأجهزة العلمية المحدودة التي كانت متاحةً حينها، مثل المزولة أو الساعة الشمسية، في بيان مواقيت الصلاة، أو حساب اتجاهات النجوم وظلِّ الشمس وموقعِ القمر وغير ذلك من العوامل في تحديد اتجاه القبلة، وفي مسافة قصر الصلوات الرباعية وجمع الصلوات وغير ذلك.
أما قضية الحسابات الفلكية فإننا في صلواتنا اليومية وفي تحديد ساعة بدء الصيام وساعة انتهائه نعتمد على الحسابات الفلكية وليس على رؤية عينية لتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود عند الإمساك، أو النظر إلى ظلِّ الشمس وحسابه عند الزوال أو عند دخول وقت صلاة العصر، أو رؤية الشمس تغيب عند حافة الأفق في صلاة المغرب، وكذا في حساب وقت صلاة العشاء، فلماذا نقبل الحسابات الفلكية في هذه القضايا وهي يومية، ولا نقبل الحسابات الفلكية في تحديد مطالع الأشهر وخواتيمها؟!
لا بل إننا نفعل أكثر من ذلك حين نقبل، أو على الأقل نتغاضى عن، حساب مطالع الأشهر القمرية وخواتيمها فلكيًا في سائر الشهور الإثنتى عشرة ونرفضه في شهور رمضان وشوال وذي الحجة بدءًا وانقضاءً، مع أن الخطأ في تحديد مطلع شهرٍ واحدٍ يؤدي إلى خطأ في كل الشهور اللاحقة؟!
ولعل ما اتّضح من دقة الحسابات الفلكية على مدى عقود يجعلنا نستأنس، وربما يطمئن بعضنا تمامًا، لقضية اعتماد الحسابات الفلكية في هذا الخصوص، مع الأخذ بنظر الاعتبار الاعتماد على حساباتٍ موثوقةٍ والتأكّد من هذا بعنايةٍ وحرص، وهو أمرٌ بات ممكنًا في ظل تطور التقنيات الحديثة للحساب والرصد والترائي، ومرة أخرى أؤكد أن هذه التقنيات في الحسابات لا تولّد هلالًا من العدم وانما تحسب ولادته فقط.
للأحكام الشرعية مقاصدها، حيث لا تؤخذ النصوص بظاهر كلماتها فقط، والمؤكد أن رؤية الهلال الواردة في قوله ﷺ "صوموا لرؤيته (أي الهلال) وأفطروا لرؤيته" ليست هدفًا بحدّ ذاتها، وانما هي وسيلة للدلالة على ثبوت دخول الشهر القمري أو انقضاء أيامه.
وبخصوص الرؤية بالعين المجرّدة أو بالأجهزة المقرّبة فقد ثبت شرعًا أن الهلال يثبت بشاهدٍ واحدٍ في دخول رمضان وبقية الأشهر، على أن يكون شاهد عدلٍ عند جمهور أهل العلم؛ لِما ثبت عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال "تراءى الناس الهلال فأخبرتُ النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بالصيام، ولِما ثبت عن الرسول ﷺ أن أعرابيًا شهد عنده بأنه رأى الهلال، فقال ﷺ "أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله" قال "نعم"، فأمر ﷺ المسلمين بالصيام، علمًا أن هذا الإعرابي ليس من عدول الصحابة، وإنما من عامة المسلمين لكن رسول الله ﷺ استوثق منه وعدّله، جعله شاهدًا عدلًا، بالشهادتين فقط.
مع ملاحظة أن الهلال إذا رآه شاهدٌ عدلٌ في دخول شهر رمضان وجب الصيام به، أما الخروج من شهر رمضان فلابد من شاهدين عدلين، وهكذا بقية الشهور لا تثبت إلا بشهادة عدلين اثنين؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ أنه قال "فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا" وثبت عن الحارث بن حاطب رضي الله عنه أنه قال "عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسَك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ نَسَكنا بشهادتهما" وهذا يعني أن الرؤية يمكن أن تكون لكل فردٍ بذاته، وهذا غير ممكنٍ الآن، أو واحدةً للجماعة المسلمة، مع أنني أثبّت إشكالًا منطقيًا هنا وهو أن الخروج من شهرٍ ما يعني بالضرورة في نفس الوقت الدخول في شهرٍ آخر، فكيف يثبت الدخول بشهادة واحدٍ من العدول بينما يلزم الخروج شهادة اثنين؟! وهذا ينبغي على أهل العلم الشرعي البحث فيه والإجابة عليه.
وقد يقول قائلٌ "إن الرؤية المشار إليها في حديث الحارث بن حاطب رضي الله عنه تتعلق بمجموعةٍ بشريةٍ مسلمةٍ بعينها في بقعةٍ جغرافيةٍ محددّةٍ" ونقول "إن التوسّع في أجهزة الرصد الفلكي والتقريب البصري وفي وسائل الاتصال ذوّبت كثيرًا من المحدّدات في هذا الصدد".
أجهزة التقريب البصري "التلسكوبات" لا توّلد هلالًا من المُحاق، بل تقرّب الصورة وتوضّحها، والحسابات الفلكية تُثبِت ولادة الهلال استنادًا لحقائق علمية يعتمدها المسلمون في قضايا أخرى.
هنا ثمة قضيتان مهمتان تتعلّقان بمسألة ثبوت رؤية الهلال في بلدٍ ما وعدم ثبوته في بلدٍ آخر، أو ما يسمى "اختلاف المطالع أو وحدتها"، وهذه قضية للفقهاء المسلمين آراء فيها، فعلى سبيل المثال يعتمد الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان مبدأ "وحدة المطالع" ويعتمد الإمام الشافعي مبدأ "اختلاف المطالع" ويقينًا لا أضع نفسي في موضع من يناقش أيّ الرأيين أصوب، فهذا ليس مجال بحثي، وعلمي يقصُر عن هذا، لكنني أعرض القضية كما أفهمها، وألتمس من أهل العلوم الفلكية والشرعية والجغرافية مناقشة ما أعرضهُ وبيان صوابه أو خطئه.
ولعرض القضية كما أفهمها أقول:
أولًا: معلومٌ أن كل دولنا العربية والإسلامية بأشكال خرائطها الحالية تأسّست في حدود الـ 100 سنة الأخيرة أو أقل أو أكثر، وأن الحدود السياسية القائمة الآن لم تكن موجودة بين هذه البقاع الجغرافية قبل ذلك، ومع أننا نناقش مسألةً شرعيةً لكنها في وقتٍ واحدٍ ذات أبعادٍ مختلفة، شرعية وعلمية (فلكية وجغرافية) فهل أن رؤية الهلال تخضع للحدود السياسية القائمة حاليًا والتي لم تكن موجودة قبل 100 سنة؟! أم تخضع لما هو حاصل في السماء فعلًا؟!
بعبارةٍ أخرى: هل إن الحدود التي ثبّتها المستعمرون، البريطاني والفرنسي والإيطالي، على الرمال في المشرق العربي وفي المغرب العربي وفي أغلب الدول الإسلامية الأخرى، تجعل من رؤية الهلال ممكنةً في منطقة العبدلي في الكويت، وغير ممكنةٍ في منطقة صفوان العراقية وهما على مقربة مئاتٍ معدودة من الأمتار؟!
وهل من المنطقي والعقلاني والشرعي أن الرؤية في مدينة زاخو بأقصى شمال العراق مُلزِمةٌ لابن البصرة في أقصى جنوبه الذي يبعد عن الرائي مسافة 1100 كيلومتر، بينما الرؤية في العبدلي الكويتية غير مٌلزِمة لابن صفوان العراقية وبينهما بضع مئاتٍ من الأمتار بدعوى أن ولي الأمر في الحالة الأولى واحد لأنهما في بلدٍ واحد، وفي الثانية مختلفٌ كونهما في بلدين مختلفين؟!
وهل أن هذه الحدود السياسية تجعل رؤية الهلال ممكنةً من الناحية العلمية في فلسطين الواقعة غرب نهر الأردن وغير ممكنةٍ في المملكة الأردنية الهاشمية الواقعة شرق النهر، والبلدان ضفتا نهرٍ واحد؟!
ومثل ذلك يُقال في دولٍ أوروبيةٍ تنقسم فيها بعض المدن أو القرى بين دولتين، حيث رسمت حدود كل تلك الدول بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين شهدهما القرن العشرين.
ثانيًا: وقد يقول بعض الفقهاء إن الأمر يتعلّق بما يقرّره ولي الأمر في بلدٍ ما، وولاة الأمر في حالة العرب والمسلمين الآن مختلفون أو على الأقل متعدّدون، حيث لا دولةٌ إسلاميةٌ واحدةٌ. وأسأل:
فإن قيل "لا، لا يمتنعون لأن ولي الأمر خالفَ حقيقةً علميةً ثابتةً وهي أن عدد أيام الأشهر القمرية يكون 29 يومًا أو 30 ولا يمكن أن يتعدّى ذلك" فنقول "لماذا نعتبر قرار ولي الأمر في هذه الحالة مخالفٌ لحقيقةٍ علميةٍ ثابتةٍ في حين أننا كنا نخضع لقرار ولي الأمر نفسه وهو يفرض علينا رؤيته المخالفة للحقائق العلمية بوجود هلالٍ واحدٍ في وقتٍ سابق؟!
قبل الختام
نأتي إلى ما حدث في العراق هذه السنة.
فقد قرر القائمون على شؤون الإفتاء للعرب السنة في العراق (الوقف السني) هذا العام 1446 هجرية إتمام صيام شهر رمضان المبارك 30 يومًا لعدم ثبوت رؤية هلال شهر شوال، مع أن هيئة علماء المسلمين في العراق، وهي جهة أطمئن لها تمامًا ويطمئن لها كثيرون، أعلنت ثبوت رؤية الهلال وباركت للمسلمين حلول عيد الفطر المبارك يوم الأحد 30 آذار/ مارس 2025، كما قرّرت دائرة الإفتاء في إقليم كردستان بشمال العراق ثبوت الرؤية، وأعلنت أن يوم الأحد هو أول أيام عيد الفطر.
وقد أحدث هذا الأمر فتنةً كبيرةً بين المسلمين في العراق، فهناك من أتمَّ الشهر وصام 30 يومًا، اعتمادًا على قرارٍ من ديوان الوقف السني، الذي قال المجمع الفقهي في العراق إن قراره اعتمد مبدأ "اختلاف المطالع" الذي يقول به الشوافع، وهناك من أفطر مع جيران العراق اعتمادًا على مبدأ "وحدة المطالع" الذي يقول به الأحناف، والعرب السنة في العراق أحنافٌ في الغالب فيما الكرد شوافع.
يقول بعض الفقهاء إن تحديد مواعيد الصيام والعيد يتعلّق بما يقرّره ولي الأمر في بلدٍ ما، وولاة الأمر في حالة العرب والمسلمين الآن مختلفون أو على الأقل متعدّدون، حيث لا دولةٌ إسلاميةٌ واحدةٌ.
وهنا أسأل:
الجواب على هذه الأسئلة يتلخّص في قولنا: إن تحديد موعد حلول عيد الفطر المبارك، هذه السنة لا يعدو أن يكون خضع لاعتباراتٍ سياسية أو لإملاءاتٍ سياسية كما يتردّد، ولا أجزم بحدوث الإملاءات لكنني أرجّح حدوث الاعتبارات وربما أرجّح حدوث الإملاءات كذلك لأن ديوان الوقف السني مؤسسة حكومية تابعة للسلطة في كل الأحوال، وكذا المجمع الفقهي، وأنا أثبّت هنا حقيقة يعرفها الجميع ولا أطعن بنزاهة أحد، فالديوان والمجمع مؤسستان تابعتان للسلطة القائمة في العراق حاليًا، وليستا مستقلتين على الإطلاق، ومعروفة توجّهات السلطة القائمة ومعروفةٌ تبعيتها الدينية الطائفية، والسياسية الذيلية.
وإن قيل إن "ديوان الوقف السني هو ولي أمر العرب المسلمين في العراق من الناحية الفقهية" فهذا كلامٌ غير صحيح من الناحية المنطقية والواقعية، لأن الوقف مؤسسة إدارية لإدارة واستثمار أموال الأوقاف وليس جهة فتوى، كما أن لأتباع المذهب الجعفري ديوان وقفٍ شيعي يُدير أوقافهم الجعفرية ولهم مرجعية فقهيةٌ تُفتي لهم.
وحتى في إطار هذا القول، على مخالفتهِ للواقع وعدم منطقيته، وجبَ لنا في هذه الحالة أن نسأل: هل يُعقل أن يكون الموظّف الذي لا ينصّب في موقعه الوظيفي إلا برضا نظام ولاية الفقيه في إيران، وإذا غضب ذلك النظام عنه يُعزّل، هو ولي أمر المسلمين، وهو من يرجع إليه الناس في شؤون دينهم؟!
ختاما
يقينًا إن حسم قضية مطالع الأهلّة، وهي قضية شائكة بحق، أمرٌ ضروري، فهذا الأمر الذي يُعاني منه المسلمون كل عامٍ ويُثير بينهم فتنًا وخلافاتٍ وانقساماتٍ في مواسم الصيام والأعياد والحج، بدل أن تكون هذه المناسبات عامل وحدة وبهجة وألفة، أمرٌ واجبٌ وملحٌّ ولا يكون إلا بـ:
متوقعٌ أننا سنجد دولًا تشذُ عن الإجماع لاعتباراتٍ سياسيةٍ ما، مناكفاتٍ بين الحكّام مثلًا أو غيرها، وأعتقد أن على من يتحرّى الصواب من أهلِ هذه الدول أن يتّبع ما أجمعَ عليه المسلمون ولا ينظر إلى مناكفاتِ الحكام وكيدِ بعضهم لبعض، أو غير ذلك من العوامل السياسية التي تُفرّقُ بين المسلمين ولا تجمعُهم، وتزرعُ بينهم الخلافات والفتن ولا تُطمئنُ قلوبهم أو تُشيعُ البهجة والحبور في مجتمعاتهم، ولا تحقّق رضا الله عزَّ وجلَّ عنهم.
والله الموفق والمستعان