

وأكدت الهيئة في بيان صادر عنها اليوم الخميس أن ما جرى في موضوع عيد الفطر المبارك هذا العام من جدل وفوضى في التصريحات وإطلاق الأحكام غير المنضبطة في معالجة النصوص الشرعية والمتبنيات الفقهية؛ هو بسبب التدخل السياسي في الموضوع؛ سواء من جانب حكومة الاحتلال التاسعة أو من جانب أطراف سياسية أخرى.
وذكرت الهيئة أن الإعلان الشرعي عن موعد عيد الفطر المبارك كشف عن خطورة الخلافات والصراعات السياسية وتأثيرها الضار على الموقف الديني في العراق، ومحاولة استقطاب الآراء الدينية لصالح الأحزاب والشخصيات السياسية ومواقفها المتناقضة، وهو ما ظهر جليًا خلال الأيام الماضية.
وفيما يلي نص البيان:
بيان
بشأن إعلان عيد الفطر المبارك في العراق
وما صاحبه من جدل واختلاف آراء
{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة: 185].
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإنّنا في (قسم الفتوى) في هيئة علماء المسلمين في العراق؛ نجّدد مباركتنا للشعب العراقي الكريم، وسائر شعوب المسلمين؛ بمناسبة عيد الفطر المبارك للعام (1446هـ)، ونسأل الله تعالى أن يكون خيرًا وبركة على الأمة كافة، وفي الوقت نفسه نعرب عن أسفنا لما شهده العراق في ليلة العيد ويوميه الأولين (30-31 /3 /2025م) من جدل وخلاف بشأن التفاوت في تحديد أوّل أيام العيد وإعلانه؛ مما يعكس في ظاهره مشكلة يرصدها الناس ويتعاطون معها، على الرغم من أنها في أصلها تدل على خيرٍ وفضلٍ من الله -تعالى- يلمسه أهل النهى، ويدركه أولو الألباب؛ لما فيها من كشف لحقائق، وتأصيل لمواقف، وبيان لمقاصد.
وفي ضوء ما تقدم، نودُّ في القسم؛ أن نبيّن لأبناء العراق والأمّة جميعًا، جملة من الأمور ذات الصلة بهذه الأحداث، فيما يأتي:
أولًا: إن ما حصل هذا العام من اختلاف في تحديد موعد العيد؛ مرّده إلى اختلال الموقف لدى مؤسسة الوقف -بغض النظر عن حقيقة وظيفتها في تحديد أوقات العبادات وشعائر الله عز وجل، من عدمها- فقد سبق لهذه المؤسسة العام الماضي أن وقعت في الإشكال نفسه وترددت في إعلان موعد العيد، قبل أن تعود لتتخذ موقف الهيئة نفسه، وجرت الأمور على خير في ذلك الحين، وهي في هذا العام ترددت أيضًا وتأخرت؛ لكنها أعلنت موقفًا مغايرًا، -ويبدو أنها- لم تكلف نفسها التشاور مع إدارة الوقف في شمال العراق، التي سبقتها في إعلان موقفها، مع الحاجة لذلك.
والحقيقة التي يدركها الكثيرون في موضوع عيد الفطر المبارك هذا العام؛ أن ما جرى من جدل وفوضى في التصريحات وإطلاق الأحكام غير المنضبطة في معالجة النصوص الشرعية والمتبنيات الفقهية؛ هو بسبب التدخل السياسي في الموضوع؛ سواء من جانب (حكومة الاحتلال التاسعة) أو من جانب أطراف سياسية أخرى، والتطرف في الجدل، وإبعاد النجعة في التصورات لدى بعض الجهات والشخصيات؛ لا بسبب المتبنى الشرعي نفسه. وفي هذه الجزئية نود أن نعيد ذاكرة العراقيين إلى قضية ذات صلة بالموضوع؛ وهي: أن هيئة علماء المسلمين في العراق كانت في سنوات الاحتلال الأولى تتشاور مع مؤسسة الوقف عن طريق قنوات تواصل مخصوصة في هذا الشأن، ولكن إدارات الوقف المتلاحقة قطعت هذا التواصل؛ لأسباب عدة، ليس هذا موطن بيانها أو الحديث عنها.
ثانيًا: كشف الإعلان الشرعي عن موعد عيد الفطر المبارك؛ عن خطورة الخلافات والصراعات السياسية وتأثيرها الضار على الموقف الديني في العراق، ومحاولة استقطاب الآراء الدينية لصالح الأحزاب والشخصيات السياسية ومواقفها المتناقضة، وهو ما ظهر جليًا خلال الأيام الماضية.
ثالثًا: إن ما جرى ليس فيه إشكال كبير على أرض الواقع؛ حيث كانت الصورة واضحة لدى الناس، واتخذ كثير من العراقيين موقفهم وقرارهم، وأبانوا عن وعي جدير بالاحترام في هذا الشأن، وأثبتوا قدرتهم على التصدي لمحاولات الاستقطاب الديني والسياسي التي تمارس بحق العراقيين منذ سنوات طويلة؛ حيث انحصر تأثير ما جرى على مستوى الشخصيات المرتبطة بالمؤسسات الرسمية، ولم تؤثر هذه المشكلة المفتعلة على الحالة العامة لوحدة الصف؛ لأن الأصل في المشهد هو وحدة صف الشعب، وليس وحدة آراء القيادات السياسية أو الدينية المرتبطة بالعملية السياسية، أو القريبة منها، أو المتهادنة والمتخادمة معها بطريقة أو أخرى. مع الأخذ بنظر الاعتبار وجود جهات وشخصيات (تجتهد) لتحقيق مصالح ودفع مفاسد عامة، يرون أنه لا يمكن تحقيقها إلا بهذه الطريقة.
رابعًا: لم تكتفِ إدارة الوقف السنّي عند هذا الحد؛ بل جرى فرض أوامر من قبل مسؤولين في دائرة التفتيش في الديوان بغلق المساجد في بغداد بعد صلاة الفجر مباشرة صبيحة يوم الأحد (30 /3 /2025م)، وتهديد بعض الأئمة والخطباء، والموظفين من: مؤذنين أو عمال خدمة أو حرّاس؛ بالفصل في حال إقامة صلاة العيد، فضلًا عن التهديد باستعمال القوة لمنع إقامة الصلاة بشكل قسري. ولسنا نتحدث هنا عما يتم تناقله من شهادات مستفيضة بهذا الصدد -حذرًا من التسييس الذي شاب قسمًا منها لأغراض انتخابية- وإنما نكشف عن واقعة معلومة جرى فيها التهديد بالفصل والعزل من الخطبة والتهديد بالقوات الأمنية لمنع إقامة صلاة العيد، ولدينا الشهود العدول عليها ،وبصمات صوتية بألسنة موظفي الوقف.
خامسًا: نرى أن غلق المساجد في وجه المصلين، ومنعهم من أداء الصلاة فيها؛ فعل مستنكر وقرار مُدان، فهو يعدّ سابقة خطيرة في العراق حيث تستخدم السلطة الإدارية في منع الناس من حقهم في العبادة؛ فضلاً عن أنه من ألوان الظلم الذي حذّر الله -تعالى- منه وتوعّد مرتكبيه بالعقوبة بقوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظيم} [البقرة:114].
سادسًا: إن الحديث عن تأثيم من أفطر يوم الأحد (30 /3 /2025م)، أو التشكيك في رؤية الهلال في بعض البلاد أو آلياتها ووسائلها المعتمدة في الرؤية، وتحديد بدايات الأشهر القمرية؛ كلام غير مناسب وليس في محلّه مطلقًا، في بلد لا يمتلك أدنى مقومات ذلك، ولا يملك الاستقلالية في قراره السياسي، وها هو يفقدها في قراره الديني، فضلًا عن أن استغلال وسائل الإعلام الطائفية لهذا الحديث، وعدم ممانعة بعضهم -للأسف- في التعامل معها؛ أعطى انطباعات سلبية، وكشف عن تداعيات مؤسفة لا تصب في مصلحة العراق ولا في صالح حاضره ومستقبله.
سابعًا: إنّ ظاهرة انتقاء الآراء الفقهية تبعًا للمصالح السياسية، لها مخاطرها التي تشوّش على الناس أمور دينهم ودنياهم، فإذا كانت جهة ما قد اعتمدت في تحديد دخول شهر شوال على رأي فقهي مخالف للرأي الفقهي الذي اعتمدته هي نفسها في تحديد دخول شهر رمضان المبارك؛ فإن من حقنا وحق الناس جميعًا الاستفهام عن المنهجية التي يتم اعتمادها من قبل هذه الجهة في التعاطي مع الأمور الشرعية، ومتى نعمد إلى هذا الاتجاه الفقهي ومتى نتنحى عنه إلى اتجاه غيره؟!.
ثامنًا: استنادًا إلى قول الله –تعالى-: {إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 92]، وقوله -عز وجل-: {وِإنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا۠ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ} [المؤمنون: 52]؛ فإن من لوازم العبودية وتحصيل التقوى، وحدة المسلمين على أساس العقيدة والدين، دون اعتبار لحدود جغرافية، أو اتجاهات فكرية، أو مصالح سياسية.
لذلك نجدد دعوتنا لأصحاب الرأي، ومنظري الأفكار، والباحثين في الأحكام الشرعية إلى ضرورة العناية بهذه المعاني، بغية الوصول إلى مراد الله -تعالى- فهو وحده الهادي إلى سواء السبيل، والحمد لله رب العالمين.
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}[آل عمران: 8].
قسم الفتوى
5/شوال/1446هـ
3 /4 /2025م