

وقد تكون الولايات المتحدة جادّة في هذه المحادثات التي سبقتها حملة ضغط اقتصادي وسياسي وعسكري واسعة وتهدف بالفعل إلى التوصّل إلى اتفاقٍ ما مع إيران، أو غير جادة على وجه الدقة، بمعنى أن محادثات مسقط خطوة سياسية ودبلوماسية أخيرة ولابدَّ منها وإن كانت واشنطن لا تتوقع منها نتائج حقيقية، إسقاط فرضٍ كما يُقال لكي لا تظهر إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمظهر الداعية للحرب، وهي خطوة على غرار ما حدث بين وزير الخارجية الأميركي وقتها جيمس بيكر ونظيره العراقي طارق عزيز في فندق الانتركونتيننتال في جنيف يوم التاسع من كانون الثاني/ يناير 1991، والذي لم يكن في حقيقته إلا مخادعةً سياسيةً لتبرير مضيِّ إدارة جورج بوش الأب في مسعى الحرب ضد العراق، وإظهار واشنطن بمظهر الحريص على السلام وأن بغداد هي من ترفض الركون إليه!

مفاوضات "إسقاط الفرض" في جينف مطلع 1991.
ولعلَّ ما يرجّح هذه القناعة أن الرئيس ترمب لم يعلن عن موعد هذه المحادثات وتاريخ انعقادها إلا بعد أن تكامل تحشيده العسكري ضد إيران على نحوٍ غير مسبوقٍ من حيث عدد القاصفات الاستراتيجية المجهّزة بالقنابل اللازمة لمعالجة المواقع النووية الإيرانية العميقة تحت الأرض، وحاملات الطائرات، وتكامل المعلومات الاستخبارية، وغير ذلك من الاستعدادات العسكرية ذات الصلة، وأن ترمب أعلن عن الموعد والمكان تحديدًا بعد لقائه مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في واشنطن يوم أمس الاثنين 7 نيسان 2025، الأمر الذي قد يعني أن نتنياهو سيكون حاضرًا في جلسات فرض الإملاءات على طهران كما كان حاضرًا عند الإعلان عنها، ولكن على نحوٍ غير ظاهر بالطبع.
هل الولايات المتحدة جادّة في هذه المحادثات أم أن محادثات مسقط خطوة سياسية ودبلوماسية أخيرة ولابدَّ منها وإن كانت واشنطن لا تتوقع منها نتائج حقيقية، أي إسقاط فرضٍ كما يُقال؟
وأيًّا يكن موقف واشنطن ونواياها في هذا الصدد، فالمؤكد أن إيران لا تهدف من انخراطها في هذه العملية التي تسميها "تفاوضية" إلا إلى كسب الوقت، وفكّ عزلتها الخارجية الخانقة، ومعالجة مشاكلها الداخلية.
ولأن نظام ولاية الفقيه في إيران ليس دولةً طبيعيةً مثل أي دولةٍ أخرى في العالم فقد اعتمدت استراتيجية طهران طيلة العقود الأربعة والنصف المنصرمة من عمر النظام على ثلاثة محاور رئيسة استثمر فيها كثيرًا، وكانت له دريئةً استخدمها حيثما لزمه الأمر، وآن الأوان لترتدّ عليه تبعاتها بالكامل، وهي:
لأن نظام ولاية الفقيه في إيران ليس دولةً طبيعيةً مثل أي دولةٍ أخرى في العالم فقد اعتمدت استراتيجية تقوم على ثلاثة محاور رئيسة استثمر فيها كثيرًا، وكانت له دريئةً استخدمها حيثما لزمه الأمر، وآن الأوان لترتدّ عليه تبعاتها بالكامل.
وبسبب الطبيعة المراوغة للنظام الإيراني، من حيث كونه نظامًا لا يُمكِن الوثوق به بأيّ شكلٍ من الأشكال؛ إذ يعتمد المخاتلة والخداع في كل خطواته وعلى جميع الصُعُد، ولأن محادثات مسقط لا ينبغي أن تكون حبلَ نجاةٍ لإنقاذ نظام طهران وإنما فرصةً لنجاة المنطقة من المخاطر الجدّية الإيرانية التي تهدّدها وتعصف بأمنها واستقرارها؛ لكلّ هذا ولغيره تثور خمسة أسئلةٍ مهمةٍ في هذا الخصوص:
الأول: ما هو الإطار المفترض للمحادثات المرتقبة بين واشنطن وطهران، مباشرةً كانت أم غير مباشرة؟ وبالتالي ما هي مفردات الاتفاق الذي يُفترض أن ينجم عن تلك المحادثات؟
بعبارة أخرى: هل ستحصر واشنطن محادثاتها مع طهران بالبرنامج النووي فقط كما كان الحال مع "خطة العمل الشاملة المشتركة" التي توصّل إليها وزير الخارجية الأميركي جون كيري ونظيره الإيراني محمد جواد ظريف في جنيف سنة 2015؟ أم ستكون أكثر شمولًا لتتناول أيضًا إنشاء ودعم شبكة المنظمات الإرهابية والميليشيات المسلحة، وبرامج الصواريخ الباليستية وتجاربها، وبرنامج إطلاق الصواريخ الفضائية، وبرامج صناعة الطائرات المسيّرة، وغير ذلك من المفردات التي يعتمدها نظام طهران لتهديد السلم والأمن العالمي، وتعريض شرايين الاقتصاد العالمي لمخاطر جدّية، وكل ذلك سبق للرئيس الأميركي ترمب أن تحدّث بشأنه، وطالب نظام طهران بمعالجته من قبل مرارا؟
الثاني: هل ستكتفي إدارة ترمب بإيقاف البرنامج النووي الإيراني عند حدوده الحالية، أو أقل كثيرًا أو قليلًا حسب الممكن، وتمنعه من تجاوز الحدود التي سيُتّفق عليها من خلال نظام مراقبةٍ فعّال، وعقوباتٍ شاملة، وحظرٍ جدّي لمنع انتقال كل ما يتعلق بالتكنولوجيا النووية إلى إيران؟ أم ستعمل على تفكيك البرنامج بشكل كاملٍ، وتقوم بتدمير مواقع العمل ومعدّات الانتاج ومخزونات اليورانيوم وكل ما له صلة بهذا البرنامج النووي، وتصدير المخزونات وما يتبقّى من المعدات إلى الخارج بالكامل، وفرض حظرٍ شاملٍ على وصول التقنيات النووية إلى إيران بأيّ شكلٍ من الأشكال مرة أخرى وبأي وقتٍ من الأوقات من خلال إجراءات أشمل تفصيلًا وأوسع نطاقًا وأكثر إلزامًا، واعتماد نظام مراقبة حقيقيٍ وفعّالٍ وشاملٍ ولا يمكن لنظام طهران اختراقه بألاعيبه الاستخبارية التي شهدها العالم من قبل؟
الثالث: هل ستعتمد الإدارة الأميركية في محادثات مسقط استراتيجية أحادية، كما فعلت الإدارة الديمقراطية من قبل؟ أم ستضمّ إلى جانبها إطارًا متعدّد الأطراف يشمل حلفاء رئيسيين معنيين بالملف الإيراني في مقدمتهم دول الخليج العربي باعتبارها أول من يتعرّض للتهديدات الإرهابية الإيرانية بكل أشكالها، وبالطبع دولًا أوروبية، وربما الكيان الصهيوني كذلك؟
الرابع: هل ستتحدث واشنطنُ مع طهرانَ مستندةً إلى خطةٍ دبلوماسيةٍ متشددةٍ مدعومةً بعقوباتٍ اقتصاديةٍ خانقةٍ وتواجدٍ عسكريٍ يتعاظم الآن في المنطقة المحيطة بإيران في إطار ما يعرف باسم "استراتيجية الضغط الأقصى" كما هو متوقع؟ أم ستعمل على تقديم تسهيلاتٍ اقتصاديةٍ بأيّ شكلٍ من الأشكال وبأي قدرٍ لجذب النظام الإيراني وحثّه على تقديم تنازلاتٍ في مفردات المحادثات، وهذا أسلوبٌ متّبع في التفاوض لكنه غير مجدٍ مع إيران؟ مع ملاحظة أننا نؤكد على أن ما سيحدث في مسقط هو جلسات محادثات وليست مفاوضات، والفرق بين الكلمتين كبير جدا.
الخامس: هل تدرك واشنطن وهي تتحدث مع نظام طهران أن الفرصة المتاحة الآن لمعالجة التهديدات الإيرانية قد تكون آخر فرصة قبل امتلاك نظام ولاية الفقيه الإرهابي للسلاح النووي، وأن فواتها دون تحقيق ما هو مرجوٌ منها يعني أن هذا النظام المسلّح بمخالب إرهابية وصواريخ عدوانية ستكون له أنيابٌ نووية كذلك؟
في كل الأحوال، وأيًّا كانت الإجابات على هذه الأسئلة، أو غيرها، ينبغي على من يعنيهم الأمر وتهدّدهم المخاطر الجدّية الإيرانية، عربًا وغير عرب، أن يدركوا أن واشنطن تتحدث مع نظام طهران من أجل مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني بدءًا وانتهاءً وليس من أجل مصالحهم هم.
وهذا يعني أن على المعنيين العرب، وعلى تركيا وغيرها أيضًا، بناء استراتيجية شاملة لمواجهة التهديدات الإرهابية الإيرانية بكل الوسائل الممكنة، كلٌ على حدة أو بتحالفٍ استراتيجيٍ أشمل، أو بكليهما معًا وهو الأنجع بالتأكيد.
على من يعنيهم الأمر وتهدّدهم المخاطر الجدّية الإيرانية، عربًا وغير عرب، أن يدركوا أن واشنطن تتحدث مع نظام طهران من أجل مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني بدءًا وانتهاءً وليس من أجل مصالحهم هم.
كما أن على من يعنيهم الأمر أن يضغطوا على واشنطن لكي تضع ما يهدّدهم في اعتبارها وهي تتحدث مع هذا النظام الإرهابي على مقربةٍ منهم، على أراضيهم في الحقيقة، وأن تلتزم باعتماد "استراتيجية الضغط الأقصى" خلال مرحلة المحادثات لا أن تقع في فخٍ وقع فيه آخرون عندما تفاوضوا مع نظام طهران أو اتفقوا معه مدفوعين بحسن النوايا، حيث لا مجال لحسن النوايا مع هذا النظام الإرهابي الذي لا يُمكن الحديث معه إلا تحت أقصى قدرٍ من الضغط الجدّي الفعّال والشامل طويل الأمد، كما ينبغي على المعنيين أن يضغطوا لكي لا يمتدّ الزمن بجلسات المحادثات طويلًا، فالخبرة المتحصّلة من التعامل مع الإيرانيين تؤكد أنهم يتعمّدون إغراق المقابل بتفاصيل جزئية للغاية بل ثانوية جدًا، ويعيدون التفاوض مرارًا على فقراتٍ حُسِمَت في جلساتٍ سابقة، وبذلك يعمدون إلى مدّ الوقت إلى أقصى فسحةٍ ممكنةٍ للوصول إلى مبتغاهم الذي لن يكون إلا على حساب الطرف المقابل.
وبعيدًا عمّا يُشيعه النظام الإيراني وأتباعه من أوهام وخيالاتٍ، وبعيدًا عن تشاؤم المتشائمين فإنني على يقينٍ أن ساحل مسقط المطلّ على مياه بحر العرب لن يشهد جولات تنزّهٍ بين مبعوث الولايات المتحدة الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كما شهدته شطآن بحيرة جنيف قبل 10 سنوات، فالأمر الآن لا يحتمل إضاعة الوقت.. باختصار، ما سيحدث في العاصمة العمانية لن يكون سوى جلسة، أو جلسات، لإملاء الشروط الأميركية وعلى الإيرانيين الاستجابة لها سريعًا؛ أو اختيار البديل الذي لن يكون هناك مفرٌّ منه إذا اختار الإيرانيون عدم الاستجابة، وأظنهم لن يستجيبوا؛ فما الذي سيبقى لنظام ولاية الفقيه لو استجاب للإملاءات الأميركية؟!
والله الموفق والمستعان