

فالتخلي الروسي العلني، والصمت الصيني المريب، والتحركات العسكرية الأميركية الغير مسبوقة إلى جانب التربّص (الإسرائيلي) يجعل من الوضع الإيراني أزمة متعددة الأوجه مع خيارات محدودة ومعقدة بل وخطيرة.
سلطنة عُمان؛ الوسيط الحذر
أعلنت سلطنة عُمان المعروفة بدورها الوسيط والمحايد استضافة جولة المفاوضات الحاسمة يوم السبت المقبل بين المبعوث الأميركي ووزير الخارجية الإيراني. ويُعزى هذا الاختيار إلى العلاقات القوية التي تربط عُمان بكلا الطرفين وسعيها الجاد لتفادي اندلاع صراع في الخليج ستكون له تبعات مدمرة خاصةً على دول مجلس التعاون.
هوية المفاوضين؛ بين الحنكة والدهشة
الجانب الأميركي: ستيفن ويتكوف
في خطوة مفاجئة عيّن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صديقه المقرب ستيفن تشارلز ويتكوف رجل الأعمال اليهودي المعروف مبعوثًا خاصًا للشرق الأوسط.
* من مواليد 1957 يهودي من نيويورك.
* مؤسس مجموعة "ويتكوف" العقارية.
* لا يمتلك خلفية دبلوماسية أو سياسية.
* ساهم مؤخراً في جهود وقف إطلاق النار بين (إسرائيل) وحماس.
* داعم مالي معروف لإسرائيل.
ترشيحه أثار غضبًا في طهران التي اعتبرت الخطوة استفزازًا متعمدًا في توقيت حساس.
الجانب الإيراني: عباس عراقجي
في المقابل اختارت إيران وزير خارجيتها عباس عراقجي أحد أبرز الشخصيات الدبلوماسية في البلاد:
* مواليد طهران 1962.
* حاصل على الدكتوراه من بريطانيا.
* ضابط سابق في الحرس الثوري.
* شغل مناصب دبلوماسية في فنلندا واليابان.
* كبير مفاوضي إيران في الملف النووي.
* يُعرف بالحنكة والرؤية الاستراتيجية والخبرة الواسعة في التفاوض مع الغرب.
الشروط الأميركية؛ القائمة المستحيلة
تقدّمت واشنطن بشروط صارمة تُعد بمثابة استسلام كامل للبرنامج النووي والنفوذ الإيراني وتشمل:
* تفكيك كامل للمفاعلات النووية الإيرانية ومصادرتها وتدمير المرافق التابعة لها.
* تسليم كافة الوثائق المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني إلى أميركا.
* ترحيل العلماء النوويين إلى الولايات المتحدة.
* نزع السلاح الصاروخي بالكامل وتدمير مصانع الأسلحة.
* تفكيك ترسانة الطائرات المسيّرة وتدمير خطوط الانتاج بشكل كامل.
* حل الحرس الثوري الإيراني.
* السماح إلى لجان التفتيش التجول الحر وتفتيش جميع المنشأت العسكرية والأمنية.
* إنهاء الدعم العسكري للاذرع الإيراني.
* إنهاء التواجد الإيراني العسكري في الخارج.
* ايقاف برنامج تصدير الثورة الإسلامية وايقاف الشعارات الرنانة ضد أميركا و (إسرائيل).
المواقف الدولية؛ لعبة المصالح المعقّدة
روسيا والتخلي المحسوب
* أعلنت موسكو رسميًا أنها غير ملزمة بالدفاع عن إيران ولاتوجد أي اتفاقيات دفاع مشترك بينها وبين إيران.
* حصلت على ضمانات أميركية برفع أسعار النفط لتعويض خسائرها في الحرب الأوكرانية.
* ستشارك بلوجستيات تفكيك البرنامج النووي
* حصلت على تسهيلات تجارية وأعفاءات جمركية من واشنطن.
الصين؛ الصمت الاستراتيجي
* التزمت بكين الحياد لكنها تتابع التطورات في منطقة الخليج العربي بدقة.
* ترى في الانشغال الأميركي فرصة لتوسيع نفوذها الاقتصادي العالمي.
* تترقب لحظة مناسبة لتوجيه أنظارها نحو استعادة تايوان.
* لا ترغب بمواجهة مباشرة الآن لكنها تحصد المكاسب بهدوء.
موقف دول الخليج العربي؛ بين الحذر والدعم المشروط
تشهد دول الخليج العربي وفي مقدمتها السعودية، الإمارات، البحرين، الكويت حالة من الترقب الحذر تجاه الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران. ورغم تباين المواقف العلنية بين التشدد والتهدئة إلا أن هناك قواسم مشتركة بين دول الخليج في تعاطيها مع الحدث أبرزها:
١. السعودية والإمارات: دعم ضمني للتصعيد الأميركي
* تُظهر الرياض وأبوظبي تأييدًا واضحًا لأي خطوات تهدف لتقييد النفوذ الإيراني خاصة في اليمن، العراق، سوريا، لبنان.
* تعتبران أن الضغوط الأميركية فرصة لتقليم أظافر طهران إقليميًا.
* تسعيان في الوقت نفسه لتفادي الانزلاق إلى مواجهة شاملة تُهدد استقرار الخليج العربي.
٢. البحرين؛ موقف متماهي مع السعودية
* تتبنى البحرين موقفًا مطابقًا تقريبًا للموقف السعودي، نظرًا للتحالف السياسي والعسكري الوثيق بينهما.
* تعاني من تهديدات أمنية داخلية مرتبطة بإيران ما يجعلها تؤيد بشدة أي تحركات لردع طهران.
٣. الكويت وقطر وعُمان؛ التوازن والدبلوماسية
* الكويت تحافظ على نهج معتدل وتدعو إلى تغليب الحوار.
* قطر، رغم علاقاتها الهادئة مع إيران تسعى لعدم خسارة تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة.
* عُمان تواصل لعب دور الوسيط التاريخي وترفض أي تصعيد عسكري في المنطقة وتحذر من تبعاته الكارثية.
٤. مخاوف خليجية مشتركة:
* خشية من استهداف المنشآت النفطية والبنى التحتية الحيوية.
* قلق من تدفق موجات لجوء أو اضطرابات اقتصادية في حال نشوب صراع شامل.
* احتمال تكرار سيناريو ضربات 2019 على منشآت "أرامكو" ولكن بشكل أوسع وأكثر عنفًا.
الموقف الإيراني؛ مراوغة محسوبة
* تسعى طهران إلى كسب الوقت لكنها باتت تدرك حدود المناورة.
* تحاول تقديم تنازلات شكلية لامتصاص الضغط الأميركي.
* قد تضطر للتخلي عن أذرعها الإقليمية بالشكل الكامل .
* تقديم صفقات اقتصادية مغرية لأميركا.
* عرض تعاون أمني عسكري مشترك في المنطقة.
* التوقف عن شعارات الثورة الإسلامية الرنانة ضد أميركا و (إسرائيل).
* الحفاظ على بقاء النظام يُعد الهدف الأعلى للقيادة الإيرانية ولو على حساب بعض المكاسب السابقة.
الاستعداد الأميركي؛ ساعة الصفر
* تم حشد أكثر من 300 ألف جندي في قواعد محيطة بإيران.
* نصف القدرات الجوية الأميركية في المنطقة موجّهة نحو إيران.
* حاملات طائرات ومدمرات بحرية في مواقع هجومية.
* دونالد ترمب أعلن صراحة "السبت هو يوم الحسم... إما مفاوضات، أو ضربات لم يسبق لها مثيل"
الاستنتاجات
* إيران تقف على حافة الهاوية في مفترق طرق مصيري.
* الروس والصينيون يتخلون عن دعم مباشر ويبحثون عن مصالحهم.
* واشنطن و (إسرائيل) مصمّمين على إنهاء "التهديد الإيراني" بشكل نهائي وجذري.
* عُمان تلعب دورًا شجاعًا وجريئًا لكنه محفوف بالمخاطر و محدود التأثير.
* (إسرائيل) قد تكون رأس الحربة في أي ضربة قادمة وقد تستبق أي اتفاق.
* أغلب المطالب الأميركية غير معقولة وغير مقبولة.
* تنفيذ المطالب الأميركية يعني عملية إذلال واستسلام وهذا أمر مستحيل وسترفضه القيادة الإيرانية العليا.
* النظام الإيراني قد يقدّم تنازلات قاسية حفاظًا على بقائه لكنه سيفقد الكثير من نفوذه في المنطقة.
* النظام الإيراني أمام اختبار بقاء غير مسبوق أمام الاستجابة لكل المطالب او نهاية مؤلمة.
الخاتمة
تجد إيران نفسها اليوم في موقف بالغ الحرج والتعقيد بعد أن تخلّت عنها حليفتاها الاستراتيجيتان روسيا والصين في لحظة مفصلية من تاريخ المواجهة مع الغرب. فقد بات من الواضح أن موسكو لا تنوي الدفاع عن طهران في حال تعرضت لهجوم عسكري وهو موقف ليس بجديد على السياسة الروسية التي كثيرًا ما تخلت عن حلفائها في أوقات الشدة كما حدث مع جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ودول الشرق الأوسط. وفي المقابل تلتزم بكين صمتًا محسوبًا مدفوعة برغبة في رؤية الولايات المتحدة تستنزف قواها في الشرق الأوسط دون أن تتورط بشكل مباشر. وفي ظل هذا الواقع تواجه إيران تصعيدًا غير مسبوق يتمثل في الحشود الأميركية الكبيرة في محيطها وتهديدات (إسرائيلية) دقيقة تستهدف منشآتها النووية، فيما يبدو أن طهران لم تعد تملك رفاهية المماطلة أو كسب الوقت. ومع إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن موعد حاسم للمفاوضات مقرونًا بتهديدات بضربات غير مسبوقة تدخل الأزمة الإيرانية مرحلة جديدة تتطلب من القيادة الإيرانية قرارات مصيرية لا تحتمل التأجيل.