الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

وجهة نظر في الجهد العُماني بشأن الملف النووي الإيراني

هل تحقق مسقط أرجحيةً تفاوضيةً لصالح طهران فعلا؟

مصطفى كامل
الخميس 24 أبريل, 2025 14:40
السلطان في موسكو، هل هي زيارة الساعات الأخيرة؟
السلطان في موسكو، هل هي زيارة الساعات الأخيرة؟
 قبل يومين زار سلطان عُمان هيثم بن طارق العاصمة الروسية، وأجرى مباحثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تركّزت بالدرجة الأولى على الملف النووي الإيراني والمباحثات الجارية بين وفدين أميركي وإيراني برعايةٍ من مسقط.

وللوهلة الأولى قد يبدو الجهد العُماني مع روسيا مضرًّا للأمن القومي العربي، حيث يظهر للبعض أن تحركات مسقط قد تُعطي أرجحيةً للموقف الإيراني، وتعزّزه بالتعاون مع موسكو، مع أن ما هو معلنٌ من بيانات رسمية حول الزيارة في العاصمتين لم يأتي على ذكر الملف النووي الإيراني إلا بقدرٍ يسيرٍ جدًا وهامشي.

لكن النظرة المعمّقة والتحليلية لهذه الزيارة، ولعموم الدور العُماني في هذا الخصوص، تُفصِح عن موقفٍ آخر، وتقدّم تحليلًا مختلفًا بالكلية عمّا يبدو لأول وهلة.

فالجهد العُماني، حتى إن كان لصالح إيران بالكامل، وهو ليس كذلك بالطبع، ومهما بلغ من العمق والشمول والفاعلية، وهو لا يتّسم بذلك كله بالتأكيد، لن يقدّم وصفةً سحريةً للحل الشامل تُرضي جميع الأطراف المعنية بهذا الملف المعقّد، ولن يكتب نهايةً سعيدةً لروايةٍ مأساويةِ الفصول قوامُها الشك والتهديد والمخاوف المتبادلة وقدرٌ كبيرٌ جدًا من صراع الإرادات، نعم، تحركات مسقط هذه مهما بلغت فلن تقدّم سوى أرجحيةً تكتيكيةً مؤقتةً في أحسن الأحوال.

قد تكون الزيارة السلطانية إلى موسكو، ومجمل الدور العُماني كذلك، تحركًا ضروريًا بإيعازٍ من واشنطن، وربما بتنسيقٍ مع تل أبيب، وهذا أمرٌ معتادٌ في العلاقات الدولية.

ليس هذا فحسب، بل قد تكون الزيارة السلطانية إلى موسكو، ومجمل الدور العُماني كذلك، تحركًا ضروريًا بإيعازٍ من واشنطن يتعلق بالجو العام الذي يحيط بالمحادثات الجارية بين واشنطن وطهران، ولها علاقة باعتباراتٍ إقليمية تسبق زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المملكة العربية السعودية الشهر المقبل.

نتنياهو في مسقط برفقة السلطان قابوس سنة 2018

وقد يذهب آخرون إلى ما هو أبعد ليقولوا إنه دور يُنسّق مع تل أبيب أيضًا، مشيرين إلى أن العلاقات العُمانية (الإسرائيلية) ليست خافيةً على من يهمّهم الأمر.

وكلا الأمرين متاحٌ ومباحٌ في العلاقات الدولية، وما تقوم به مسقط ليس بدعًا في هذا الصدد.

 

مثالٌ من العراق

في هذا الصدد دعونا نعود بالذاكرة إلى ما جرى مع العراق في أعقاب دخول القوات العراقية إلى الكويت في الثاني من آب/ أغسطس 1990 لنفهم كيفية عمل الدول والمؤسسات الدولية عند اتخاذ قراراتٍ بالحرب على دول أخرى.

فور دخول القوات العراقية إلى الكويت أصدر مجلس الأمن الدولي، بإرادةٍ أميركية، قراره ذي الرقم 660 الذي دعا فيه العراق للخروج من الكويت مباشرة ودون شروط، وبعد أربعة أيام اتّخذ المجلس قراره المرقم 661 الذي أعلن فيه محاصرة العراق، وعلى مدى أربعة أشهر اتخذ العديد من القرارات فرض بموجبها على بغداد عقوبات اقتصادية ودبلوماسية متعددة الأوجه وقاسية وشاملة، وتدرّج في الأمر وصولًا إلى القرار رقم 678 الصادر في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 1990 الذي يسمح للدول المعنية باستخدام كافة الوسائل، ومنها العسكرية، لتنفيذ القرار الأول الذي أصدره مجلس الأمن (القرار 660) أي تحقيق هدف إخراج القوات العراقية من الكويت.

وحتى عندما أصدر المجلس قراره الأخير المشار إليه في أعلاه فإنه لم يمنح العراق فرصة قصيرة للاستجابة، بل قدّم له مهلة 45 يومًا للانسحاب، وكل ذلك ضمن سيناريو مخطّطٍ له بعناية، مانحًا الدول المعنية الإذن بعد انقضاء هذه المدة باستخدام العمل العسكري ضد العراق.

بيكر وعزيز في جنيف مطلع سنة 1991

ولم تقف واشنطن في هذا السيناريو عند هذا الحد، بل مارست مزيدًا من التضليل حينما بعثت وزير خارجيتها جيمس بيكر إلى جنيف للقاء نظيره العراقي طارق عزيز، وهو اللقاء الذي كان مقرّرًا له الفشل مسبقًا لأسبابٍ موضوعية، لكنه كان خطوةً لازمةً على الطريق نحو هدف واشنطن ولندن باستخدام القوة العسكرية ضد العراق.

صحيح أن الإدارة الأميركية والحكومة البريطانية على نحوٍ خاص كانتا تخطّطان منذ اللحظات الأولى لاستخدام القوة العسكرية ضد العراق، لكنهما لاعتبارات داخلية في بلديهما، وخارجية أمام العالم، لم تُقدِما على شنِّ عدوانٍ عسكريٍ مباشرة وعلى نحوٍ فوري، بل كانا يهدفان من خلال تحركاتهما الدبلوماسية وعبر قنواتٍ ووسائل عدة، إقليمية ودولية، ليظهرا أمام العالم على أنهما اعتمدا الحلول السياسية وقاما بكل الخطوات الدبلوماسية اللازمة وعندما لم يستجب العراق نفّذتا قرارهما بالقيام بالعمل العسكري، وفي الحقيقة كان العدوان الشامل على العراق مقرّرًا منذ اللحظات الأولى.

حتى الجهد السياسي السوفياتي يومذاك كان بالتنسيق التام مع الولايات المتحدة، حتى أن الرئيس السوفياتي ميخائيل غورباتشوف لم يُرسِل مبعوثه يفغيني بريماكوف إلى بغداد قبيل بدء الحرب البرية إلا بإشارةٍ من الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في خطوةٍ لم يكن الهدف منها إلا ذرّ الرماد في العيون، عيون بغداد وعيون الأميركيين في داخل الولايات المتحدة وعيون العالم كله.

الأمر مع إيران اليوم لا يختلف عمّا جرى مع العراق قبل 35 سنة، ولعل زيارة السلطان إلى موسكو ضمن هذا الإطار. واللبيب يفهم.

 

ماذا عن (إسرائيل)؟

أيًا كان الجهد العُماني في موسكو، وحتى مع افتراض أنه لصالح إيران، وهو ليس كذلك عندي، فهو قد ينجح في تصريف بعض الضغط المتجمّع تحت الغطاء لبرهةٍ من الزمن فقط وليس على طول المدى، لأن العامل (الإسرائيلي) الضاغط لا يمكن تجاوزه. وحتى إذا تأجل الانفجار بعض الوقت فليس بمقدور مسقط أو غيرها الاستمرار في هذه العملية إلى وقتٍ أطول، إذ المديات ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية.

في النهاية سيقوم الصهاينة بما تُمليه عليهم استراتيجية الأمن القومي (الإسرائيلي) التي بدونها لا يمكن لـ (إسرائيل) أن تبقى، سيقومون بذلك سواءً بالتنسيق مع الولايات المتحدة أو بدون تنسيق؛ فالأمر بالنسبة للصهاينة ليس خيارًا بل ضرورة تتعلق بوجودهم ونفوذهم، وكلاهما، الوجود والنفوذ، غير قابل للنقاش، والمأساة الهائلة في قطاع غزة تؤكد أن الصهاينة لا يتهاونون في ضمان أمنهم ووجودهم أبدًا ومهما كانت الأكلاف.

أيًا كان الجهد العُماني في موسكو، وحتى مع افتراض أنه لصالح إيران، فقد ينجح في تصريف بعض الضغط المتجمّع تحت الغطاء لبرهةٍ من الزمن فقط وليس على طول المدى، لأن العامل (الإسرائيلي) الضاغط لا يمكن تجاوزه.

هل نُسقِط من الحُسبان هنا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن عن بدء المحادثات مع إيران بعد اجتماعه مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو في واشنطن قبل أكثر من أسبوعين، وليس في مناسبةٍ أخرى، وهو الاجتماع الذي جاء في زيارة مفاجئة لنتنياهو هي الثانية إلى العاصمة الأميركية خلال شهرين، فهل كان هذا التزامن محض صدفة؟!

لا أعتقد أن الصدف لها مجالٌ في هذا الشأن.

هذا من جهة.

ومن جهة أخرى لماذا تُسقط إدارة ترمب من بين أيديها خيار تحقيق أهدافها وأهداف (إسرائيل) بالطرق السلمية إن سنحت لهما فرصة تحقيق ذلك؟!

ماذا لو نجحت واشنطن، وتل أبيب ضمنيًا، بتجريد إيران من قدراتها النووية والصاروخية، وقطعت أذرعها الميليشياوية عبر العمل السياسي وليس العسكري، وهو ما يوفّر على كل الأطراف دماءً وأموالا؟

المنطق السليم يقول إن عليهما أن لا يُسقطا ذلك.

 

وماذا عن موسكو؟

الأمر الآخر يتعلّق بالجانب الروسي وكيفية تعامله مع الملف الإيراني وما يُمكن أن تقدّمه طهران لموسكو مباشرةً، وقد زار وزير خارجيتها عباس عراقجي موسكو قبيل زيارة السلطان هيثم بن طارق، أو عبر مسقط.

لو أن المحادثات الأميركية الإيرانية الجارية الان كانت في عهد الرئيس السابق جو بايدن لكانت الورقة الإيرانية حاضرة في أي تفاهماتٍ بين موسكو وواشنطن بشأن التعامل مع كييف، أما وأنها تجري الآن في عهد الرئيس ترمب الذي نعرف موقفه من القضية الأوكرانية فإن موسكو لا تحتاج إلى أوراقٍ تفاوضيةٍ إضافيةٍ مع واشنطن بشأن الحرب في أوكرانيا، لأن طرق التفاهم بين بوتين وترمب سالكة، والرجلان على توافقٍ جيدٍ جدًا بشأن القضية الأوكرانية، وتحديدًا في:

  1. الموقف من الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي.
  2. بقاء الأراضي التي استولت عليها روسيا في شرق أوكرانيا تحت سيطرة موسكو.
  3. احتفاظ روسيا بشبه جزيرة القرم.
  4. رفض انضمام كييف إلى حلف الناتو.

وهنا نسأل عمّا ستضيفه الورقة الإيرانية من أرجحيةٍ في يد قيصر الكرملين وهو يتهيأ للقاء سيد البيت الأبيض قريبا؟!

موسكو لا تحتاج إلى أوراقٍ تفاوضيةٍ إضافيةٍ مع واشنطن بشأن الحرب في أوكرانيا، لأن طرق التفاهم بين بوتين وترمب سالكة، والرجلان على توافقٍ جيدٍ جدًا بشأن القضية الأوكرانية.

أعتقد أن موسكو ستُهمل الورقة الإيرانية ولن تستخدمها في التفاهمات التي ستجريها مع واشنطن بشأن الملف الأوكراني لأنها ستحصل على ما تريد من واشنطن بطريقةٍ أسهل فلماذا تستفزّ ترمب باستخدام ورقة إيران وهي ورقة محترقة؟!

نخلص في هذا الأمر إلى القول إن ضرب إيران آتٍ لا ريب فيه وإن تأجل مؤقتًا، آتٍ لأن (إسرائيل) لن تقبل بتمرير صفقةٍ مع إيران لا تحمي أمنها حتى إن وافقت أميركا على هذه الصفقة، كما أن أميركا ليست مستعدة ولا مضطرة أصلًا لصفقةٍ بهذا الشكل، صفقةٍ لا تحقّق مطالبها التي حشدت لها قوةً عسكرية جدّية، وبالتالي تضعها في موقفٍ حرجٍ داخل الولايات المتحدة وخارجها، محرجةٍ لها مع أقرب حلفائها وأصدقائها، ومع أعدائها كذلك.

كما أن العمل العسكري ضد إيران آتٍ لأن أيَّ اتفاقٍ مع طهران بشأن البرنامج النووي لن يكون محلّ ثقةٍ لدى أطراف عدة (إسرائيلية) أولًا، وهذا يعني أنه خيارٌ اضطراري لكنه قد يتأجّل لبعض الوقت.

لا يفوتنا هنا التأكيد على أن المشروع الفارسي لا يُعرّض أمن ووجود (إسرائيل) للخطر نصرةً لفلسطين وقضيتها العادلة، بل تحقيقًا للهيمنة الفارسية في المشرق العربي، وهذا غير مقبولٍ من الأطراف المعنية، وبالذات واشنطن وتل أبيب. وهنا جوهر القضية برمّتها.

 

ختاما

المشكلة أن كثيرًا من المحلّلين السياسيين والباحثين، العرب بشكلٍ خاصٍ، ما يزالون ينظرون إلى إيران كما لو أنها لم تنكسر في لبنان، ولم يُقضَ عليها تمامًا في سوريا، ولم تواصل واشنطن تقليم مخالبها في اليمن، وهذا غير منطقي ولا واقعي، بل يمكن اعتباره جهدًا مضلّلًا أيضا.

مشروع إيران العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي انكسر في لبنان، وانتهى تمامًا في سوريا، وهو قيد التهشيم في اليمن، ولم يبقَ له إلا العراق، والوضع في العراق لن يستقرَّ له أيضًا بإذن الله تعالى.

مشروع إيران العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي انكسر في لبنان، وانتهى تمامًا في سوريا، وهو قيد التهشيم في اليمن، ولم يبقَ له إلا العراق، والوضع في العراق لن يستقرَّ له أيضًا بإذن الله تعالى، وهذا ما لا ينبغي إسقاطه من الحسبان، إيران الولي الفقيه اليوم في أضعف حالاتها، وهي تعرف ذلك جيدًا لذا فهي تتحدث مع الأميركيين للنجاة برأسها فقط، ومن يريد النجاة برأسه ليس في موضع قوة ولا يمكنه إملاء الشروط.

وإذا كان نظام ولاية الفقيه في إيران يريد النجاة برأسه فليس أمامه سوى أن يكون دولة طبيعية مثل سائر دول العالم، بلا مخالب نووية ولا أذرع صاروخية ولا ميليشيات إرهابية ولا مشاريع هيمنةٍ ونفوذٍ إقليمية، وماذا يتبقى للولي الفقيه إذا تخلى عن هذا كله؟!

وعلى الذين يملأون فضاء الاعلام العربي بتحليلاتهم أن يعوا حقائق الواقع بيقينٍ عال، ويكفّوا عن الوقوع في شِراك التضليل الإيراني، فهذا النظام مخادعٌ دجال، وفضح دَجِلِهِ وخِداعِهِ مهمة نبيلة وطنيًا وقوميًا وإنسانيا.

والله الموفق والمستعان

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram