

وتحاول حكومات بغداد المتعاقبة القفز على حقيقة التواجد الأميركيّ باعتباره يَندرج ضمن ذلك الاتّفاق الضامن للعديد من القضايا الحسّاسة، ومنها ملفّات الأمن ومكافحة الإرهاب والطاقة وغيرها!
ورغم أنّ واشنطن تُجدّد مراراً أهمّيّة هذه اتّفاقيّة، وتؤكّد احترامها لسيادة العراق وسلامة أراضيه لكنّ الوقائع السياسيّة والميدانيّة مُتناقضة، ومنها التعالي الأميركيّ في التعامل مع بغداد، وتحكّمها بالأجواء العراقيّة، وآخرها هبوط طائرات أميركيّة في قاعدة "عين الأسد" بمحافظة الأنبار الغربيّة ليلة السابع من نيسان/ أبريل 2025!
وهذه المعلومات الخطيرة أكّدتها صحيفة "ذا كرايدل" الأميركيّة يوم 9/4/2025 وقالت إنّ "طائرات شحن أميركيّة نقلت خلال الأيّام الماضية معدّات مختلفة، وضباطاً وجنوداً من قواعد شرق نهر الفرات في سوريا إلى العراق"!
وتتعرّض حكومة "محمد شياع السوداني" لجملة تحدّيات، ربّما، أبرزها سلاح المليشيات، والهبوط الواضح في أسعار النفط العالميّة، وتداعيات التعرفة الجمركيّة الأميركيّة ضد العراق، والبالغة 39%، بينما بلغت التعرفة الجمركيّة العراقيّة على أميركا 78%!
ولاحقا لا ندري هل شُمِل العراق بالتعليق المؤقت للتعرفة الجمركية الأميركية أم لا؟
ومعلوم أنّ العراق من الدول الرّيْعية التي تعتمد في وارداتها على النفط بنسبة تصل إلى 90%، وموازناته للأعوام 2023 – 2025 رُتّبت على سعر (70) دولارا للبرميل الواحد، واليوم سعر النفط أقلّ من (65) دولارا للبرميل!
وفي ذات الوقت قال صندوق النقد الدوليّ إنّ "العراق يحتاج الى سعر يتجاوز (92) دولاراً لبرميل النفط ليحقّق توازناً في موازنة العام 2025"!
هذه التقلّبات السعريّة ستقود لأزمة ماليّة ضخمة قد تظهر آثارها خلال الأشهر القليلة القادمة ممّا سيرفع سقف احتماليّة عجز الحكومة عن دفع رواتب خمسة ملايين موظّف ومثلهم من المتقاعدين والمستفيدين من الرعاية الاجتماعيّة، وحينها قد تذهب بغداد لترشيد الاستهلاك العامّ، وبالذات مع الموازنة المرتفعة للعام 2025، والبالغة (163) مليار دولار أميركيّ، وحينها، ربّما، ستتلاعب الحكومة بالاحتياطي النقديّ البالغ (130) مليار دولار!
وقبل أسبوع أكّدت مصادر عراقية بأنّ حكومة بغداد قرّرت اعتماد سعر (60) دولارا للبرميل في جداول موازنة العام 2025!
وتتزامن هذه التقلّبات العسكريّة والماليّة مع التطوّرات الكبيرة التي يشهدها الملفّ العراقيّ في الداخل الأميركيّ بعد أن قَدّم النائبان الجمهوريّ "جو ويلسون"، والديمقراطيّ "جيمي بانيتا"، من الكونغرس الأمريكيّ يوم 6 نيسان/ أبريل 2025، مشروعا بعنوان "تحرير العراق من إيران"!
ويهدف المشروع لإعداد استراتيجيّة موحّدة لمواجهة النفوذ الإيراني داخل العراق، وتوجيه عقوبات لبعض كبار المسؤولين بينهم رئيس الوزراء السابق نوري المالكي!
ونصّ المشروع على تكليف وزارات الخارجيّة والخزانة الأميركية لإعداد خطّة استراتيجيّة خلال (180) يومًا، تتضمّن إجراءات واضحة لتفكيك الحشد الشعبيّ، ومنع مشاركة الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، ومنها منظّمة بدر، وحركة النجباء وغيرهما في أيّ مؤسّسة حكوميّة، مع المطالبة بتصنيفها كمنظّمات "إرهابيّة أجنبيّة" خلال (90) يومًا من إقرار القانون، وكذلك تعليق المساعدات الأمنيّة المقدّمة للعراق حتّى يتمّ "ضمان إقصاء تلك الفصائل عن أجهزة الدولة"!
والتجارب أثبتت أنّ واشنطن لا توقفها الدبلوماسيّة الظاهرة عن تنفيذ مخطّطاتها السرّية وبدليل استهدافها للجنرال الإيرانيّ "قاسم سليماني" ببغداد بداية العام 2020!
إنّ توجّه بغداد بعد التعرفة الجمركيّة الأميركيّة العالية لأيّ أسواق عالميّة بعيداً عن واشنطن، سيجعلها في موقف مشوّش، ولهذا استقبل العراق يوم 8 نيسان/ أبريل 2025 وفدا تجاريّا أمريكيّا يضمّ (101) شخصيّة يمثّلون (60) شركة من مختلف القطاعات، وخلال ساعات وقعوا عقودا بمليارات الدولارات للاستثمار في مجال الطاقة وغيرها، وهذا باب لترضية واشنطن وسحب الغضب المتنامي على بغداد بسبب دعمها لطهران، وبدليل المشروع المرتقب من الكونغرس الأمريكيّ لتحريره من إيران!
ومع هذه المستجدّات تجاه العراق ارتفعت الأصوات الداخليّة المناديَة بتقسيم العراق، وخصوصا الدعوة للإقليم الشيعيّ!
وفكرة تقسيم العراق فكرة مرفوضة من دول الإقليم لأنّها ستفتح الباب لمشاكل داخليّة لديها، وبالتالي فإنّ واشنطن تعارض، ظاهريّا، فكرة الأقاليم التي تحاول طهران، رغم رفضها لها، اللعب على حبالها عراقيّا لإشغال واشنطن بقضيّة فرعيّة بعيدا عن التهديدات بضربات عسكريّة للعمق الإيرانيّ!
موقع العراق الاستراتيجيّ يدفع واشنطن، التي كلفتها حرب احتلاله أكثر من (2.89) تريليون دولار، لاستمرار احتلالها غير العلنيّ للعراق، أو ربّما، أمام بغداد فرصة "للتحرّر" والدخول في مرحلة تسديد تكلفة الحرب والقواعد الأمريكيّة الضخمة داخل العراق، وهذا من المستحيلات بسبب هشاشة الامكانيات النقديّة العراقيّة الحاليّة!
أمريكا لن تترك العراق بسهولة، وهنالك العديد من المؤشّرات الدبلوماسيّة والعسكريّة على ذلك ومنها أنّ الرئيس ترامب، ورغم مرور أكثر من ثلاثة أشهر على تسنّمه المنصب، لم يسمّ سفيرا جديدا لواشنطن ببغداد، وحتّى اليوم تدار السفارة من قبل القائم بالأعمال "دانيال روبنستين"، وهذا مؤشّر على أنّ العراق ينتظره مرحلة "غامضة" في علاقاته مع واشنطن!
فهل ستبقى علاقات بغداد وواشنطن في مسارات تقديم الرشاوى العراقيّة الضخمة لواشنطن، أم أنّ الرئيس ترامب يملك في جعبته خطّة معدّة لتغيير الواقع العراقيّ؟