الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

هل ستكون اتفاقية خور عبدالله القشّة التي تقصم ظهر الاحتلال الإيراني للعراق؟

الشارع العراقي متعطّش للخلاص من عملاء إيران، واستعادة حقوقه المغتصبة من الكويت وغيرها

عبدالواحد الجصاني
السبت 3 مايو, 2025 10:07
 الحملة الإعلامية والسياسية التي يشهدها العراق اليوم رفضًا لاتفاقية خور عبدالله كانت في الأصل عملية محدودة ومحسوبة بتدبير إيراني للضغط على الكويت، لكن الشارع العراقي المتعطّش للخلاص من عملاء ولاية الفقيه واستعادة حقوق العراق المغتصبة من الكويت وغير الكويت تفاعل بقوة مع الحملة.

والسؤال هو كيف يمكن تحويل الغضب الشعبي على اتفاقية خور عبدالله ليكون نقطة انطلاق لانتفاضة شعبية تحرر العراق من الاحتلال الإيراني؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد من إقرار الحقائق التالية والبناء عليها:

أولًا: إن اتفاقية خور عبدالله بين العراق والكويت لعام 2012 باطلة، هي ودستور 2005 وكل ما نتج عن احتلال العراق الباطل من تشريعات وقوانين. فالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 لا يعطيان السيادة للمحتل على الأراضي المحتلة، ولا يعطياه الحق في تغيير القوانين السارية في الأراضي المحتلة قبل الاحتلال. والعراق لا يزال بلدًا محتلًا منذ سنة 2003، وايران تتحكّم اليوم في كل مفاصل الدولة، فالأحزاب الممسكة بالحكم إيرانية الولاء، والحشد الشعبي إيراني، وايران تتفاخر بأنها تحكم العراق، ومستشار الرئيس الإيراني لشؤون الأقليات علي يونسي اعتبر العراق "عاصمة إمبراطورية إيران الجديدة".

 

اتفاقية خور عبدالله بين العراق والكويت لعام 2012 باطلة، هي ودستور 2005 وكل ما نتج عن احتلال العراق الباطل من تشريعات وقوانين. فالقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف لعام 1949 لا يعطيان السيادة للمحتل على الأراضي المحتلة، ولا يعطياه الحق في تغيير القوانين السارية في الأراضي المحتلة قبل الاحتلال.

 

ثانيًا: قرار ترسيم الحدود البرية بين العراق والكويت بموجب قرار مجلس الأمن 687 (1991) هو الآخر غير شرعي وباطل بموجب القانون الدولي، فهذا القرار تجاوز قاعدة آمرة في القانون الدولي تقول إن "تخطيط الحدود بين دولتين لا يمكن الاضطلاع به بموجب القانون الدولي إلا باتفاق بين الطرفين، وفي حالة الخلاف بين الدولتين على ترسيم الحدود فإن الجهة القضائية المعنية به بموجب القانون الدولي هي محكمة العدل الدولية". والعراق وصف قيام مجلس الأمن بتشكيل لجنة لترسيم الحدود بأنه "يكاد يرقى لكونه عقد إذعان ليس للعراق أي حرية إرادة في الاتفاق الرضائي على مضامينه" وإن تشكيل لجنة ترسيم الحدود "لا يمكن أن يحقق العدالة والإنصاف". (انظر رسالة وزير خارجية العراق السيد أحمد حسين السامرائي إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 23 نيسان 1991).

 

ترسيم الحدود البرية بين العراق والكويت بموجب قرار مجلس الأمن 687 (1991) غير شرعي وباطل بموجب القانون الدولي، فهذا القرار تجاوز قاعدة آمرة في القانون الدولي تقول إن "تخطيط الحدود بين دولتين لا يمكن الاضطلاع به بموجب القانون الدولي إلا باتفاق بين الطرفين".

 

ثالثًا: دولة الكويت شريكة أساسية في جريمة غزو واحتلال العراق سنة 2003، ومنها انطلقت قوات الاحتلال الأميركي، وهي بالنتيجة المسؤول الثاني بعد الولايات المتحدة عن جميع الأضرار الناتجة عن الغزو والاحتلال الأميركي غير المشروع للعراق الذي هو جريمة حرب، وجريمة إبادة، وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.
ومثلما فرض مجلس الأمن على العراق عقوبات عديدة وتعويضات لإحتلاله الكويت فإن على الكويت أن تتوقع من العراق المحرّر مطالبتها بالتعويضات عن اشتراكها في جريمة احتلال العراق. وعلى القوى الوطنية العراقية أن تجعل حقوق العراق هذه ضمن أولوياتها، وترسّخها في ضمير أجيالنا القادمة.

رابعًا: منذ أن ورثت إيران أميركا كقوة احتلال للعراق عن طريق عملائها الذين كان أغلبهم مرتزقة في القوات الإيرانية التي قاتلت العراق خلال حرب الثماني سنوات، استخدمت ايران العراق بوابة لمشروعها الإقليمي للهيمنة على المشرق العربي، ومستعمرة تنهب خيراتها وتغرقها في الجهل والمخدرات وتمنع نهوضها الاقتصادي، كما استخدمت العراق رهينة تتفاوض عليه في مساوماتها الدولية واكتساب المغانم، فإن أرادت تحسين علاقات مع دولة ما أغرتها بامتيازات في العراق، وإن أرادت معاقبتها تحرمها من امتيازاتها في العراق، واتفاقية خور عبدالله نموذج لهذا الارتهان، فعندما أرادت إغراء الكويت بالتفاوض معها على تقاسم حقل الدرة الغازي في الخليج العربي سمحت لها بعقداتفاقية خور عبدالله التي تحرم العراق من حقوقه في البحر الإقليمي، بضمن ذلك حقه في المنطقة البحرية التي فيها حقل الدرة، كما حصلت إيران أيضًا على الرشوة التي قدمت لهادي العامري (لا تقل عن مليار دولار كما تقول التسريبات).

مثلما فرض مجلس الأمن على العراق عقوبات عديدة وتعويضات لإحتلاله الكويت فإن على الكويت أن تتوقع من العراق المحرّر مطالبتها بالتعويضات عن اشتراكها في جريمة احتلال العراق.

وعندما توقفت مفاوضات الكويت مع إيران حول تحديد الحدود البحرية بسبب ابتزاز ايران وطلبها حصة في حقل الدرة خلافا لقواعد الترسيم المعتمدة في معاهدة الأمم المتحدة لقانون البحار، أطلقت إيران حملة رفض اتفاقية خور عبدالله لكي توجّه رسالة إلى الكويت مفادها "إذا حرمتمونا من حقل الدرة فإن تابعنا العراق له حقوق في الحقل وسنجعله خنجرًا في خاصرتكم إلى أن تستجيبوا لمطالبنا".
إن ما يؤكد كون موضوع اتفاقية خور عبدالله ورقة ابتزاز بيد ايران هو أن الاتفاقية وقّعها الجندي السابق في القوات الإيرانية هادي العامري عام 2012 بصفته وزيرًا للنقل، وأحالها رئيس حزب الدعوة نوري المالكي إلى البرلمان للتصديق عليها، وصادق عليها برلمان العراق المحتل سنة 2013، ثم في 2023، أي بعد عشر سنوات اكتشفت المحكمة الاتحادية العراقية، بقدرة قادر، إن تصديق البرلمان على الاتفاقية غير قانوني كونها اتفاقية دولية كان يجب إقرارها بثلثي أعضاء البرلمان وليس بالأغلبية البسيطة! ثم في سنة 2025 يجري تحريك الرأي العام العراقي لرفض اتفاقية خور عبدالله.

 

دولة الكويت شريكة أساسية في جريمة غزو واحتلال العراق سنة 2003، ومنها انطلقت قوات الاحتلال الأميركي، وهي المسؤول الثاني بعد الولايات المتحدة عن جميع الأضرار الناتجة عن الغزو والاحتلال الأميركي غير المشروع للعراق الذي هو جريمة حرب، وجريمة إبادة، وجريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم.

وحتى في أوج هذه الحملة، لو قبلت الكويت إعادة التفاوض مع ايران حول الحدود البحرية مع تلميح باعطاء إيران جزءًا من حقل الدرة، فلا نستغرب إذا طلبت إيران من المحكمة الاتحادية العراقية سحب اعتراضها، أو أن تطلب من البرلمان العراقي عقد اجتماع عاجل لإقرار الاتفاقية بأغلبية الثلثين.

خامسًا: ما العمل؟
ما لم يكن في حسبان ايران وعملائها أن الحملة ضد اتفاقية خور عبدالله تصاعدت شعبيًا، وتحمست شخصيات وطنية عراقية، بضمنهم شباب تشرين، تدفعهم الغيرة الوطنية على حقوق العراق، والآن مطلوب تطوير هذه الحملة ضمن تصور شامل لإنهاء الاحتلال الإيراني للعراق، واسترداد حقوق العراق المغتصبة، وأن تتضمن الحملة توعية الرأي العام الوطني العراقي والتحرك على عدة جبهات لوضع حقوق العراق على الأجندة الوطنية والدولية.

وأدناه خطوات على الطريق:
1-الدعوة لمحاسبة من مرّر اتفاقية خور عبدالله التي ترقى إلى مستوى الخيانة العظمى، وهم هادي العامري ووفده الذي قبل رشاوى الكويت، ونوري المالكي وأعضاء البرلمان الذين صوّتوا على إقرار الاتفاقية.
2-تأكيد أن ترسيم الحدود بموجب قراري مجلس الأمن 687 و 833 باطل وغير شرعي، وأن البديل هو قيام العراق والكويت بالتفاوض الثنائي لترسيم الحدود بشكل منصفٍ ودائمٍ ينزع اللغم الذي زرعه مجلس الأمن بقراريه 687 و 833.
2-فتح ملف الحدود العراقية – الإيرانية، وتمدّد ايران في الأراضي العراقية وتغييرها مواقع الدعامات الحدودية على طول الحدود الممتدة حوالي 1600 كيلومتر، وخاصة في مناطق الحقول النفطية في محافظات ديالى وواسط وميسان والبصرة، والتي وافق وزير النفط الاحتلالي الأسبق حسين الشهرستاني، بناءً على أوامر أسياده، على اعتبارها حقولًا نفطية مشتركة مع إيران، وبدأت إيران باستخراج النفط والغاز منها. والمطالبة بتشكيل لجنة من الأمم المتحدة لتدقيق الحدود البرية ومدى مطابقتها للخرائط المودعة لدى الأمم المتحدة، وإنهاء كل التجاوزات الإيرانية على حدود العراق.
3-توجيه رسائل إلى المنظمات الدولية المختصة حول قيام إيران بقطع مياه أكثر من (40) نهر دولي كانت تصبّ في العراق، وتحويل مجاريها إلى الداخل الإيراني، وقيام تركيا بتشييد سدود على نهري الفرات ودجلة بدون التشاور والاتفاق مع دولتي المصبّ سوريا والعراق، وبما يخالف مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمصادر المائية الدولية والقاعدة العرفية الدولية الخاصة بالمسؤولية الدولية عن الإضرار بالغير، إضافة الى معارضتهما مبادئ حسن الجوار.

4- توعية الجمهور بأن حق العراق في التعويض عن الغزو والاحتلال الأميركي له حق أصيل يكفله القانون الدولي ولا يسقط بالتقادم طبقًا لاتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتبكة ضد الإنسانية لعام 1968، وهو غير قابل للمساومة أو التفريط به، وعندما تقام سلطة الشعب في العراق المحرّر سيكون لممثلي الشعب تقرير آلية المطالبة بالتعويضات من الدول التي شاركت في غزو واحتلال العراق، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والكويت وايران التي اعترفت بأنه لولا دعمها لما استطاع الأميركان احتلال العراق (تصريح نائب رئيس النظام الإيراني الأسبق محمد علي أبطحي)، واستخدمت عملاءها لإقامة عملية سياسية تحت الاحتلال، ولا زالت تحتل العراق من خلال هؤلاء العملاء.

سادسًا: خاتمة
مع أفول مشروع ولاية الفقيه الطائفي في المشرق العربي دخل هذا النظام مأزقه التاريخي، فهو يواجه خيارات كلها مرّة: فالأوربيون يطالبونه بتفكيك برنامجه النووي والصاروخي، ووقف التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو إعادة العقوبات الدولية الشاملة عليه، والاميركان يهدّدونه بإسقاط النظام برمّته إذا لم يقبل أن يدور في فلك "دونالد ترمب"، وفي داخل ايران تتصاعد حالة الاختناق الاقتصادي والاجتماعي، وثمة إمكانية كبيرة لاندلاع اضطرابات اجتماعية، وتتزايد القناعة لدى شعوب إيران بأن الحل الوحيد يكمن في التغيير الجذري للنظام القائم بكل أركانه. وهذه كلها تعطي للانتفاضة العراقية دوافع إضافية لتحويل اتفاقية خور عبدالله إلى القشة التي تقصم ظهر ولاية الفقيه في العراق.
والله المستعان

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram