الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

هل القمم وحدها دليل عروبتنا؟

مثنى عبدالله
الأربعاء 21 مايو, 2025 11:57
 كنا فتيانا صغارا حين أشهر مُعلّمنا خريطة كبرى أمامنا وقال، هذه خريطة وطنكم العربي، احفظوها في عقولكم وقلوبكم، ولا تنسوا أبدا فلسطين والأحواز ولواء الإسكندرونة وجبل طارق، فهذه كلها أراض عربية سليبة.

فحدود أمتكم من المحيط حتى الخليج، ثم راح يقرأ علينا بُكائيات الشاعر السوري سُليمان العيسى وهو يستذكر قريته في لواء الإسكندرونة، وأبياتا للشاعر العراقي مظفر النواب متسائلا عن (مَنْ هرّب هذه القرية من وطني؟ مَنْ ركّب أقنعة لوجوه الناس وألسنةٍ إيرانية؟)، حين اكتشف أن القرية التي دخلها في إيران كانت عربية، وليست إيرانية. وأردف مُعلّمنا قائلا، رددوا معي واحفظوا عن ظهر قلب هذا البيت من الشعر، (بلاد العُربِ أوطاني من الشامِ لبغدانِ، ومن نجدٍ إلى يمنٍ إلى مصر فتطوانِ).

وقد استمر هذا النهج التربوي يشعل النيران في الدماء، ويدفع الجميع للتفاعل مع كل حدث يقع في أي بقعة من بقاع الوطن العربي، غير آبهين بموقف الحاكم شاء أم أبى، ولا هيابين من سطوته وقسوته، ليتطور الأمر بأولئك الفتيان الصغار الذين كانوا يدسّون مصروفاتهم اليومية البسيطة بكرم باذخ في صناديق التبرعات، التي كان يحملها فتية فلسطينيون صغار في مثل أعمارهم، يجولون على مدارسنا مرتدين أزياء عسكرية وشارة مكتوب عليها (أشبال فلسطين)، تطور الأمر بهم للتبرع بالدماء والأرواح بعد أن أصبحوا شبابا، من خلال التطوع في المنظمات الفلسطينية الفدائية، فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وجبهة التحرير العربية وجبهة النضال الشعبي وجبهات أخرى.

وعلى الرغم من الاختلافات الأيديولوجية والتوجهات السياسية لهذه المنظمات، لكن الهدف كان واحدا وهو تحرير فلسطين، لذلك كانت بعض العمليات الفدائية مشتركة، وتشارك فيها عناصر من منظمتين أو أكثر، وكان أكثر ما يميز هذه المنظمات هو تعددية الانتماء القُطري، فتجد فيها قيادات فلسطينية وعراقية وسورية ولبنانية ومن أقطار المغرب العربي، وكذلك تجد فيها فدائيين من مختلف الجنسيات العربية، ما يولّد شعورا فطريا لدى كل واحد، بأن هذه الأمة أمة واحدة، وأن هذه المنظمات قد تحققت داخلها وحدة العرب، من خلال وحدة النضال من أجل فلسطين. لكن نهاية سبعينيات القرن المنصرم شهدت انكفاء واضحاً في هذا الشعور القومي تجاه القضية الفلسطينية، لأسباب اقتصادية أولا، ثم سلطوية، فقد حدثت قفزة كبيرة في أسعار النفط، لم تشهدها السوق العالمية من قبل. وكان من نتيجة ذلك حصول الدول النفطية العربية على عوائد مالية ضخمة، فانقسم العالم العربي بشكل صارخ إلى دول غنية وأخرى فقيرة. ولأن دول الطوق الفلسطيني كلها غير نفطية، فقد تصاعدت نبرة في الإعلام الحكومي تقول، لماذا نحن ندفع ثمن الجوار مع فلسطين، دماء وأموالا وتعطيلا في التنمية، بينما العرب البعيدون عن الجبهة يجنون أموالا طائلة، ويبنون ويطورون بلدانهم، حتى شاع في الإعلام المصري، تصوير لهذا التوجه يقول، إن مصر باتت مثل الأخت الكبيرة التي حرصت على حماية أخواتها الصغار ولم تبخل عليهن بشيء، لكن حين كبُرن تخليّن عنها، وتنكرن للواجب تجاهها، فبقيت هي ممزقة الثياب.

الإيمان بالقضية يقلب الحسابات التقليدية المُجردة، ويُضاعف الطاقات، ويخلق المُعجزات، ويناقض علوم الحساب والجبر

 

على الجانب الآخر كانت النبرة تقول، دعونا نتمتع بثرواتنا ونعيش في رفاهية ونبني وننفق على شعوبنا، وليذهب الفلسطينيون لتقرير مصيرهم، بالطريقة التي يريدون. وهذه النقلة الكبيرة في التوجه الرسمي العربي، هي التي قادت إلى التفكير بالتفاهم مع العدو بشكل فردي، السلام المنفرد مقابل الأرض القُطرية. فخرجت مصر من دائرة الصراع باتفاقيات كامب ديفيد. وعلى الرغم من الرد على هذه الخطوة المصرية في القمة العربية التي عُقدت في بغداد، بتخصيص ميزانية دعم بملايين الدولارات إلى دول الطوق، كي تبقى في مواجهة إسرائيل، إلا أن هذا الانحدار الواضح بالتخلي عن القضية الفلسطينية قد تدحرّج. فخرجت الأردن من ساحة الصراع باتفاقيات وادي عربة. وأمّنت سوريا لإسرائيل حدودها مع فلسطين، وذهبت حتى فتح الفلسطينية إلى أوسلو للتوقيع على اتفاقية سلام مع العدو. وأخيرا آلت الأمور إلى أن يتفق العرب على مبادرة سلام عربية مع إسرائيل، يتخلون فيها عن جزء من فلسطين، ويقبلون بحدود 1967 فقط مقابل السلام الذي لم يأتِ. وشهدت هذه الفترة قيام النظام الرسمي العربي بتحصين مواقعه السلطوية، بالاعتماد على القوى الدولية، والانتقال من التوسل بالقضية الفلسطينية لتثبيت شرعية وجوده في السلطة، كما كان يفعل من قبل، إلى شيطنة القضية الفلسطينية، والتثقيف على أنها العائق الوحيد، الذي يُعرقل عملية النهوض بالتنمية في البلاد، ثم تبع ذلك التنصل تدريجيا من قرارات المقاطعة العربية، والسماح ببروز أصوات تدعو للصلح مع الكيان الصهيوني، والتعامل معه والقبول به كدولة جوار، وعدم تجريم التواصل معه. وقاد كل ذلك إلى ما وصلنا إليه اليوم من جحود ونكران لصلة العروبة مع أشقائنا في فلسطين، فلا صلة دم ولا صلة دين، ولا تاريخ، ولا جغرافية باتت تجمعنا معهم، بل حتى ولا صلة الإنسانية، لذلك مُبرر ما قالته تلك الحُرة الفلسطينية وتقصد العرب (لا تشفع لهم يا رسول الله)، والأخرى تقول (أين أنتم نقول وامعتصماه، أليس في العرب معتصم).

لقد تفاخر العرب بعديدهم زمنا طويلا، وديوان الشعر العربي مليء بوصف ذلك. فالشاعر الفرزدق يقول إن قبيلته إذا عُد الحصا عنها يتخلّفُ، والشاعر عمرو بن كلثوم يقول إن قبيلته ملأت البر فضاق عنها، لكن الشاعر السموأل ناقض العدد بالنوع المتوفر في قبيلته فقال، فقلت لهم إن الكرام قليلُ. وها نحن نشهد اليوم في غزة انتصار النظرة النوعية على النظرة الكمية. فكل العرب لم يصمدوا في حروبهم مع إسرائيل سوى بضعة أيام، وها هم أهلنا في غزة صامدون ويقاتلون منذ أكثر من عام ونصف العام، ويدفعون بكرم قل نظيره الدماء والأرواح والأولاد من أجل الأمة جميعا. والسبب في ذلك أن الإيمان المتحقق فيهم قد حوّلهم من قلة نوعية إلى كُثرة نوعية. فالإيمان بالقضية يقلب الحسابات التقليدية المُجردة، ويُضاعف الطاقات، ويخلق المُعجزات، ويناقض علوم الحساب والجبر. إن حدث القمة العربية الأخيرة في بغداد ليست أكثر من رقم يضاف إلى سلسلة قمم عربية، شهدناها على مدى عقود من الزمن عالقة في الفراغ، يتغنى من على منبرها النظام الرسمي العربي، بقيم باتت منفية في الشارع العربي، لأنهم لم يجعلوها حقا منخرطة في واقع الأمة. فها هي فلسطين معزولة ووحيدة تجري الدماء فيها أنهارا، في حين نرى انسلاخا تاما عن معاني وقيم العروبة، إلى حد فقدان حتى أناقة الإحساس بالحياء السياسي.

نشر المقال هنا

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram