الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

ما دلالات تعثّر صفقة إطلاق سراح تسوركوف؟ وفي هذه المرحلة بالذات؟

النظام الإيراني ينفرد بممارسة (دبلوماسية الإرهاب) في علاقاته الخارجية

مصطفى كامل
الأحد 25 مايو, 2025 14:08
تسوركوف على شاطئ نهر دجلة.
تسوركوف على شاطئ نهر دجلة.
 جاء في الأخبار أن مسؤولًا أميركيًا أكد لموقع أكسيوس الإخباري الأميركي، مساء أمس السبت، أنه لا يوجد تقدم في مفاوضات إطلاق سراح المواطنة الروسية (الإسرائيلية) إليزابيث تسوركوف المختطفة في العراق منذ أكثر من سنتين.

وجاء تأكيد المسؤول الأميركي بعد أن راجت خلال الساعات الماضية معلومات أفادت أن إتمام صفقة إطلاق سراح تسوركوف بات قريبًا جدًا.

وكانت كتائب حزب الله العراقي اختطفت تسوركوف في بغداد في نهاية شهر آذار/ مارس أو بداية نيسان/ أبريل 2023، ولم تظهر بعد ذلك إلا في مقطع فيديوي مسجّل مقتضب في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، ثم اختفت منذ ذلك الحين حيث نقلت إلى إيران.

  • فما دلالات هذا الموقف الأميركي الرافض لإتمام الصفقة على النحو الذي أرادته الجهة الخاطفة، وفي هذا الوقت بالذات؟
  • وما هي دوافع خطف تسوركوف أصلا؟

 

أولًا: دلالات الرفض الأميركي

تفيد المعلومات أن كتائب حزب الله الإرهابية في العراق كانت تفاوض على إطلاق سراح هذه المختطفة من خلال قنواتٍ حكوميةٍ عراقيةٍ ممثلةً بمستشار الأمن القومي وعضو ميليشيات بدر الإرهابية قاسم الأعرجي الذي مثّل حلقة وصل الخاطفين مع الجهات الأميركية، وأن الميليشيا المذكورة اشترطت أولًا الحصول على فديةٍ ماليةٍ مقدارها 500 مليون دولار خُفّضت لاحقًا لتصل إلى مبلغ 200 مليون دولار، ثم أضيف إليها جملةٌ من المطالب الجديدة.

وتشمل سلسلة المطالب الجديدة إطلاق سراح كل من:

  1. الإرهابي الإيراني محمد رضا نوري، وهو أحد عناصر فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإرهابي الإيراني، الذي أدين بقتل المواطن الأميركي المقيم في العراق ستيفن إدوارد ترويل وحُكم عليه بالسجن المؤبد.
  2. اللبناني عماد أمهز العنصر البارز في حزب الله الإرهابي في لبنان الذي اختطفه الكوماندوز الصهيوني في تشرين الثاني 2024 من منزله في منطقة البترون شمال لبنان.
  3. ثلاثة إيرانيين مسجونون في العراق أيضا.

علمًا أن الجهات الأميركية المعنية تتأكد على نحوٍ دوريٍ من حقيقة سجن رضا نوري والثلاثة الآخرين في العراق لضمان عدم تهريبهم إلى إيران.

المسؤول في ميليشيات حزب الله اللبناني عماد أمهز

ومن بين مطالب ميليشيا كتائب حزب الله الموجّهة إلى الجهات الرسمية في العراق ضمان حصولها على فرصٍ غير محدودةٍ للاستفادة من تجارة النفط غير المشروعة في العراق، وهو ما يعني سرقة كمياتٍ من النفط الخام العراقي والمشتقات النفطية لتهريبها إلى خارج البلاد.

إذا كانت واشنطن غير راغبةٍ بتقديم مكافآتٍ لنظام طهران على أيِّ مستوى، وترفض إطلاق سراح سجينٍ في قضيةٍ جنائيةٍ وهي قضية غير ذات أهمية قياسًا لقضايا أخرى أكبر وأعقد فكيف لها أن تتنازل عن شرطها الأساسي في الملف النووي الإيراني؟!

في الحديث عن دلالات الرفض الأميركي لإطلاق سراح المجرم الإيراني رضا نوري ينبغي لنا أن نشير إلى أن هذه المفاوضات تجري في ظل المحادثات الأميركية الإيرانية حول الملف النووي الإيراني، وهذا يعني أن واشنطن برفضها هذا الطلب غير راغبةٍ بتقديم مكافآتٍ لنظام طهران على أيِّ مستوى، فإذا كانت ترفض إطلاق سراح سجينٍ في قضيةٍ جنائيةٍ وهي قضية يمكن أن تكون غير ذات أهمية قياسًا لقضايا أخرى أكبر وأعقد فكيف لها أن تتنازل عن شرطها الأساسي في الملف النووي الإيراني وهو إنهاء برنامج تخصيب اليورانيوم في إيران بشكلٍ كامل، بما يتضمّنه ذلك من تفكيك المنشآت والمعدات وتدميرها بالكامل، وتسليم كميات اليورانيوم المخصّبة وترحيلها إلى خارج إيران، والتأكد من عدم السماح للنظام بإعادة بناء برنامجٍ جديدٍ للتخصيب بأيِّ بنسبة مهما كانت وفي أي وقتٍ كان؟!

كما أن الرفض الأميركي لهذا المطلب يعني وضع حجر عثرةٍ إضافيٍ في طريق المحادثات النووية، إضافة إلى عثراتٍ أخرى تتعمّد واشنطن وضعها منها استمرارها في فرض مزيدٍ من العقوبات على طهران بخصوص برامج التسلّح الصاروخي، وصناعة المسيّرات، والأنشطة النووية المختلفة وغيرها من البرامج التسليحية الإيرانية، إذ بينما تمنّي إيران نفسها برفع العقوبات المفروضة عليها أو تخفيفها في أقلّ تقديرٍ فإن واشنطن تعمل على فرض المزيد منها ما يعني إلحاق مزيدٍ من الأذى بالنظام وتعطيل المزيد من قدراته على التلاعب بالمجتمع الدولي، والحيلولة دون تهرّب النظام من العقوبات وتحايله على القيود المفروضة من حوله.

ولأن النظام الميليشياوي في العراق، ورئيس وزرائه محمد شياع السوداني تحديدًا، يطرح نفسه باعتباره وسيطًا قادرًا على تحقيق تسوياتٍ في ملفاتٍ شائكةٍ فإن فشل هذه الصفقة يعني فشلًا لمساعي السوداني وحكومته في تلميع صورتهما أمام الولايات المتحدة، وفي تقديم النظام لنفسه باعتباره وسيطًا نزيهًا ناجحًا كما يحاول أن يتحذلق أمام العالم.

الأمر الأهم الآخر في هذا الخصوص، فإن إدراج اسم رضا نوري في الصفقة يعني ببساطة أن إيران هي من تدير حكومة السوداني بشكلٍ كامل، وأنها تفرض عليها خطواتها في جميع المجالات، حتى وإن تعارضت تلك الخطوات مع مصالح النظام، إذ أن إطلاق سراح تسوركوف يمثّل مصلحةً مباشرة لسلطة الميليشيات بالدرجة الأساس من حيث إنهاء ملفٍ شائكٍ في العلاقة بين نظام بغداد وواشنطن، بينما إطلاق سراح رضا نوري، وهو مجرمٌ محكومٌ في قضيةٍ جنائيةٍ يعني مصلحة للنظام الإيراني بالدرجة الأولى والأخيرة.

فشل هذه الصفقة يعني فشلًا لمساعي السوداني وحكومته في تلميع صورتهما أمام الولايات المتحدة، وفي تقديم النظام لنفسه باعتباره وسيطًا نزيهًا ناجحًا كما يحاول أن يتحذلق أمام العالم.

جدير بالذكر، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وجّه في وقتٍ سابقٍ تحذيراتٍ رسميةٍ لبغداد مطالبًا بإطلاق سراح تسوركوف، طالبة الدكتوراه في جامعة برينستون الأميركية، والزميلة في معهد نيولاينز للاستراتيجيات والسياسة (the Newlines Institute for Strategy and Policy)، بينما دعت وزارة الخارجية الأميركية نظام بغداد إلى إطلاق سراح تسوركوف فورًا، مؤكدةً أن واشنطن لا تتهاون مع احتجاز رهائن سواءً من مواطنيها أو من شركائها.

وفي شباط/ فبراير الماضي زار المبعوث الأميركي الخاص بشؤون الرهائن آدم بولر العراق واجتمع مع السوداني في مسعى مخصّصٍ لتأمين إطلاق سراح تسوركوف، ويعكس هذا الاجتماع تحميل واشنطن لحكومة السوداني المسؤولية عن اختطافها وعن عدم إطلاق سراحها بشكلٍ مباشرٍ وصريح.

 

ثانيًا: دوافع خطف تسوركوف

تقدم لنا هذه العملية صورة واضحة المعالم عن الكيفية التي يُدير بها نظام ولاية الفقيه في إيران علاقاته الدولية، وكيف يستخدم عملياته الإرهابية وأذرعه الإجرامية الإقليمية في الحصول على مكاسب هنا أو هناك.

قلنا أن تسوركوف خطفت في نهاية آذار أو مطلع نيسان 2023، وحينها لم تكن معركة "طوفان الأقصى" قد اندلعت في قطاع غزة، ولا كان الكوماندوز الصهيوني قد اختطف اللبناني عماد أمهز، فلماذا اختُطِفت إذًا؟!

تتّبعنا خيوط الحدث وخلفياته فوجدنا أن فيلق القدس اغتال المدرس الأميركي ترويل الذي يقيم وعائلته في العراق في الأسبوع الأول من شهر تشرين الثاني 2022 بزعم الانتقام لمصرع زعيمه قاسم سليماني مطلع سنة 2020، وأن المتهم باغتياله وهو الإيراني محمد رضا نوري قد ألقي القبض عليه بعد جهدٍ استخباريٍ أميركيٍ في آذار 2023 وحوكم أمام محكمةٍ عراقيةٍ وأودع في سجنٍ عراقيٍ ويخضع لتدقيقٍ أميركيٍ دوريٍ كما أوضحنا في أعلاه.

الأميركي ترويل وزوجته في بغداد

 

وبالربط بين تفاصيل هذه المشاهد (اغتيال ترويل، القبض على رضا نوري، خطف تسوركوف، ثم التفاوض لإطلاق سراحها) نجد ببساطة أن إيران هي من أمَرَت ميليشيا كتائب حزب الله في العراق بخطف تسوركوف لتوظيف العملية في سياساتها الابتزازية مع الولايات المتحدة، سواءً بهدف إطلاق سراح رضا نوري تحديدًا، أو في أي حالةٍ مماثلةٍ مستقبلًا، علمًا أن نظام ولاية الفقيه ارتكب خلال العقود الأربعة والنصف المنصرمة المئات من جرائم خطف الأجانب (أميركيين وأوروبيين) خارج إيران؛ والمئات من عمليات اعتقال غربيين من جنسياتٍ مختلفةٍ داخل إيران وكلها بقصد الابتزاز المادي أو السياسي، أو كليهما، وبعبارة أخرى فإن النظام يُمارس (دبلوماسية الإرهاب) بشكلٍ صارخ، حيث أن سياسة النظام الخارجية مع دول العالم تقوم على العمليات الإرهابية ومنها خطف مواطني الدول الأجنبية بهدف ابتزازها، وهذه (نظرية) في العلاقات الدولية يتفرّد بها نظام ولاية الفقيه في العالم.

إذا كان النظام الإرهابي في إيران نجح في عمليات ابتزازٍ سابقة فإن حبل ألاعيبه وممارساته الإرهابية يبدو قصيرًا جدًا هذه المرة، فلا الولايات المتحدة راغبةً في منحه فرصةً جديدةً لفرض شروطٍ ابتزازية، ولا الظروف الإقليمية الحالية تسمح له بالمزيد من التقافز بين الخنادق واللعب على الحبال.

هذه القضية تكشف أيضًا للذين ما تزال ثمة غشاوة على أعينهم كيف أن إيران أنشأت هذه الميليشيات في العراق ولبنان واليمن وأماكن اخرى لتكون أذرعًا إرهابية لها، وأنها تستخدمها لمصالحها هي حصرًا، ولو كانت على حساب مصالح الدول التي نشأت فيها والتي تجنّد أبناءها في صفوفها وتستولي على أموالها كما يحدث في العراق بشكلٍ صارخ.

من المفيد هنا أن نشير إلى أن رضا نوري كان أحد العناصر الإيرانية البارزة التي قاتلت ضد الشعب السوري وارتكبت أبشع الجرائم بحقه، وكانت له علاقة وثيقة مع زعيم فيلق القدس قاسم سليماني.

رضا نوري وقاسم سليماني في سوريا

كما أنه بعد مغادرته الأراضي السورية عَمِل على تعزيز النشاط الاستخباري والعسكري والإعلامي لميليشيا النجباء الإرهابية في داخل العراق، وفي تأسيس بعض أذرعها الإعلامية (قناة صابرين نيوز على برنامج تلغرام مثلًا) وكان مقرّبًا من زعيم هذه الميليشيا الإجرامية الإرهابي أكرم الكعبي.

رضا نوري مع زعيم ميليشيا النجباء أكرم الكعبي ومعمّمين

غير أنه إذا كان النظام الإرهابي في إيران قد نجح في عمليات خطفٍ وابتزازٍ مماثلةٍ سابقًا فإن حبل ألاعيبه وممارساته الإرهابية يبدو قصيرًا جدًا هذه المرة، فلا الولايات المتحدة في عهد رئيسها ترمب راغبةً في منح هذا النظام فرصةً جديدةً لفرض شروطٍ ابتزازية، ولا الظروف الإقليمية الحالية تسمح لهذا النظام باستمرار التقافز بين الخنادق واللعب على الحبال.

 

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram