

وجاء ما نشرته الجهات الأميركية مختلفًا عمّا نشرته الجهات العراقية، وهذه حالة لمسناها كثيرًا في المرحلة الماضية، حيث يركّز كل طرف على ما يعنيه في الموضوع، مع ملاحظة أن ما ينشره الجانب العراقي يركّز دائمًا على ما يخدم السلطة في الاستهلاك الداخلي، وبما يرضي الميليشيات المسلحة التي تعتمد عليها السلطة وجودًا واستمرارًا ابتداءً وانتهاءً، وهو في الغالب كلام إنشائي لا يمتُّ إلى حقائق الأمور بصلة.
لكن طريقة تناول الجهات الرسمية الأميركية لما جاء في الاتصال الأخير بين روبيو والسوداني جاءت مختلفة كثيرًا عن المألوف في حالات مماثلة.
جاء البيان الرسمي الأميركي بعباراتٍ مقتضبة، صارمةٍ للغاية، وبلهجةٍ آمرةٍ واضحةٍ جدًا لا تترك مجالًا لتأويلات دبلوماسية أو حذلقات لفظية أو مناورات سياسية مما قد يسمح للطرف الآخر بالهروب إليها.
على الجانب الأميركي نقرأ في البيان الرسمي المنشور على صفحة وزارة الخارجية الأميركية لغة غير دبلوماسية بالمطلق، حيث خلا البيان الرسمي من أي عبارة ذات صبغة دبلوماسية مما اعتاد العالم قراءته في حالات مماثلة، فقد كان حافلًا بالمفردات الجافة، مليئًا بالأوامر، خاليًا تمامًا من المجاملات الدبلوماسية والعبارات المنمّقة مثل "الحرص على العلاقات الثنائية، والعمل على تطويرها بما يخدم المصالح المشتركة" وهي عبارة لازمة تحفل كل البيانات الرسمية في العادة بها.
البيان الرسمي الأميركي عبّر من خلال الأسلوب غير الدبلوماسي، والكلمات الصارمة القاطعة، والعبارات الآمرة عن عدم قناعته بما ساقه الطرف المقابل، السوداني، من حججٍ وتبريرات.
فقد جاء البيان الرسمي الأميركي عن المكالمة التي كانت متوترة ودامت نحو نصف ساعة، استهلكت الترجمة نصف مدّتها تقريبًا، بعباراتٍ مقتضبة، صارمةٍ للغاية، وبلهجةٍ آمرةٍ واضحةٍ جدًا لا تترك مجالًا لتأويلات دبلوماسية أو حذلقات لفظية أو مناورات سياسية مما قد يسمح للطرف الآخر بالهروب إليها لو شاء، كما حمّل المسؤولية عن كل القضايا الخلافية التي تحدث بها الوزير الأميركي للسلطة في بغداد بشكلٍ واضحٍ، علمًا أن كل المسائل التي نوقشت تعتبر في عرف العلاقات الدبلوماسية الطبيعية تدخلًا أميركيًا في الشؤون الداخلية للعراق.
ليس هذا فحسب، بل إن البيان الرسمي الأميركي عبّر من خلال الأسلوب غير الدبلوماسي، والكلمات الصارمة القاطعة، والعبارات الآمرة عن عدم قناعته بما ساقه الطرف المقابل، السوداني، من حججٍ وتبريرات.

يقول البيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية والمنشور هنا إن "وزير الخارجية ماركو روبيو شدّد في حديثه مع رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني على أهمية محاسبة الحكومة العراقية للجناة (منفذي الهجمات الأخيرة على المواقع النفطية والغازية في شمال العراق)، وعلى منع الهجمات المستقبلية".
كما أشار الوزير إلى "أهمية دفع رواتب إقليم كردستان العراق باستمرار، واستئناف صادرات النفط عبر خط أنابيب العراق-تركيا".
كما "كرّر الوزير مخاوف الولايات المتحدة الخطيرة بشأن مشروع قانون الحشد الشعبي المعلق حاليًا في مجلس النواب"، مؤكدًا أن "أي تشريع من هذا القبيل من شأنه أن يضفي الطابع المؤسسي على النفوذ الإيراني والجماعات الإرهابية المسلحة التي تقوّض سيادة العراق".
بعبارة أخرى، يمكن القول إن الوزير روبيو أمر رئيس وزراء النظام في بغداد بمحاسبة الجناة، لأن السوداني يعرف الجناة بدقة، وليس التحقيق في الهجمات والبحث عن الجناة فهذا أمر لم يعد ذا أهمية بعد اتّضاح الحقائق في هذا الصدد، كما أمره بمنع الهجمات المستقبلية، لأن معرفة السوداني بالمنفّذين، وهو أمر محسومٌ كما قلنا، توجب عليه منعهم تمامًا من ممارسة هذه الأعمال التخريبية في المستقبل، حيث أن مهام منصبه باعتباره رئيسًا للوزراء وقائدًا عامًا للقوات المسلحة تقضي بذلك.
كما أمر روبيو السوداني بدفع رواتب موظفي إقليم كردستان العراق باستمرار، وعدم استخدام رواتب الموظفين ورقة ضغطٍ سياسيٍ في تصفية مشاكل بغداد مع أربيل، وطالبه باستئناف صادرات النفط العراقي عبر الموانئ التركية.
لكن النقطة الأخيرة والأهم في الاتصال كانت تأكيد وزير الخارجية الأميركي على أن الولايات المتحدة لديها مخاوف وُصفت بـ "الخطيرة" من مشروع قانون الحشد الشعبي، المعلّق في مجلس النواب ببغداد، وأن واشنطن تعتقد أن تشريع هذه القانون وأي قانونٍ من هذا القبيل يعني جعل نفوذ إيران في العراق، ووجود الجماعات الإرهابية المسلحة التي تقوّض سيادة العراق نفوذًا ووجودًا مؤسساتيًا، وهو أمر ترفضه واشنطن بقوة وبصراحة.
ببساطة لأنها كانت محور الاتصالات الأميركية مع بغداد والتي تكرّرت خلال الآونة الأخيرة على مستويات مختلفة، كان آخرها يوم الاثنين 21 تموز/ يوليو الجاري خلال زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" الجنرال مايكل كوريلا الذي التقى السوداني في بغداد وحمل إليه قرارًا أميركيًا واضحًا بضرورة حلّ الميليشيات ونزع سلاحها بالكامل في غضون بضعة أشهر على ألّا تتجاوز المدة الزمنية الممنوحة لبغداد نهاية العام الحالي، كما نقل خلال الزيارة إلى بغداد تفاصيل كاملة عن الهجمات التي نفّذتها ميليشيات الحشد الشعبي ضد مواقع نفطية وغازية في شمال العراق مؤخرًا، وهي معلومات تجعل مجال مناورة السوداني وسلطته معدومًا تماما.
وزير الخارجية الأميركي لم يتحدث بشأن قانون الحشد الشعبي المعلّق في مجلس النواب حاليًا فحسب، وانما شمل حديثه أي قانونٍ من هذا القبيل في المستقبل أيضا.
كما أن هذه النقطة هي الأهم لأنها جاءت بعد كلامٍ كثيرٍ من جانب بغداد قالت فيه إن "واشنطن لم تتحدث معها بشأن مصير الحشد"، وأكدت أن "مصير الحشد قرار سيادي عراقي لا تسمح بغداد لأي جهة بالحديث فيه"، وهو كلامٌ لا قيمة له في الحقيقة، لأن سلطات بغداد تعلم جيدًا أن واشنطن لديها كل الحق في الحديث والتصرف في هذا الخصوص، لأسبابٍ يطول شرحها، وقد جاءت مكالمة روبيو الليلة الماضية لتؤكد ان واشنطن لا تتكلم في هذا الموضوع فحسب، بل تقرّر أيضًا وتفعل كذلك.
وهذه القضية مهمة أيضًا لأن وزير الخارجية الأميركي لم يتحدث بشأن قانون الحشد الشعبي المعلّق في مجلس النواب حاليًا فحسب، وانما شمل حديثه أي قانونٍ من هذا القبيل في المستقبل أيضًا، بمعنى أن أي محاولةٍ مستقبليةٍ من جانب بغداد للتلاعب والتحذلق والمناورة ستكون مرصودة في واشنطن، وهي مرفوضة سلفًا، وأن رصد محاولات التذاكي الغبية المتوقعة ورفضها لم يبق سرّا أو قيد التخمين والتحليل، وإنما أفهم للجانب العراقي علنًا وبوضوح.

الإعلان الرسمي العراقي عن المكالمة المنشور هنا يستحق هو الآخر تثبيت عددٍ من الملاحظات المهمة، فقد جاء كالعادة حافلًا بكلام للاستهلاك الداخلي عن العلاقات الثنائية واستعراض أوضاع المنطقة، وهو كلامٌ مكرّرٌ ولا قيمة له في الحقيقة.
ومما لفت نظري فيه أولًا أن كاتبه بدا على قدرٍ كبيرٍ من الأمية السياسية والجهل بالحقائق والانفصال عن الواقع، وذلك عندما تحدث عن "استدامة اتفاقات وقف إطلاق النار، ووقف العدوان" إذ لم تشهد المنطقة خلال السنة الأخيرة أي اتفاق معتبرٍ في هذا الصدد، وكل ما يمكن الإشارة إليه هو الاتفاق المؤقت المرحلي بين حركة حماس والكيان الصهيوني المبرم في 15 كانون الثاني/ يناير 2025 والذي انهار عمليًا في 18آذار/ مارس 2025، بينما يجري الآن التباحث في العاصمة القطرية حول اتفاق آخر، فأين هي الاتفاقات القائمة التي يتحدث البيان الرسمي العراقي عن استدامتها؟!
كما جاء في البيان أن الأجهزة الأمنية تتابع مصادر الهجمات مع التحالف الدولي لمحاربة داعش. وهذا كذبٌ محض مفضوحٌ لكن السوداني بموقعه المسؤول المعروف لا يستحي منه، إذ أن الجنرال كوريلا أبلغ السوداني الاثنين الماضي بكل التفاصيل في هذا الخصوص، مما يعني أن الملف أُغلق من جانب الولايات المتحدة والتحالف الدولي ولم يعد هناك ما يمكن البحث فيه مجددا.
أما إشارة السوداني إلى "اتفاق المبادئ بين وزارة النفط والشركات الأميركية المستثمرة العاملة في شمال العراق المعلن مؤخرًا" واستغرابه "لتزامن هذه الهجمات التي طالت المواقع النفطية والغازية مع إعلان هذا الاتفاق" فهو مجرد محاولة فاشلة لإقناع واشنطن أن سلطة بغداد وميليشياتها لا علاقة لها بهذه الهجمات، بدلالة أن سلطة بغداد، الميليشياوية طبعًا، توصلت مع الشركات الأميركية إلى اتفاقٍ بشأن استثمار الحقول النفطية المعنية، وأن هذه الهجمات جاءت بعد توقيع الاتفاق.
وفي النقطة الأهم المتعلقة بمصير ميليشيات الحشد الشعبي، قال بيان السوداني إن الاتصال مع وزير الخارجية الأميركي تطرّق إلى "قانون الحشد الشعبي، وأن طرح هذا القانون أمام مجلس النواب يأتي ضمن مسار الإصلاح الأمني الذي انتهجته الحكومة، وهو جزء من البرنامج الحكومي المعتمد من مجلس النواب" مشيرًا في هذا الخصوص إلى "إقرار قانوني جهازي المخابرات والأمن الوطني".
البيان الرسمي الصادر من سلطة بغداد لا يعني في موازين العلاقات الدولية شيئًا، ولا يقترب من الحقيقة بأيّ مقدار.
والسوداني يعرف قبل غيره أن قانون الحشد يختلف كليًا عن القانونين الآخرين، حيث أن قانوني المخابرات والأمن يتعلّقان بمؤسساتٍ حكومية موجودة في الهياكل الوظيفية لكل الدول، بصرف النظر عن طبيعة هذين الجهازين في العراق وممارساتهما في الواقع إذ أن حديثنا اليوم لا يتعلّق بهذه الممارسات المعروفة للجميع، بينما قانون الحشد يتعلق بميليشياتٍ خارج سلطة الحكومة بالكامل لكنها تتموّل وتتسلّح وتتجهّز وتدفع رواتب عناصرها من المال العام، وهي حالة شاذة لا توجد إلا في العراق.
والسوداني يعرف قبل غيره أن الادعاء الوارد في البيان الرسمي العراقي بكون "الحشد الشعبي مؤسسة عسكرية عراقية رسمية تعمل في ظل صلاحيات القائد العام للقوات المسلحة" كلامٌ تافهٌ مردودٌ على قائله، وهو لا يقنع طفلًا في بغداد فكيف له أن يقنع وزير الخارجية الأميركي في واشنطن؟!
ختاما
البيان الرسمي الأميركي يختلف بالكامل لغة وأسلوبًا ومضمونًا عن كل البيانات الأميركية السابقة ذات الصلة، وهو منافٍ تمامًا لأصول المخاطبات الدبلوماسية بين الدول، رغم صدوره عن أعلى جهة دبلوماسية في واشنطن، وهو يتضمن أوامر وقراراتٍ صارمةٍ واضحةٍ، ولا يحمل توصياتٍ أو ملاحظاتٍ أو طلباتٍ، ولا يعرب عن تمنيات، كما أنه بقدر اتصال الأمر بموضوع الحشد لا يتعلّق بما هو قائمٌ من قانون يناقش حاليًا في مجلس النواب ببغداد فحسب وانما يتعلق بأي صيغة تتصل بالحشد مستقبلًا، وهذا بالغ الأهمية لأنه يعني تغيّرًا ليس في اللهجة الأميركية تجاه نظام بغداد فحسب، بل تغيّرٌ في فهم واشنطن لحقيقة الأمور في بغداد، وتغيرٌ في الرؤية الأميركية لكيفية التعامل مع الواقع العراقي، وفي كيفية التصدي له في المستقبل الذي يُتوقع أن يكون قريبا.
أما البيان الرسمي الصادر من سلطة بغداد فهو لا يعني في موازين العلاقات الدولية شيئًا، ولا يقترب من الحقيقة بأيّ مقدار.