

وتبعًا لذلك أصبح العبث بالوحدة الجغرافية والاجتماعية والسياسية لهذه الدول، وتفتيت نسيجها الاجتماعي، على أيِّ اعتبارٍ كان، أصبح جريمةً سياسيةً وأخلاقيةً ذات أبعادٍ تاريخيةٍ عديدةٍ، جريمةٌ تتجاوز الحاضر الذي قد يكون ملتبسًا أو مرتبكًا إلى المستقبل الذي ينبغي أن يكون واضحًا ومستقرا.
العبث بوحدة الدول العربية ليس مجرّد خطأٍ سياسيٍ عابرٍ أو تصرفٍ تكتيكيٍ يمكن تلافي آثاره لاحقًا، بل جريمة استراتيجية بالغة الخطورة تضرب الأمن القومي العربي، وتهدّد نسيجَ دولهِ، وتجعل القائمين به يقفون في خندقٍ واحدٍ مع أعداء الأمة العربية.
والمؤكد أن جريمة العبث باستقرار تلك الدول ووحدتها لا تقف عند الحدود الجغرافية للدولة المعنية المستهدفة بهذا العبث فقط بل تتعدّاها إلى دولٍ أخرى؛ حيث التنوّع العرقي والديني والاجتماعي موجودٌ في كل الدول العربية بلا استثناء، كما وجدنا عند عبث بعضهم في حالة العراق مثلًا التي امتدّت لتصيب بعض جوارِ هذا البلد العربي، إذ ينبغي لهذا التنوع العرقي والديني والاجتماعي أن يكون عامل إثراءٍ ووحدةٍ للأمة لا عامل إفقارٍ وفرقةٍ بين أبنائها، أو تآمرٍ من جانب بعض حكوماتها.
على الإطلاق لا يمكن اعتبار هذا العبث مجرّد خطأٍ سياسيٍ عابرٍ أو تصرفٍ تكتيكيٍ اقتضته ظروفٌ ملتبسةٌ في لحظةٍ ما وقد يمكن التراجع عنه أو تصحيح مسارهِ أو تلافي آثارهِ بجهدٍ سياسيٍ في مرحلةٍ لاحقة، إنه جريمة استراتيجية بالغة الخطورة تضرب الأمن القومي العربي في صميمه، وتهدّد نسيجَ دولهِ في أعماقه، وتجعل القائمين به يقفون في خندقٍ واحدٍ مع أعداء الأمة العربية الذين لا يُخفون مخطّطاتهم في هذا الخصوص.
تستوي في هذه الجريمة الاستراتيجية محاولات العبث بوحدة العراق وسوريا واليمن والسعودية ومصر والمغرب والسودان والصومال وأيّ دولةٍ عربيةٍ أخرى قد تسمح طبيعة تكوينها، للمتآمرين من الخارج، إسرائيل وإيران على وجه التحديد، وللعملاء والمرتزقة والباحثين عن أدوارٍ أيًا كانت في الداخل، بالعبث والتقسيم على أسسٍ عرقيةٍ (عرب/ أكراد) أو دينية (مسلمين/ مسيحيين، سنة/ شيعة) أو اجتماعية (قبلية) أو حتى لاعتباراتٍ جغرافيةٍ (جنوب/ شمال) مثلا.
والأدهى أن أطرافًا عربية، رسمية أو غير رسمية، في بعض دولنا هي من تتولى ارتكاب هذه الجرائم، وهي من تتفنّن في تزويقها إعلاميًا، وضخّ سمومها بين الناس مستخدمةً لافتاتٍ شتى، ومستغلةً أوضاعًا صعبةً عاشتها تلك الدول والمجتمعات في مراحل سابقة، أو تعيشها الآن، متناسيةً أن إشعالَ حريقٍ في بيت الجار سيؤدي إلى احتراق بيت الجاني أيضًا، ومتجاهلةً أن كلّ محاولة للعبث مرصودةٌ ويمكن معرفة القائمين بها بسهولة.
نعم هذا ما يجري اليوم في أكثر من دولةٍ عربية، فمتى ينتهي العابثون عن المضيّ في هذه الجريمة الاستراتيجية، ويكفّوا أيديهم عن إشعال مزيدٍ من الحرائق في جسد الأمة العربية الذي لا يحتمل مواضعَ جديدةً لخبث أصحاب الفتن وحماقات مغامرات العابثين، متى؟!
والله الموفق والمستعان