

من هذا المنطلق لم يكن توصيف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في كلمته خلال منتدى ميونيخ للأمن المنعقد حاليًا، للنظام في طهران بأنه "نظام شيعي راديكالي" تفصيلاً لغويًا عابرًا، بل مؤشرًا على تحوّلٍ أعمق في تعريف طبيعة هذا النظام، وموقعه في معادلة الصراع الإقليمي، ومديات هذا الصراع وتفاصيله.
فعلى مدى عقود، تجنّب الخطاب الأميركي الرسمي إدراج البعد الطائفي ضمن توصيفه لإيران، مفضّلًا عبارات عامة مثل "النظام الإيراني" أو "الجمهورية الإسلامية" أو "النظام الثيوقراطي" أو حتى "النظام الإسلامي الإيراني"، أما اليوم، فإن إدخال الهوية المذهبية في صُلب التوصيف، مقرونةً بصفة "الراديكالية" يشي بأنّ واشنطن لم تعد ترى المشكلة في سلوك هذا النظام فقط، بل في البنية الآيديولوجية التي تنتج هذا السلوك وترسم أبعاده ومحاوره.
منذ غزو العراق، وفي مرحلة التمهيد له، تبنّت واشنطن خطابًا مهادنًا أحيانًا للقوى المرتبطة بطهران، ومتحالفًا معها في أحيان أخرى، فهل يشير توصيف "النظام الشيعي الراديكالي" إلى نهاية تلك المرحلة وبداية صفحة مواجهة مفتوحة؟
أما الآن فلم يكتفِ وزير الخارجية الأميركي بالحديث عن ضرورة تقويض البرنامج النووي الإيراني، بل اختار توصيفًا بالغ الدلالة حين وصفه بأنه برنامج "النظام الشيعي الراديكالي في طهران"، فهل يمثّل هذا التوصيف، بما يحمله من تحديدٍ مذهبيٍ وآيديولوجيٍ مباشر، لحظةً فارقةً في تطوّر الخطاب السياسي الأميركي تجاه النظام الحاكم في إيران؟
بكلمة بسيطة ومباشرة: نعم. لأن المسألة هذه المرة ليست مجرّد تشديد في اللغة، بل تحوّل في تعريف طبيعة العدو، وفي مديات ومفردات الصراع معه.
تطور الخطاب الأميركي منذ عام 1979
منذ قيام الثورة الإيرانية، تعاطت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع إيران بوصفها "جمهورية إسلامية"، أو "نظامًا ثيوقراطيًا"، أو "نظامًا معاديًا للمصالح الأميركية". وحتى في ذروة الخطاب المحموم بشأن "محور الشر" في عهد جورج بوش الابن، لم يجرِ التركيز رسميًا على البعد الطائفي للنظام الحاكم في طهران بوصفه عنصرًا تعريفيًا له، مع أن النظام لا يُخفي وجهه الطائفي ولا يتحرّج في إعلانه، بل يفعل ذلك صراحة في دستوره، ويتحدث عنه في خطابه السياسي، ويمارس الطائفية بأبشع صورها في سلوكه اليومي داخل جغرافية إيران وخارجها.
فعند التعامل مع القوى غير "السنية" كان هناك دائمًا حرص أميركي على تجنّب (الانزلاق) إلى توصيفاتٍ قد تُفهم كاصطفافٍ مذهبي، خصوصًا في بيئةٍ شرق أوسطيةٍ حساسة. لذلك ظلّ النقد الأميركي موجّهًا إلى سياسات النظام الإيراني: دعمه لجماعاتٍ مسلحة، برنامجه النووي، قمعه الداخلي.. الخ، أما هويّته الطائفية فبقيت بعيدة تمامًا حتى عن الهامش الخطابي.
اليوم، للمرة الأولى، تنتقل الهوية المذهبية من الهامش إلى المتن، ومن التفاصيل العرضية إلى الجوهر الاستراتيجي.
إعادة قراءة تجربة العراق
عقب غزو العراق انخرطت واشنطن في عملية إعادة تشكيل النظام السياسي العراقي على قاعدة "تمكين الأغلبية" المزعومة.
عمليًا، أتاح ذلك صعود قوى سياسية ذات مرجعية شيعية وثيقة الصلة بطهران، أو تابعة لها كليًا في الحقيقة.
في ذلك الوقت، سادت مقاربة داخل بعض الدوائر الغربية ترى في هذه القوى شريكًا ممكنًا، بل فاعلًا، في بناء نظامٍ ديمقراطي، مستندةً إلى سردية "المظلومية التاريخية التي تعرّض لها الشيعة في العراق"، رغم كون هذه السردية متهاوية تمامًا وتدحضها وقائع التاريخ.
في إطار هذه السردية، رغم خطئها الشنيع وتهافتها البيّن، قُدِّمت القوى (الشيعية) إلى العالم على أنها تعبير عن اعتدالٍ ديني، وتوقٌ إلى الحرية، لا عن مشروعٍ آيديولوجي عابر للحدود. وفي المقابل، كانت صفة "الراديكالية" أو "التطرف" وصولًا إلى "الإرهاب" تُلصق في الذهنية الغربية، إلى حدٍّ كبيرٍ، بالحركات الجهادية بجذورها العربية السنية، وهي الحركات التي برزت بعد احتلال العراق أولًا، باعتبارها ناتجًا من نواتج مقاومة الاحتلال، ثم لاحقًا في سوريا باعتبارها ضرورة لمواجهة عنف نظام بشار الأسد.
تصريح روبيو الآن ينسف هذا الفصل الضمني. فهو لا يتحدث بشأن "نظام إسلامي" مجرّد كما جرت العادة، بل بشأن "نظام شيعي راديكالي"، في إيحاءٍ واضح يُفصح عن أنَّ الطائفية السياسية نفسها والعقيدة الآيديولوجية بذاتها- لا مجرد السلوك العسكري فحسب- باتت تُرى كإطارٍ فكري مغذٍّ للسياسات التوسعية ودعم الحركات الإرهابية ذات الصلة.
من نقد السلوك إلى نقد البنية الآيديولوجية
التوصيف الجديد يعني أن واشنطن لم تعد تحصر المشكلة في البرنامج النووي أو الصاروخي أو دعم الميليشيات، بل باتت ترى أن البنية الآيديولوجية للنظام- القائمة على ولاية الفقيه (البعد الشيعي) وعلى تصدير الثورة (البعد الراديكالي)- تمثل جوهر الإشكال في التعامل السياسي والاستخباري والعسكري مع نظام طهران.
في السياسة الدولية، لا تُختار المفردات اعتباطًا، ولا تُطلق الصفات من باب البلاغة. وعندما تنتقل واشنطن من توصيفٍ النظام الإيراني باعتباره "نظامًا إسلاميًا" إلى تعريفه "شيعيًا راديكاليًا"، فإنها لا تعلن موقفًا لغويًا فحسب، وإنما إقرارٌ منها بتحوّلٍ في فهم طبيعة المشروع الذي تواجهه.
في الأدبيات السياسية الغربية، غالبًا ما يُستخدم مصطلح "راديكالي" للإشارة إلى آيديولوجيا تسعى إلى إعادة تشكيل النظام السياسي والاجتماعي جذريًا، وغالبًا ما تتبنّى أدوات ثورية لتحقيق ذلك. والراديكالية لا ترتبط بدين أو منطقة بعينها؛ بل ظهرت عبر طيفٍ واسع من الآيديولوجيات: دينية، قومية، يسارية، يمينية. وعندما يقترن هذا المصطلح اليوم بالهوية الطائفية للنظام الإيراني، فإن الرسالة الضمنية هي أن المشروع الإيراني ليس مجرّد سياسة خارجية هجومية، بل رؤية عقائدية ذات طابع تعبوي مذهبي متطرف وعنيف.
هذا التحول في الخطاب السياسي الأميركي، وفي ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب المختلف كليًّا عن سابقيه، يعكس إدراكًا متزايدًا بأنَّ النفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن لم يكن فقط نتيجة فراغات جيوسياسية نتجت عن أحداثٍ بعينها، من بينها غزو العراق الذي طالما تحدّث ترمب عن كونه خطأً استراتيجيًا ما كان ينبغي للولايات المتحدة ارتكابه أخلَّ بتوازن القوى بين العراق وإيران، وهو توازن كان قائمًا على مدى آلاف السنين، وإنما نتاج منظومةٍ فكريةٍ توظّف الهوية الطائفية كأداة تعبئةٍ عابرةٍ للحدود، وهذا هو الأهم في البعد الاستراتيجي للمشهد الشرق أوسطي.
هنا، وللمرة الأولى، يدخل البعد الطائفي للنظام الإيراني في صلب الخطاب النقدي الرسمي للولايات المتحدة، ويُقدَّم بوصفه عنصرًا مفسرًا للسلوك السياسي لنظام طهران، لا خلفية دينية أو ثقافية للنظام فحسب كما كان يُنظر إليه في السابق.
تبدّل الصورة النمطية في العقل الغربي
لأكثر من عقدين، ارتبط مفهوم "التطرف الإسلامي" في الوعي الغربي بصورة رئيسة بالحركات السنية المسلحة. أما إيران، فكانت تُقدَّم غالبًا باعتبارها "خصمًا عقلانياً يمكن احتواؤه عبر الدبلوماسية"، كما في المفاوضات الماراثونية التي أفضت إلى الاتفاق النووي سنة 2015، وقبل ذلك في نظرية "الاحتواء المزدوج" التي أطلقها الدبلوماسي الأميركي مارتن إنديك في أيار/ مايو 1993 وباتت منذ مطلع سنة 1994 سياسة خارجية رسمية للولايات المتحدة تجاه العراق وإيران.
غير أن وصف النظام الإيراني اليوم بـ "الراديكالي" يضعه في الخانة ذاتها التي وُضعت فيها حركات أخرى من قبل. وهنا يكمن التحول الأعمق: إعادة توزيع مفاهيم "الاعتدال" و"التطرف" في العقل السياسي الأميركي، بحيث لم تعد الهوية الطائفية عامل تلطيف كما في السابق، بل باتت- مع اقترانها بمشروعٍ آيديولوجي توسعي ومشروعٍ تسليحيٍ صاروخي ونووي لا يمكن ضبطه- باتت عنصر اتهام أو تجريم. وأعتقد أننا سنشهد مزيدًا من العمل على ترسيخ هذا المفهوم في العقل الجمعي الأميركي خصوصًا والغربي عمومًا في المرحلة القليلة المقبلة.
دلالات استراتيجية في التعامل مع إيران
اللغة السياسية تُستخدم عادةً لتهيئة الرأي العام، وصياغة أطر مفاهيم التحرك اللاحق. وعندما تُعيد واشنطن تعريف طبيعة النظام الإيراني بهذا الوضوح، فإنها تمهّد- على الأقل نظريًا- لسياساتٍ أكثر صرامة على المدى المنظور.
ماذا يعني هذا التبدّل في لغة واشنطن السياسية تجاه إيران؟
يعني هذا التبدّل:
ماذا عن إعادة صياغة استراتيجية أميركا في الشرق الأوسط؟
المرجّح أن انعكاسات هذا التحوّل اللغوي لن تقف عند حدود الخطاب السياسي، بل تمتد إلى إعادة صياغة المقاربة الأميركية في الشرق الأوسط بشكلٍ عام. فإذا كانت واشنطن قد أعادت تعريف النظام في طهران بوصفه "كيانًا شيعيًا طائفيًا راديكاليًا" فإن ذلك يعني انتقالًا من سياسة إدارة السلوك إلى سياسة مواجهة البنية الآيديولوجية المنتجة له. وعمليًا، قد يترجم هذا التحوّل في ثلاثة اتجاهات:
وفي هذا السياق، واستعانة بمفرداتٍ ميدانية حاصلة فعلًا في المشرق العربي، من الواضح أن التغيّر في اللغة جزء من تحوّلٍ أعمق: من مقاربة براغماتية تفترض قابلية الاحتواء، إلى استراتيجية ترى في طبيعة النظام نفسها مصدر التحدي المستمر في الإقليم، مما يستوجب تغييرًا كاملًا للنظام برمّته وليس تفكيك بنيته العسكرية وأذرعه الخارجية فحسب.
أخيرا
في السياسة الدولية، لا تُختار المفردات اعتباطًا، ولا تُدرج الصفات من باب البلاغة. وعندما تنتقل واشنطن من توصيفٍ عامٍ للنظام الإيراني باعتباره "نظامًا إسلاميًا" كما في السابق إلى تعريفه بوصفه "شيعيًا راديكاليًا"، فإنها لا تُعلن موقفًا لغويًا فحسب، لأن وصف "النظام الشيعي الراديكالي في طهران" كما أطلقه وزير الخارجية الأميركي لا يأتي الآن باعتباره تفصيلاً لغويًا عابرًا، وبالطبع ليس زلّة لسان، بل علامةٌ على تحوّلٍ في رؤية واشنطن الرسمية تجاه نظام طهران، وإقرارٌ منها بتحوّلٍ في فهم طبيعة المشروع الذي تواجهه في الشرق الأوسط، الأمر الذي يعني اعترافًا ضمنيًا بفداحة خطايا التوجّهات السياسية الأميركية التي أنتجت الوضع الراهن، ومن ذلك خطيئة غزو واحتلال العراق، وخطيئة السماح ببقاء نظام بشار الأسد أكثر من 13 سنة مع كل الفظائع التي ارتكبها بحق الشعب السوري، وخطيئة غضّ النظر عن تمدّد الميليشيات الحوثية في اليمن لأكثر من 10 سنوات، وخطيئة السماح لحزب الله في لبنان طيلة أكثر من عقدين ببناء ترسانة سلاحٍ هائلة وبالهمينة على الدولة اللبنانية بالكامل إلى حد إفراغها من محتواها.
على مدى عقود ظلّ النقد الأميركي موجّهًا إلى سياسات النظام الإيراني: دعمه لجماعات مسلحة، برنامجه النووي، قمعه الداخلي، أما هويّته الطائفية فبقيت بعيدة تمامًا حتى عن الهامش الخطابي.
المشكلة الإيرانية، وفق هذا المنطق إذًا، لم تعد مجرّد برنامجٍ نووي تسليحيٍ أو سلوكٍ إقليميٍ، عبر أذرع ومخالب، كان قابلًا للاحتواء في مرحلة زمنية مضت، بل بنية أيديولوجية تقوم على تعبئةٍ طائفيةٍ ومشروعٍ عابرٍ للحدود، وهذ المشروع "راديكالي" كذلك، ولا مجال للمشاريع الراديكالية في الشرق الأوسط بعد الآن بحسب رؤية إدارة ترمب الجديدة.
وإذا كان صحيحًا أن اللغة مرآة الفكر وانعكاس للاستراتيجية، وهو صحيح بالتأكيد، فإن ما قيل في ميونيخ قد يكون إيذانًا بنهاية مرحلة طويلة من التحفّظ الاصطلاحي والمهادنة اللفظية والتجاهل السياسي لطبيعة مشروع ولاية الفقيه كما هي في أصلها ومنذ البداية، بما يعني بداية مرحلةٍ أكثر صراحةً في توصيف طبيعة الصراع، خصوصًا أن هذا الخطاب يأتي في لحظةٍ فاصلةٍ في السياسة الأميركية تجاه المنطقة بشكلٍ عام.
وهذا يعني أن السؤال الذي يدور في أروقة مراكز القرار ومعاهد التفكير في الولايات المتحدة لم يعد "كيف تُدار العلاقة مع طهران؟" بل كيف تُعاد صياغة التعامل الأميركي ليس مع النظام فحسب بل مع الآيديولوجية المحرّكة له في ضوء هذا التعريف الجديد.