

فـ "جمهورية ولاية الفقيه" لم تكن مجرد دولة ذات مرجعية دينية، بل كانت مشروعًا لإعادة تعريف التشيّع نفسه بوصفه عقيدةً حاكمةً بالفعل، لا مذهبًا ينتظر الحكم فحسب.
لذلك فإن سقوط هذا النظام- إن حدث- لن يكون مجرد انهيار دولة، بل سيعني اهتزاز البنية الفكرية التي تشكّل عليها التشيّع السياسي المعاصر، وبابًا يُفتح أمام مراجعةٍ عميقةٍ قد تطال العلاقة المعقّدة والملتبسة بين العقيدة الفقهية وسلطة الحكم مع ما تفرضه موجبات الجغرافيا السياسية للمنطقة، وعلى مساحةٍ زمنية تمتدّ منذ العهد الصفوي الأول قبل خمسة قرون حتى العهد الصفوي الثاني الممتدّ قرابة خمسة عقودٍ اليوم.
طيلة "الغيبة الكبرى" الممتدة لقرونٍ ظلّ الفقيه الشيعي، في المدرسة التقليدية، صاحب سلطة دينية لا سياسية، واحتفظت المرجعية بدور التوجيه لا الحكم.
والسؤال الذي سيطرح نفسه بقوة في لحظة سقوط نظام ولاية الفقيه هذه لن يكون "من سيحكم إيران؟" بل "هل كانت تجربة الدولة الشيعية الحديثة امتدادًا طبيعيًا للعقيدة الشيعية كما في أصلها، أم أنها كانت استثناءً تاريخيًا فرضته ظروف القوة والتحوّلات الجيوسياسية في المنطقة والعالم؟"
من "التشيّع الانتظاري" إلى "التشيّع السلطوي"
طوال قرون، قام البناء الفقهي الشيعي كله على مبدأ "الغيبة"، وهو مبدأ يحمل في جوهره تحفظًا، ارتقى لاحقًا إلى درجة الرفض المطلق، على فكرة السلطة الكاملة في زمن الغيبة الكبرى للإمام "المهدي المنتظر"، ويُقصدُ بالغيبة الكبرى، وفقًا للشيعة الجعفرية الإثناعشرية، الغياب الثاني للإمام المهدي بعد الغياب الأول الأصغر، حيث بدأت الغيبة الكبرى في حوالي سنة329 هجرية ولا تزال باقية حتى اليوم، ولن تنتهي إلا بنهاية الزمان عندما "يرجع الإمام إلى الأرض ليملأها عدلًا" حسب الفكرة السائدة لدى معتنقي المذهب.
وطيلة هذه القرون ظلّ الفقيه الشيعي، في المدرسة التقليدية، صاحب سلطة دينية لا سياسية، واحتفظت المرجعية بدور التوجيه لا الحكم.
لكن التحوّل الكبير في هذا الفكر جاء مع نظرية ولاية الفقيه التي صاغها روح الله خميني في الأدبيات التي بلورها قبل تسلّمه الحكم في طهران في شباط/ فبراير 1979 بالطريقة المعروفة التي تسلّمه بها، وهناك آراء سبقته في هذا الخصوص، حيث جرى تجاوز مفهوم النيابة المحدودة التي تعني ولاية الفقيه/ المجتهد الخاصة على مقلّديه في الأحكام الفقهية حصرًا إلى مفهوم الولاية العامة المطلقة التي تعني أن الولاية للفقيه/ المجتهد تثبت في جميع ما ثبت للإمام المعصوم من السلطة على الأمة، أي أن الفقيه/ المجتهد لا يكتفي بإدارة شؤون الفتوى كما كان الحال طيلة القرون الماضية، بل يتولى إدارة الدولة والمجتمع بوصفه نائبًا عن الإمام الغائب.
بهذا التحوّل الفكري الخطير انتقل الفكر السياسي الشيعي من حالةٍ يمكن وصفها بـ "التشيّع الانتظاري" إلى ما يمكن تسميته بـ "التشيّع السلطوي"، وهو تحوّل فكري لم يكن محلّ إجماعٍ داخل المؤسسة الدينية الشيعية نفسها، بل بقي موضع خلافٍ عميقٍ خاصة بين ما يعرف باسم مدرستي النجف وقم، وهو خلافٌ غاب تمامًا، أو اضمحلَّ عمليًا، بعد غزو واحتلال العراق في سنة 2003.
البعد الصفوي.. الدولة بوصفها حاضنة للمذهب
لفهمِ عمقِ الأزمةِ التي سيسبّبها سقوط نظام ولاية الفقيه في إيران اليوم، لا بدّ من العودة إلى تجربة الدولة الصفوية التي تولّت الحكم في بلاد فارس منذ عام 1501 وحتى عام 1736، إذ لم يعرف التشيّع عبر تاريخه الطويل نموذج الدولة العقائدية إلا في لحظاتٍ نادرةٍ أبرزها تجربة الدولة الصفوية حين تحوّل التشيّع لأول مرّةٍ في تاريخه من فكرٍ سياسيٍ عائمٍ في الكتب والدروس النظرية إلى هوية دولةٍ قائمةٍ في الواقع، وأصبح المذهب جزءًا من شرعية السلطة في بلاد فارس، إيران حاليا.
نعم لقد كانت "الدولة الصفوية" هي البداية الحقيقية لمشروع ولاية الفقيه، فيما بلغت ذروته في "جمهورية ولاية الفقيه" بصيغتها الخمينية/ الخامنئية، فالتشيّع لم يتحوّل من "مذهب فقهٍ" إلى "دين دولةٍ" إلا مع الدولة الصفوية، حين أصبح المذهب جزءًا أساسيًا من هوية السلطة في هذه البقعة الجغرافية، لكن مع ذلك بقيت العلاقة قائمةً على توازنٍ محسوبٍ بدقةٍ كبيرةٍ بين الشاه الصفوي والفقيه الجعفري، إذ قام النموذج الصفوي على معادلة أبقت الفقيه في موقع الشريك لا الحاكم حيث "السلطان يحكم، والفقيه يُشرّع".
أما في النموذج الخميني/ الخامنئي الذي نشأ بعد ثورة 1979 فقد تغيّرت المعادلة، وأصبح الفقيه نفسه هو الحاكم، وأصبحت الدولة امتدادًا للمؤسسة الدينية لا حليفًا لها، أو هي على وجه الدقة "دولة المؤسسة الدينية" بشكلٍ كامل، وهي تحديدًا دولة المذهب الشيعي الإثناعشري التي يقودها الإمام المهدي "المنتظر" من خلال نائبه "الولي الفقيه".
هذا التحوّل هو ما جعل "جمهورية ولاية الفقيه" ليست مجرّد نظامٍ سياسي، بل ذروة تطور تاريخي لفكرة دمج المذهب بالسلطة، والدين بالحكم، وهو ما يعني أن سقوطها سيعيد فتح باب السؤال الذي أغلقته ظروف ما بعد ثورة 1979 في إيران:
هل اقتران التشيّع بالدولة ضرورة تاريخية، أم مرحلة عابرة؟
سقوط المركز وتفكّك المجال الشيعي
منذ سنة 1979 تحولت إيران إلى مركز ثقلٍ في العالم الشيعي، ليس فقط سياسيًا، بل فكريًا أيضًا، وأصبحت حوزة قم في إيران تمثّل مرجعية موازية- وأحيانًا منافسة- لحوزة النجف في العراق، التي حافظت على تقليد أكثر تحفّظًا تجاه الحكم الديني، وإن تغيّر موقعه وتوصيفه بعد احتلال العراق كما أسلفنا.
من هنا ففي حال سقوط نظام ولاية الفقيه سيختفي لأول مرة منذ نحو خمسة عقود المركز السياسي الذي منح التشيّع بعدًا دولتيًا، وهو ما قد يؤدي إلى تفكّك المجال الشيعي الموحّد، ولو قسرًا، وتحوّله إلى مدارس متعددة بدل بقائه تحت مظلة مشروعٍ واحد.
هذا التفكّك وإن كان نتيجة الضعف العميق والواسع الذي أصاب النظام وامتداداته بالضرورة، ونتيجة للمتغيّرات الجيوسياسية الهائلة التي تعصف بالمنطقة الجغرافية التي ينتشر فيها الفكر الشيعي، إلا أنه قد يدفع باتجاه عودةٍ إلى الحالة التاريخية التي اتّسم بها التشيّع قبل مجيء خميني، حيث كانت المرجعيات تتعدّد، والرؤى تتباين، ولم تكن هناك سلطةٌ سياسيةٌ واحدةٌ تحتكر تمثيل المذهب وتختزل كل التشيّع باسمها.
وجود دولةٍ تتبنى فكرة "ولاية الفقيه" أعطى الأفضلية لمدرسةٍ فكريةٍ بعينها داخل التشيّع، وسقوط هذه "الدولة" سيؤدي إلى فقدان فكرة "الولاية" سَنَدَها العملي بما يُضعفها ويسلبها مقوّمات دفاعها عن نفسها أولًا، وقد يُفقدها وجودها كليًّا في وقتٍ لاحقٍ.
أزمة الشرعية داخل النظرية نفسها
انطلاقًا مما سبق وبناءً عليه، لعلَّ أخطرَ ما قد يترتّب على سقوط نظام ولاية الفقيه في طهران ليس فقدان النفوذ السياسي على الشيعة بشكلٍ عام، وحصر التمثيل المذهبي بنظام خميني/ خامنئي فحسب، بل اهتزاز الأساس النظري الذي قامت عليه فكرة "الولاية العامة للفقيه"، وهي الفكرة التي جرى ترسيخها بشكلٍ مؤسّساتي وعلى نحوٍ أوسع جغرافيًا في عهد المرشد الأعلى علي خامنئي، الذي قتل بتاريخ 28/2/2026 بوصفها امتدادًا لخط سلفه روح الله خميني الذي مات في 3/6/1989 بعد تجرّعه كأس السم إثر خسارته حرب الثماني سنوات ضد العراق التي كانت في حقيقة الأمر حربًا بين مشروعين، مشروع يسعى لفرض نموذج "ولاية الفقيه" يقابله مشروعٌ يرفض هذا النموذج ويتصدّى لمحاولات تصديره إلى العرب والمسلمين عبر كسر بوابة العراق أولا.
ومع سقوط النظام الذي يُفترض أنه تجسيدٌ لنظرية "ولاية الفقيه" فإنّ السؤال الذي سيُطرح بقوة داخل الحوزات الشيعية قبل الشارع هو:
هل كانت "ولاية الفقيه" حكمًا شرعيًا دائمًا، أم اجتهادًا سياسيًا مؤقتًا ارتبط بمرحلة الثورة الإيرانية، وبالحرب الباردة، وبالحرب ضد العراق ثم بترتيبات ما بعد غزوه واحتلاله، ثم بالصراع الإقليمي لاحقا؟!
أو
هل كانت "ولاية الفقيه" قرارًا عقائديًا أصيلًا في الفكر السياسي الشيعي تحديدًا وفي المذهب الجعفري الإثناعشري ككل، كما روّجت آلة الدعاية الخمينية/ الخامنئية طيلة قرابة خمسة عقود، أم جزءًا من ترتيباتٍ دوليةٍ أعمق وأوسع وأشمل لكل المنطقة الجغرافية الممتدة من أواسط آسيا حتى سواحل الأطلسي، بما في ذلك ما يطرحه "مبدأ بريجنسكي" المعروف الذي صاغة مستشار الأمن القومي في نهاية حقبة السبعينيات زبغنيو بريجنسكي؟!
أو بعبارةٍ مكثفة جدا:
هل اقتران التشيّع بالدولة هو الأصل، أم هو الاستثناء؟
وبالتأكيد فإن إثارة هذا السؤال الجوهري الحاسم، بكل صيغه الثلاث، وما يمكن أن يتفرّع عنه من أسئلة، كفيلٌ بإطلاق أوسع مراجعةٍ فقهيةٍ في التاريخ الشيعي الحديث، قد تعيد تعريف حدود سلطة الفقيه، وربما تعيد المرجعية إلى موقعها التقليدي بوصفها "سلطة فقه" محلّها الحوزات والحسينيات لا "سلطة حكم" تتحكّم بأروقة السلطة والنفوذ وتخضع لها رقاب الناس بقوة السلاح وبقوة المال وبقوة الدعاية.
إذا سقط نظام "ولاية الفقيه" فإنّ أذرعه الخارجية ستواجه أزمةً أعمقَ من أزمة فقدان الدعم والرعاية، لأنها ستفقد الإطار العقائدي الذي منحها معنى وجودها طيلة كلّ السنوات التي تمدّدت فيها على عرض المشرق العربي وطوله.
أزمة الأذرع: حين تفقد العقيدة مركزها
على مدى العقود الخمسة المنصرمة لم يقتصر أثر "جمهورية ولاية الفقيه" في إيران على الداخل الإيراني فحسب، بكل تنوّعاته العرقية والدينية، بل امتدَّ إلى المحيط الإقليمي، ولم يكن نفوذها في المنطقة قائمًا على التحالفات فقط، بل شمل توليد ورعاية حركاتٍ شيعيةٍ في المنطقة استمدّت كلّ (شرعيتها) بين أتباعها من فكرة تقول إن "هناك دولة تمثّل الامتداد السياسي لعقيدة التشيّع، بل تمثّل روح وجوهر المشروع السياسي الشيعي"، كما هو الحال مع قوى عديدةً في مقدّمتها حزب الله في لبنان وكل فروعه خارج لبنان، وحزبي الدعوة والمجلس الأعلى في العراق وكل امتداداتهما خارج العراق، والحوثي في اليمن، وغيرها من الأحزاب والقوى والشخصيات، وهي جهات بُنيت على تصوّر أن "الولي الفقيه" في طهران ليس قائدًا سياسيًا فحسب، بل مرجعيةً مطلقةً في أمور الدين والدنيا معا.
وإذا سقط نظام "ولاية الفقيه" فإنّ هذه الحركات ستواجه أزمةً أعمقَ من أزمة فقدان الدعم والرعاية، لأنها ستفقد الإطار العقائدي الذي منحها معنى وجودها طيلة كلّ السنوات التي تمدّدت فيها على عرض المشرق العربي وطوله.
وسيضع سقوط النظام في إيران هذه الحركات والشخصيات أمام مفترق طرقٍ استراتيجيٍ حاسم:
وباعتقادي فإنّ الخيار الثالث مستبعدٌ تمامًا لأن فكرة التشيّع السياسي قائمة على إلغاء مفهوم الوطنية من جهةٍ، وعلى ارتباطٍ روحيٍ وعاطفي بالمرجعيات الإيرانية من جهةٍ أخرى، لذا أرجّح أن تلتزم هذه القوى بالخيار الأول، وبذلك ستدفع نفسها نحو الانتحار، وهذا ليس من باب التمني العاطفي كما قد يتوهّم بعض الناس، وإنما لأنّ هذه القوى وضعت نفسها بالكامل، طيلة العقود الفائتة، في خدمة مشروع "ولاية الفقيه" ولن يكون بإمكانها التنفّس خارج فضائه، فهي جميعها نشأت في ظل "الولي الفقيه"، وحتى حزب الدعوة الذي تأسّس تحت مسمّى "الحزب الفاطمي" في العراق نهاية خمسينيات القرن العشرين لم يجد في العراق وغيره فسحته الحقيقية إلا بعد ثورة خميني وبدعمه وتمويله وتجهيزه وتسليحه، أما استيلاءه على الحكم في العراق بعد سنة 2003 فهذا لا يُنكره أحد.
وهناك خيارٌ رابع أرجّح أن تلجأ إليه بعض القوى الأصغر نسبيًا أو المنشقّة من التيارات المذكورة آنفًا، وهو خيار التحوّل إلى منظمات انتحارية تستند إلى تراثٍ مزعومٍ من مفهومي (التضحية) و (الفداء)، وإذا اختارت هذه الجهات فكرة التحوّل إلى جهاتٍ انتحاريةٍ بما يتناقض مع النظام العالمي الجديد فإن قوى هذا النظام ستتعامل معها بما تراه مناسبا.
وفي كل الأحوال وأيًّا كان المسار الذي ستسير فيه كل هذه القوى، وغيرها، فإنّ شبكة النفوذ التي بُنيت خلال نحو خمسة عقود لن تبقى على صورتها الحالية، لأنّ المجال الشيعي في العالم الإسلامي، وهو محدودٌ جدًا، سيفقد للمرة الأولى منذ نحو خمسة عقود مرجعيته السياسية المركزية بزوال القطب المحوري الذي كان يدور في فلكه، وهو ما سيؤدي إلى إعادة توزيع النفوذ الفكري والديني بشكلٍ مختلفٍ، وربما على نحوٍ مضادٍ تمامًا لما ساد خلال السنوات الفائتة.
فكرة "التشيّع" بعد "ولاية الفقيه" عودة إلى التاريخ أم بداية مرحلة جديدة؟
ليس من الضروري أن يؤدي سقوط نظام "ولاية الفقيه" في طهران إلى نهاية فكرة "التشيّع السياسي" بشكلٍ عام، لكنه بالتأكيد سيؤدي إلى نهاية صيغتها التي نشأت بعد الثورة الإيرانية.
وقد نشهد عودةً إلى نمطٍ أقرب إلى التشيّع التاريخي الذي كان يميل إلى الحذر من السلطة، أو ظهور صيغةٍ جديدةٍ تفصل بين المرجعية الفقهية والدولة السياسية وشؤون الحكم، وقد نجد ما هو أبعد مدى من ذلك بنشوء تياراتٍ شيعية تفصل بين الدين والمجتمع بشكلٍ تام، وهذا سينشأ حتمًا بسبب عمق ما سيجري من تحوّلات في الفكر السياسي الشيعي وحتى في الفقهي الجعفري الذي يلتحم به بشكلٍ أو بآخر، وبسبب المستجدات الجيوسياسية وديناميكيات الفكر والاقتصاد والسياسة والعلوم التي تتبلور في العالم بشكلٍ عام.
وفي كل الأحوال، فإن لحظة ما بعد ولاية الفقيه- وهي تقترب- ستكون لحظة إعادة تأسيسٍ، لا لحظة فراغٍ فقط وإن دام الفراغ لفترة، لأنَّ الفكر الشيعي، عبر تاريخه الطويل، أوجد لنفسه قدرةً كبيرةً على إعادة تعريف ذاته كلما تغيّرت شروط القوة والسياسة من حوله، مستفيدًا من مبدأ "التقية" وهو "ثلاثة أرباع الدين" عند أتباع هذا الفكر.
بهذا المعنى فإن سقوط النظام في إيران، إن حدث، لن يكون نهاية مرحلة سياسية فحسب، بل قد يكون بداية عصر فكري جديد في التشيّع، لأن ما سيحدث سيكون زلزالًا يمسُّ البنية العميقة للفكر الشيعي المعاصر، الذي أعاد تعريف نفسه منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين على أساس أن الفقيه قادرٌ على الحكم، بل يجب أن يحكم، وأن إقامة الدولة في زمن الغيبة ليست فقط ممكنة، بل واجبة.
نعم، لن يعني انهيار "جمهورية ولاية الفقيه" نهاية نظام سياسي مهما كان هذا النظام ومهما كانت قوته السياسية والعسكرية فحسب، بل سيعني نهاية مرحلة كاملة في تاريخ التشيّع، مرحلة بدأت عمليًا مع الدولة الصفوية الأولى، وبلغت ذروتها مع الدولة الصفوية الثانية الممثّلة بجمهورية روح الله خميني وعلي خامنئي.
نعم، لن يكون سقوط نظام "ولاية الفقيه" في إيران مجرّد فعلٍ سياسيٍ يتعلّق بتوازناتٍ داخليةٍ أو صراعٍ إقليميٍ فحسب، بل إن وجود دولةٍ تتبنى فكرة "ولاية الفقيه" أعطى الأفضلية الفكرية والسياسية لمدرسةٍ فكريةٍ بعينها داخل التشيّع، وسقوط هذه "الدولة" سيؤدي إلى نتيجةٍ معاكسةٍ تمامًا، إذ ستفقد فكرة "الولاية" سَنَدَها العملي بما يُضعف الفكرة نفسها ويسلبها مقوّمات دفاعها عن نفسها أولًا، وقد يُفقدها وجودها كليًّا في وقتٍ لاحقٍ، ربما أقصر مما يتصوّر كثيرون، وستعود المدارس التي ترفض الحكم الديني الكامل إلى الواجهة، وبذلك ستمنح المدارس المعارضة لفكرة "الولاية" داخل التشيّع قوةً فكريةً غير مسبوقة.
وهذا قد يعيد التشيّع السياسي إلى حالته التاريخية القديمة، وقد ينزوي، وبانزوائه سيتلاشى، أو يضمحلّ تأثيره بشكلٍ كبير.
كما ستهتزّ الشرعية داخل الفكر الشيعي نفسه، ففي عهد خامنئي جرى تثبيت فكرة أنّ شرعية الفقيه لا تكتمل إلا بالسلطة، وسقوط الدولة التي تجسّد هذه الفكرة سيجعلها موضع شكٍّ على مستوى واسعٍ لأول مرة منذ عقود.
وقد يؤدي ذلك إلى عودةٍ قويةٍ للمدرسة التي ترى أنّ زمن الغيبة هو زمن نقصٍ في الشرعية، وأن أيّ دولة دينية بشكلٍ كاملٍ لا يمكن أن تكون إلا دولةً غير حقيقيةٍ أو مؤقتةٍ أو دولةً تثير إشكالياتٍ غير مناسبة في داخل الفكر الشيعي.
وهنا قد يدخل التشيّع في أكبر مراجعةٍ فكريةٍ منذ قرون.
ولأن الفراغ الذي سيتركه سقوط "جمهورية ولاية الفقيه" لن يكون سياسيًا فقط، بل فكريًا أيضًا، وحيث تعوّد التشيّع المعاصر على وجود مركزٍ، وعلى وجود مشروعٍ، وعلى وجود دولةٍ تدّعي تمثيله وتعلن ذلك في دستورها، فإنّ اختفاء هذا المركز قد يؤدي إلى دخول البيت الشيعي في صراعٍ حول من يملك الشرعية فيه!
وهنا قد يكون الانقسام داخل التشيّع نفسه أخطر من أيّ صراع خارجي، لأن الخلاف لن يكون حول السياسة فقط، بل حول معنى السلطة في العقيدة.
وكلّ هذا سيولّد انهيارًا داخليًا لن يمكن تجنبّه أو تلافي وقوعه، وقد تُسهِم عوامل خارجية في تسريع حدوثه وتعميق آثاره.
وفي ظل هذا الانهيار سيُعاد طرح السؤال القديم لكن بصيغة أكثر حدّة هذه المرة:
من يملك الشرعية في زمن الغيبة، الدولة أم الفقيه أم المجتمع نفسه؟
ولأن جوابًا شافيًا لن يكون ممكنًا في هذه الظروف فسيكون مستقبل فكرة التشيّع السياسي كلها غامضًا وبما يجعلها في مهبّ الريح.
سقوط نظام "ولاية الفقيه" في إيران سيكون نهاية مرحلة كاملة من تاريخ التشيّع بدأت مع الصفويين وبلغت ذروتها مع ثورة روح الله خميني.
خاتمة
قلنا إنه إذا سقط نظام "ولاية الفقيه" في إيران فسيكون ذلك نهاية مرحلة كاملة من تاريخ التشيّع بدأت مع الصفويين وبلغت ذروتها مع ثورة روح الله خميني.
وحينها ستجد فكرة "التشيّع" نفسها أمام سؤالٍ لم يكن يومًا ما قائمًا كما سيكون في تلك اللحظة:
هل يمكن للعقيدة أن تحكم، أم أن الحكم يغيّر العقيدة نفسها، أو بالأحرى يسلخها عن نفسها؟
والجواب على هذا السؤال هو ما سيحدّد شكل التشيّع في المستقبل، كما حدّدته ثورة خميني قبل أكثر من 47 سنة.
والله الموفق والمستعان