

غير أن فهم هذه العلاقة يتطلّب من كلا الطرفين، أولًا، تجاوز القراءات الآيديولوجية السطحية التي تطلّ على الحاضر من نقطةٍ بعيدةٍ في التاريخ، نقطةٍ متوهّمةٍ في الغالب، و، ثانيًا، النظر إليها من زاوية استراتيجية أوسع، حيث تتقاطع الجغرافيا والاقتصاد والأمن والطاقة مع التاريخ والدين والثقافة في معادلةٍ واحدةٍ ترسم ملامح أعمق لخارطة شرقٍ أوسطٍ جديدٍ يقوم أساسًا على قواه الأساسية الفاعلة عبر التاريخ وليست الدخيلة عليه والمحشورة في سياقه بشكلٍ قسري.
تصوير العلاقة التركية العربية بوصفها "علاقة عداءٍ تاريخيٍ دائمٍ" لا يعكس الواقع التاريخي بدقة إطلاقًا، بل على النقيض كليًّا إذ أنه يعكس صراعات آيديولوجية لاحقةٍ منفصلةٍ عن الواقع تماما.
الجيوسياسي؛ تركيا والوطن العربي كتلة إقليمية واحدة
على الصعيد الجيوسياسي يشكّل الوطن العربي وتركيا فضاءً جغرافيًا مترابطًا في الواقع، فبينما يمتدّ الوطن العربي على طول الممرات البحرية والبرية الأهمّ في التجارة العالمية اليوم تقع تركيا في نقطة التقاء آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
هذا التداخل يجعل من العلاقة بين الطرفين عاملًا حاسمًا في توازنات المنطقة. فاستقرار المشرق العربي يرتبط إلى حدٍّ بعيدٍ باستقرار تركيا، كما أن الأمن الاقتصادي لتركيا يتأثر بما يجري في المشرق والخليج العربيين وشمال أفريقيا، بثقله العربي هو الآخر.
ومن الناحية الاستراتيجية، يمكن النظر إلى تركيا والعالم العربي كجزءٍ من منظومةٍ إقليميةٍ قادرةٍ، إذا ما أحسنت تنظيم نفسِها، على تشكيل أحد أهمّ المراكز أو الفضاءات الاقتصادية والسياسية في العالم، خاصةً مع ما تمتلكه هذه المنطقة من موارد الطاقة والموقع الجغرافي والكتلة السكانية وغير ذلك من عوامل الغنى والثراء بأبعاده المادية والمعنوية.
التاريخ المشترك؛ تفكيك سردية العداء
غالبًا ما يُقدَّم التاريخ العثماني في بعض الخطابات السياسية العربية الغارقة في الأدلجة غير المنطقية بوصفه تاريخًا من الصراع بين العرب والأتراك. غير أن القراءة التاريخية الأكثر توازنًا تكشف أن العلاقة كانت أكثر تعقيدًا وأغنى تنوعا.
فالدولة العثمانية لم تكن دولة قومية تركية بالمعنى العرقي المغلق، بل كانت إمبراطورية متعددة الشعوب والأعراق، شارك فيها العرب في الإدارة والعلم والجيش والسياسة. كما أن المدن العربية الكبرى مثل دمشق والقاهرة وبغداد والقدس بقيت مراكز حضارية وثقافية مهمة خلال تلك المرحلة.
وهذا التوصيف ينطبق هو الآخر على الدولة العربية الإسلامية في عهديها الأموي والعباسي، حيث امتدّت هذه الدولة بعهديها على مساحاتٍ جغرافيةٍ هائلة من الصين شرقًا حتى المحيط الأطلسي وجبال البرنس غربًا بكلِّ ما تضمّه هذه المساحة من شعوبٍ وثقافاتٍ وأعراقٍ وأديانٍ ولغات.
وعندما تأسّست الجمهورية التركية الحديثة سنة 192، اتّجهت بقيادة مصطفى كمال أتاتورك إلى بناء دولةٍ وطنيةٍ حديثةٍ ركّزت على الداخل التركي، ولم تتبنَّ مشروعًا توسعيًا في الجوار العربي على الإطلاق.
لهذا فإنّ تصوير العلاقة التركية العربية بوصفها "علاقة عداءٍ تاريخيٍ دائمٍ" لا يعكس الواقع التاريخي بدقة إطلاقًا، بل على النقيض كليًّا إذ أنه يعكس صراعات آيديولوجية لاحقةٍ منفصلةٍ عن الواقع تماما.
من الأخطاء الشائعة في بعض التحليلات والخطابات السياسية العربية، الغارقة في الآيديولوجيا، وضع تركيا وإيران في خانة واحدة باعتبارهما قوتين إقليميتين معاديتين للعرب!
الخلافات السياسية؛ طبيعتها وحدودها
بطبيعة الحال، لا يمكن لأيّ علاقةٍ بين دولٍ متجاورةٍ أن تخلو من الخلافات، لكن هناك فرقٌ هائلٌ بين خلافاتٍ سياسيةٍ تفرضها مراحلُ تاريخيةٍ بعينها وبين عداءٍ تاريخيٍ مستحكم.
ومن أبرز الملفات التي ظهرت فيها تباينات في المواقف بين تركيا وبعض الدول العربية مسألة المياه في نهري دجلة والفرات، وهي قضية ترتبط بإدارة الموارد المائية المشتركة بين تركيا من جهة والعراق وسوريا من جهة ثانية.
كما برزت خلافاتٌ سياسيةٌ بعد أحداث الربيع العربي، خاصةً في ما يتعلق بموقف أنقرة من بعض القوى السياسية التي وصلت إلى الحكم في تلك المرحلة، وتحديدًا جماعة الإخوان المسلمين بفروعها.
وقد فسّر المسؤولون الأتراك هذا الموقف باعتباره تعاملًا مع القوى التي كانت تمثّل السلطة السياسية الجديدة في تلك الدول، وهو ما يراه الأتراك سلوكًا منطقيًا باعتباره تعاملًا مع الحاضر والمستقبل لا مع الماضي الزائل، وليس تبنيًّا دائمًا لمشروعٍ آيديولوجيٍ معين.
ومع مرور الوقت شهدت السياسة التركية مراجعات مهمة، خصوصًا في إطار سياسة إعادة تطبيع العلاقات مع العديد من الدول العربية، وهي السياسة التي كان لوزير الخارجية التركي الحالي هاكان فيدان دورًا محوريًا فيها، بعد أن تراجع مشروع "العثمانية الجديدة" الذي (بشّر) به السياسي التركي المثير للجدل أحمد داوود أوغلو.
وبالطبع كانت هناك في المقابل سياسات عربية خاطئة تجاه تركيا، وصلت إلى حدّ تورّط بعض الحكومات العربية في ترتيب أو دعم أعمالٍ انقلابيةٍ أو ذات طبيعةٍ تآمرية في الداخل التركي، ودعم قوى انفصالية موصوفةٍ بأنها إرهابية مثل حزب العمال الكردستاني، أو إيواء عناصر هذا الحزب المحظور على أراضٍ عربية وتمويله من قبل حكوماتٍ عربية أيضا.
أخطر ما في المشروع الإقليمي الذي تقوده إيران لا يكمن فقط في طموحه السياسي، بل في طبيعته الآيديولوجية العابرة للحدود والمتداخلة اجتماعيًا وثقافيًا والمعزّزة بالنفوذ العسكري الميليشياوي.
تركيا وإيران؛ اختلاف بنيوي في المشروع الإقليمي
من الأخطاء الشائعة في بعض التحليلات والخطابات السياسية العربية، الغارقة في الآيديولوجيا، وضع تركيا وإيران في خانة واحدة باعتبارهما قوتين إقليميتين معاديتين للعرب!
فالمقارنة الاستراتيجية بين البلدين تكشف اختلافًا عميقًا في طبيعة المشاريع الإقليمية لكل من هاتين الدولتين المجاورتين لدول المشرق العربي.
فالمشروع التركي يركّز بدرجةٍ أساسيةٍ على الاقتصاد والتجارة والبنية التحتية وربط الأسواق في تركيا ومحيطها. وقد شهدت السنوات الأخيرة توسّعًا كبيرًا في الاستثمارات التركية في العديد من الدول العربية، إضافة إلى ارتفاع ملحوظ في حجم التبادل التجاري والسياحي بين الطرفين العربي والتركي.
في المقابل وعلى نحوٍ مناقضٍ تمامًا، ارتبط المشروع الإيراني في المشرق العربي على نحوٍ خاص بوجودٍ سياسيٍ وعسكريٍ مباشرٍ مكثّفٍ للغاية في عدة دولٍ عربية، مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن، أو غير مباشرٍ عبر تهديداتٍ داخليةٍ لأمن مجتمعات دولٍ عربية أخرى مثل السعودية والبحرين بشكلٍ خاص، ومحاولاتٍ للعبث في الجزائر والمغرب وتونس وغيرها، وهو ما جعل العلاقة بين إيران وعددٍ كبيرٍ من الدول العربية أكثر تعقيدًا وحساسية، وتصل إلى حد توصيفها بـ "الاحتلال" في كثيرٍ من الأحيان.
إن أخطر ما في المشروع الإقليمي الذي تقوده إيران لا يكمن فقط في طموحه السياسي، بل في طبيعته الآيديولوجية العابرة للحدود والمتداخلة اجتماعيًا وثقافيًا. فطهران لا تعتمد في توسيع نفوذها على العلاقات التقليدية بين الدول، كما تفعل تركيا في العادة، بل على بناء شبكاتٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ مرتبطةٍ بها عقائديًا حدّ الموالاة المطلقة داخل المجتمعات العربية المستهدفة، وهو ما لا تُنكرِه إيران ولا حتى الأطراف المرتبطة بها مثل حزب الله في لبنان وفروعه الأخرى، والحشد الشعبي في العراق، والحوثي في اليمن بالمناسبة.
وقد أدّى هذا النمط من النفوذ إلى تحويل دول عربية مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن إلى ساحات صراعٍ إقليميٍ مفتوح تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية، بما جعل من هذه الدول الأربعة بالذات دولًا هشّة مهدّدةً في صميم أمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والأخير بالغ الخطورة لأنه يؤسّس بؤر خرابٍ وعوامل صراعاتٍ مستقبليةٍ وليس على صعيد الحاضر فحسب، مما يعني أنه يهدّد تلك الدول في صميم وجودها ونسيجها الاجتماعي.
كما أن هذا التمدّد أو النفوذ، إن لم نقل "الاحتلال الفعلي الكامل"، لا يقوم على مشاريع اقتصاديةٍ أو تنمويةٍ كما الحال مع المشروع التركي، وإنما يعتمد على أدوات النفوذ العسكري والميليشياوي، وهو ما يهدّد بنية الدولة الوطنية في تلك البلدان العربية ويؤدي إلى إضعاف مؤسّساتها واستلابها بالكامل، ومن هنا يمثّل المشروع الإيراني تحديًا استراتيجيًا طويل المدى وعميق التأثير وشاملًا للنظام الإقليمي العربي كلّه وليس في الدول المستهدفة فحسب، لأنه لا يقتصر على النفوذ السياسي المباشر، بل يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى داخل المجتمعات نفسها.
يعكس وضع تركيا وإيران والكيان الصهيوني في مستوى واحدٍ من العداء للعرب في غالب الأحيان قراءةً آيديولوجيةً متطرفةً وربما موقفًا متحجّرًا مثقلًا بعقدٍ تاريخية موهومةً، أو جهلًا ربما، أكثر منه تحليلًا سياسيًا واقعيًا رصينًا ومقبولا.
مسألة الأراضي والحدود
لا توجد اليوم على الإطلاق أراضٍ عربيةٍ تعتبر جزءًا من السيادة الرسمية للجمهورية التركية. أما قضية "لواء الإسكندرونة" فقد حُسمت تاريخيًا ورسميًا عبر استفتاءٍ شعبيٍ جرى في الخامس من تموز/ يوليو 1938 وأسفر عن انضمام المنطقة إلى تركيا لتكون ضمن ولاية هاتاي التركية الحالية.
وعلى الرغم من أن هذه القضية كانت محلّ مطالبةٍ سوريةٍ ورفضٍ تركيٍ ضمن جدلٍ سياسيٍ في مراحل تاريخيةٍ سابقة بين الطرفين السوري والتركي منتصف القرن العشرين، إلا أنها لم تعد حاضرةً في الخطاب الرسمي للجمهورية العربية السورية، لا في عهده الحالي ولا الذي سبقه، بالشكل الذي كانت عليه في عقودٍ ماضية.
في المقابل تعدّ منطقة الأحواز، وهي إمارة عربية تحتلّها إيران منذ سنة 1925 وتعمل بإصرارٍ على تفريسها ومحو هويتها القومية العربية، تعدّ من أهم المناطق الاستراتيجية في إيران، نظرًا لما تحتويه من موارد نفطيةٍ وغازيةٍ ضخمةٍ جدًا، بل أنها تشكّل الركيزة الأساسية القصوى للاقتصاد الإيراني حيث يتركّز فيها الجزء الأكبر من إنتاج الطاقة النفطية والغازية الإيرانية والبنية التحتية المرتبطة به، إضافةً إلى موقعها الجغرافي المسيطر على طول الضفة الشرقية من الخليج العربي.
خطأ المساواة بين تركيا وإيران والكيان الصهيوني
يعكس وضع تركيا وإيران والكيان الصهيوني في مستوى واحدٍ من العداء للعرب في غالب الأحيان قراءةً آيديولوجيةً متطرفةً وربما موقفًا متحجّرًا مثقلًا بعقدٍ تاريخية موهومةً، أو جهلًا ربما، أكثر منه تحليلًا سياسيًا واقعيًا رصينًا ومقبولا.
فقد شهدت العلاقة بين تركيا ودول الوطن العربي خلال العقود الأخيرة مستوياتٍ عالية، وإن تفاوتت، من التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني والعسكري، بينما تختلف طبيعة العلاقات العربية مع كلٍّ من إيران و (إسرائيل) تبعًا للسياقات السياسية والأمنية المختلفة في الدول العربية المعنية.
وإذا كنا تحدّثنا، قبل قليل، بشأن خطورة المشروع الإيراني، الذي تمثّله في هذه المرحلة دولة الولي الفقيه، على دولٍ عربيةٍ بعينها وعلى عموم الوطن العربي، فسنركّز الآن على خطورة المشروع الصهيوني على الأمة العربية كلها، والمشرق العربي منها بالتحديد.
يشكّل المشروع الصهيوني الذي قامت عليه (إسرائيل) منذ نشأته تحديًا استراتيجيًا أساسيًا للوطن العربي، إذ ارتبط هذا المشروع منذ البداية بقيام (دولة) على أرض فلسطين التاريخية المغتصبة بعد حرب 1948 وما رافقها من تهجيرٍ واسعٍ للفلسطينيين واستلاب أرضهم التاريخية فيما عُرف باسم "النكبة". وقد أدى استمرار الصراع واحتلال المزيد من الأراضي الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية والقدس، وفرض الحصار على قطاع غزة، وإبادته مؤخرًا، واستمرار سياسات التهجير والتهويد والاستيطان والقضم إلى جعل القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا في السياسة العربية لعقودٍ طويلة.
وتكمن خطورة هذا المشروع الصهيوني في أنه لم يكن مجرد نزاعٍ حدوديٍ تقليديٍ، بل صراعًا مرتبطًا بالأرض والهوية والسيادة، وهو ما جعله أحد أكثر الصراعات تعقيدًا واستمرارًا لا في الشرق الأوسط فحسب بل على مستوى العالم كذلك. ولذلك ظلَّ إنهاء الاحتلال وإيجاد حلٍّ عادلٍ للقضية الفلسطينية شرطًا أساسيًا لتحقيق استقرار حقيقي ودائم في المنطقة.
يمكن، بل ينبغي، للعلاقة بين تركيا ودول الوطن العربي أن تتحوّل من علاقةٍ تقليديةٍ قائمةٍ على المصالح الآنية المتغيرّة إلى شراكاتٍ استراتيجيةٍ حقيقيةٍ
المشروع التركي؛ اقتصادٌ وتنمية
مع بداية القرن الحادي والعشرين، ومع وصول حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم منذ العام 2002، تبنّت أنقرة نموذجًا يقوم على تعزيز الاقتصاد والانفتاح التجاري، وتوسيع شبكة العلاقات الاقتصادية مع الدول المجاورة، والعربية منها بالدرجة الأساس.
وأدّى ذلك إلى ارتفاع حجم التجارة مع الدول العربية، وزيادة حضور الشركات التركية في مشاريع البنية التحتية والإعمار والطاقة في عددٍ من تلك الدول.
ومن الواضح أنّ هذا النموذج الاقتصادي لا يقوم على الهيمنة السياسية ولا الاختراق الأمني ولا الاحتلال العسكري بقدر ما يقوم على تكامل الأسواق وتطوير البنى التحتية وتعزيز خطوط المواصلات، وهو ما يوفّر فرصًا حقيقية لتحسين التنمية الاقتصادية في المنطقة بشكلٍ عامٍ إذا ما أُحسن توظيفه لما يحقق مصالح جميع الأطراف المعنية.
نحو شراكة استراتيجية عربية تركية
تتطلّب التحديات التي تواجه الشرق الأوسط اليوم، من الأمن الغذائي وأمن الطاقة إلى الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، وغير ذلك، مستوى أعلى من التعاون الإقليمي وخصوصًا بين المرتكزات الأساسية في المنطقة، العربية والتركية تحديدًا، لا الدخيلة عليه مثل (إسرائيل).
وفي هذا السياق يمكن، بل ينبغي، للعلاقة بين تركيا ودول الوطن العربي أن تتحوّل من علاقةٍ تقليديةٍ قائمةٍ على المصالح الآنية المتغيرّة إلى شراكاتٍ استراتيجيةٍ حقيقيةٍ تقوم على ثلاثة محاور رئيسة:
ختاما
إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدّد فقط بالصراعات القائمة ونتائجها، بل أيضًا، وربما أولًا، بقدرة دول المنطقة على بناء منظوماتِ تعاونٍ إقليميٍ جديدةٍ، منظوماتٍ واقعيةٍ وقابلةٍ للحياة بل ومتطوّرةٍ ومستدامةٍ كذلك. وفي هذا الإطار تمثّل العلاقة بين تركيا ودول الوطن العربي أحد أهم المفاتيح لإعادة تشكيل التوازنات في هذه المنطقة التي تقع في صميم خطوط الطاقة والاقتصاد الذي يحرّك العالم.
فالجغرافيا المشتركة، والمصالح الاقتصادية المتبادلة، والتاريخ الطويل من التفاعل بين الشعوب، والدين الواحد وغير ذلك، كلّها عوامل تجعل من تطوير هذه العلاقة خيارًا استراتيجيًا يحقّق أمن المنطقة ويخدم استقرارها ويعزّز ازدهارها.
إن التحدي الحقيقي في هذه البقعة الجغرافية الشاسعة والغنية بعوامل التاريخ وموارد الطاقة وغيرها من الموارد الطبيعية والمعزّزة بالقدرات البشرية الكبيرة لا يكمن في إدارة الخلافات المرحلية فحسب، مما يمكن أن تنهض به وزارات الخارجية وأجهزة المخابرات بالطرق الدبلوماسية التقليدية أو الخاصة في العادة، بل في بناء رؤيةٍ مستقبليةٍ استراتيجيةٍ تجعل من التعاون العربي التركي، القائم على كل ما يتوفّر للطرفين من موارد دينيةٍ وثقافيةٍ واقتصاديةٍ وجغرافيةٍ وتاريخيةٍ وغيرها، ركيزةً أساسية لنظامٍ إقليمي يخدم أبناء الدول المعنية، نظامٍ أكثر استقرارًا وتوازنًا وقابلًا للاستمرار والتطوير بشكلٍ دائم.
والله الموفق والمستعان