الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

عندما يُسرف البوسعيدي في "عقلانيته"!

أين كانت "عقلانية" الوزير العُماني يوم قام بمهام ساعي البريد بين واشنطن وطهران؟!

مصطفى كامل
الخميس 19 مارس, 2026 13:00
عُمان تخسر نفسها في لحظةٍ إقليميةٍ حرجة!
عُمان تخسر نفسها في لحظةٍ إقليميةٍ حرجة!
 نشر وزير خارجية سلطنة عُمان السيد بدر البوسعيدي بتاريخ 18/3/2026 مقالًا في مجلة الإيكونومست TheEconomist البريطانية الشهيرة بعنوان "يجب على أصدقاء أميركا مساعدتها في إخراجها من حربٍ غير قانونية" استعرض فيه ما وصفه بالأخطاء التي وقعت فيها الولايات المتحدة في شنّها هجماتها ضد إيران، سواءً على الصعيدين السياسي أو العسكري.

وأول ما تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ مقال السيد بدر البوسعيدي أن الفريق الفني في موقع المجلة أخطأ بوضع صورة الوزير العُماني بدلًا من صورة وزير خارجية النظام الإيراني عباس عراقجي، وكنت أنوي بالفعل الكتابة للمجلة لتنبيهها على هذا الخطأ الفني، لكنني عند إكمال قراءة المقال عرفت أنه للبوسعيدي شخصيًا وليس لزميله عراقجي، مع أنه من الممكن أن يكون البوسعيدي وعراقجي قد اشتركا معًا في كتابته ولكن البوسعيدي (انفرد) بإدراج اسمه لوحده عليه و (فاز) بـ "السبق الصحفي"، بدافع الأنانية التي يقع فيها بعض الصحفيين والكتاب، أو ربما بسبب انقطاع التواصل بينه وبين عراقجي في اللحظات الأخيرة!

القراءة الواعية للمقال تكشف عن كونه حذلقاتٍ لفظيةٍ لا معنى لها في هذا الوقت، ومجرّد تكرارٍ لادّعاءاتٍ إيرانيةٍ وخيالاتٍ عُمانيةٍ كانت تتوهّم، وتُوهم الآخرين، أن محادثات مسقط بين واشنطن وطهران، بجولتيها، كان من الممكن، بل من المرجّح، أن تصل بالطرفين إلى صياغة اتفاقٍ نوويٍ شاملٍ يُنهي عقودًا من الأزمات حول البرنامج النووي الإيراني التسليحي بالتأكيد، وإن أنكرت طهران ومسقط ذلك.

مقال البوسعيدي حذلقات لفظية وتكرار لادّعاءاتٍ إيرانية وخيالاتٍ عُمانية كانت تتوهّم، وتُوهم الآخرين، أن محادثات مسقط بين واشنطن وطهران كان من الممكن، بل من المرجّح، أن تصل بالطرفين إلى صياغة اتفاقٍ نوويٍ شاملٍ يُنهي عقودًا من الأزمات حول البرنامج النووي الإيراني التسليحي بالتأكيد.

والحقيقة أن هذه الادّعاءات والخيالات كانت على قدرٍ كبيرٍ من السطحية والسذاجة، إذ الطرفان الإيراني والعُماني كانا يُدركان جيدًا، من يومها، أن جلسات هذه المحادثات المتنقلة بين مسقط وروما وجنيف ليست إلا خطواتٍ على طريق الحرب، فالطرف الإيراني، مع كونه الأضعف بكل الاعتبارات، كان مصرًّا وباستعلاءٍ فارسيٍ معروفٍ تاريخيًا على عدم التجاوب مع أيٍّ من المقترحات التي قدّمتها واشنطن لإنهاء الأزمة، وظلّ يروغ "كما يروغ الثعلب" ويناور في تزويقاتٍ لفظيةٍ وحذلقاتٍ كلاميةٍ مفضوحةٍ ظنًّا منه أن التلويح بحُزَم التهديد الصاروخي والطيران المسيّر والأذرع الإرهابية التي يمتلكها نظام طهران يمكن أن يؤجّل الحسم الأميركي بل وأن يُبعِد السكين التي كانت واشنطن تعمل على شحذها بعنايةٍ واحترافٍ استعدادًا لنحر هذا النظام وحزّ رقبته بالكامل إذا فشلت المحادثات، وكان معروفًا لدى واشنطن ولدى عقلاء كثيرين حول العالم أنها ستفشل.

وبصرف النظر عن كم السذاجة الواضحة في المقال ومقدار السطحية في تناوله لواحدةٍ من أعقد الأزمات العالمية في التاريخ المعاصر، إلا أن هناك عبارة وردت في هذا المقال صدمتني بحق وهي ما جعلني أفكّر بكتابة هذه السطور!

يقول البوسعيدي، الذي هو وزير خارجية دولة تعرّضت وتتعرّض لعدوانٍ معلنٍ من جانب إيران، إن "رد إيران على ما تدّعي أنها أهداف أميركية على أراضي جيرانها كان نتيجة حتمية... ربما كان هذا هو الخيار العقلاني الوحيد المتاح للقيادة الإيرانية".

"السلطنة" بمواقفها المُوغلة في التناغم مع العدوانية الإيرانية هذه المرة ستنتقل من موقع محدودية النفوذ الإقليمي والعزف المنفرد إلى موقع تسويغ العدوان الإيراني وهذا ما لا يمكن أن يرضى به الخليجيون على الإطلاق، فالموقف اليوم ليس موقف مناورة في الخطوات بل موقف حسم.

تخيلوا أن السيد البوسعيدي الذي تعرّضت بلاده للعدوان الإيراني المباشر، وستتعرّض للمزيد من الاعتداءات، يرى في هذا العدوان الإيراني "الخيار العقلاني الوحيد المتاح"!

لا أدري أيَّ عقلانيةٍ يتحدّث عنها الوزير العُماني وهو يرى مرتكزاتٍ اقتصادية في دولته، ناهيك عن دولٍ أخرى شقيقةٍ كما هو مفترض، تُهاجم بصلافةٍ وإصرارٍ على ارتكاب المزيد من العدوان، وعلى دفع الأمور إلى درجةٍ من الفوضى تهدّد العالم كله وليس الدول المعنية بالأزمة فحسب!

ولا أدري أين كانت "عقلانية" السيد البوسعيدي يوم كان يقوم بمهام ساعي البريد بين واشنطن وطهران؟! ولماذا لم "ينصح" نظام طهران (العقلاني) بمزيدٍ من العقلانية والواقعية وهو يرى سُحب الحرب تتلبّد في سماء المنطقة وتُوشك أن تهطل صواريخًا وحممًا، مثلما يوجّه اليوم نصائحه لإنقاذ الولايات المتحدة من (ورطتها) المزعومة برأيه؟!

ولا أدري أين كانت "عقلانية" السيد البوسعيدي  الذي كان يمكن أن يُنزّه نفسه عن هذا المآل الذي لم نكن نتمناه له وهو يعلم أن الطرفين يستخدمانه ويخدعانه في تلك المحادثات، كلٌ لغايته وهدفه؟!

فهل يدعو الوزير العُماني المعروف بـ "العقلانية" بمقاله هذا زميله الإيراني عراقجي (العقلاني) هو الآخر إلى ارتكاب المزيد من "الخيارات العقلانية" ضد الجيران؟!

وهل سيستجيب الجانب الإيراني إلى دعوة الوزير العُماني فيردّ بمزيدٍ من "العقلانية" المعروفة من جانب النظام الإيراني على "السلطنة" وعلى باقي دول الخليج العربي؟!

من الواضح أن نظام طهران تلقّى إشارة السيد البوسعيدي بكثيرٍ من التقدير والاهتمام والعناية، وباشر بالفعل بتنفيذها. وما الجنون الإجرامي الإيراني الذي نراه اليوم إلا استجابةً دقيقةً وأمينةً لدعوة وزير الخارجية العُماني "العقلانية" هذه!

نعرف جميعًا أن سلطنة عُمان تغرّد دائمًا خارج السرب الخليجي، وهي المشكوك بكونها بلدًا خليجيًا فهي العاصمة الوحيدة التي تُدير ظهرها لمياه الخليج العربي وتغتسل بمياه خليج عُمان المفتوح على المحيط الهندي، ولكن الانتماء إلى منظومةٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ وعسكريةٍ واقتصاديةٍ اسمها "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" يفرض على جميع الأعضاء واجباتٍ معيّنةً وحدَّا أدنى من التوافق والانسجام مع باقي الأعضاء وإلا فلا داعي ولا معنى للبقاء في منظومةٍ ما في ظلِّ التناقض التام مع كل موجبات قيامها!

نظام طهران تلقّى إشارة السيد البوسعيدي بكثيرٍ من التقدير والاهتمام والعناية، وباشر بالفعل بتنفيذها!

صحيح أن المواقف العُمانية المختلفة، خصوصًا تجاه إيران، وسياسة "عدم التدخل والنأي بالنفس" التي التزمت بها مسقط في عهد سلطانها الراحل قابوس بن سعيد بما تعنيه من قلة التأثير في مسارات الصراعات وغياب دور قيادي قوي مقارنةً بدول أخرى، ورفضها الالتزام في سياساتٍ خليجيةٍ جماعيةٍ في شأن العلاقة مع إيران، وغيره كذلك، كل ذلك جعل هناك فجوة ثقةٍ مع الشركاء طيلة المرحلة الماضية، إلا أن  "السلطنة" بمواقفها المُوغلة في التناغم مع العدوانية الإيرانية هذه المرة ستنتقل من موقع محدودية النفوذ الإقليمي والعزف المنفرد إلى موقع تسويغ العدوان الإيراني وهذا ما لا يمكن أن يرضى به الخليجيون على الإطلاق، فالموقف اليوم ليس موقف مناورة في الخطوات بل موقف حسم، خصوصًا بعد أن ضرب العدوان الإيراني مرتكزات "النموذج الخليجي" في صميمه أمنيًا وعسكريًا واقتصاديا.

وما دام العدوان الإيراني على الجيران هو "الخيار العقلاني الوحيد المتاح أمام طهران" في نظر السيد البوسعيدي فإننا نرجو أن يستمتع سيادته بالمشاهد "العقلانية" التي تنقلها عدسات آلات التصوير من أراضي جيرانه الذين يتشارك معهم مقعدًا في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" بل ومن مواقع عديدة في دولته التي تنتهك "عقلانية" إيران سيادتها برًّا وبحرًا وجوا.

لكن على وزير خارجية سلطنة عُمان السيد بدر البوسعيدي أن يفهم أنه لن يكون بإمكانه (تسويق) و (بيع) هذا الموقف على الإيرانيين، وإذا تمكّن من (تسويقه) لبرهةٍ محدودةٍ فإنه لن يجني (أرباحًا) من بيعه لهم، لأن النظام الذي طالما (باع) عليه حذلقاته سيسقط، وسيقوم بدلًا عنه نظام معادٍ تمامًا لكل السياسات التي كان نظام ولاية الفقيه يقوم عليها، ومعادٍ تمامًا لكل الذين كانوا يمدّون نظام ولاية الفقيه بجرعات الأوكسجين ليطيلوا في عمره ويزيدوا بذلك من معاناة شعوب إيران ومن مآسي دول الخليج العربي، وحينها سيفيق السيد البوسعيدي على حقيقة كون (بضاعته) كاسدة، بل خاسرة تمامًا، وستكون دولته، لوحدها في مهبّ ريحٍ لا نرجوها لها، لكن سياسة المخاتلة والمراوغة و "العقلانية" الزائفة التي يزعمها بعض سياسييها هي من دفعت بها إلى هذا المصير.

إنها لحظةٌ إقليميةٌ حرجةٌ للغاية، وعُمان تخسر نفسها وتخسر جيرانها في هذه اللحظة الحرجة!

 

🎯 المقال بنصّه الإنجليزي هنا لمن يرغب.

 

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram