الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

إسلام آباد واختبار المأزق الإيراني

مشكلة المزاعم الإيرانية أعمق من مجرد خلاف تفاوضي؛ بل فجوة مصداقية داخلية

ناجي حرج
السبت 11 أبريل, 2026 09:23
 من المؤمل أن تبدأ مفاوضات إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدّة اليوم السبت 11 نيسان 2026. ولا تدخل طهران هذه المفاوضات من موقع تفاوضي مريح، مهما حاول خطابها الداخلي أن يوحي بذلك.

فالمسألة لم تعدّ مجرد تفاوض على وقف إطلاق النار أو تهدئة مؤقتة، بل أصبحت أيضاً مصدر ضغطٍ يضع المفاوض الإيراني في مأزق سياسي وإعلامي صنعته إيران بنفسها. فقد قدّم القادة الإيرانيون موافقة ترامب على وقف إطلاق النار المؤقت لجمهورهم على أنّه انتصارٌ في الحرب، مؤكدّين بأن واشنطن قد وافقت على الشروط الإيرانية العشر الأساسية.

وعلى مدى الأيام الماضية ظلّ الجمهور المؤيد للنظام الإيراني يقيم الإحتفالات في الساحات العامة، وهو يتغنى بالنصر المؤزّر للجمهورية على قوى الإستكبار العالمي. لكن مع انكشاف المواقف الحقيقية، بدا واضحاً أن الفجوة بين ما أعلنته طهران في الداخل، وما هو مطروح فعلياً في التفاوض، أكبر بكثير مما يمكن إخفاؤه. وهنا بالتحديد نشأ المأزق: إذ لم تعدّ إيران تواجه فقط تشدّداً أميركياً، بل باتت تواجه أيضًا سقف التوقعات الذي رفعته هي نفسها أمام شعبها ومؤيديها.

أين يكمن المأزق الإيراني؟

أوحت الرواية الإيرانية بأن الولايات المتحدّة الأميركية قد وافقت على عشر شروطٍ إيرانية لوقف إطلاق النار، لكي تكون أساساً للمفاوضات في آسلام آباد. فقد قال إبراهيم رضايي رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إن "العدو اضطّر إلى قبول الشروط الإيرانية لإنهاء الحرب، بفضل مقاومة الشعب والقوات المسلحة إلى جانب محور المقاومة"، مبيناً أن الشروط الإيرانية تتضمن:

-       ضمان أن تلتزم الولايات المتحدة وحلفاءها بعدم شنّ إيّ هجومٍ على إيران مرّة أخرى.

-       رفع كامل للعقوبات الأميركية على إيران وتحرير كلّ الأصول المجمّدة.

-       الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم

-        طرد القوات الأمريكية من المنطقة،

-        إلغاء جميع العقوبات والقرارات الدولية،

-       وقف الهجمات ضدّ لبنان وأطراف محور المقاومة،

-       إعادة فتح مضيق هرمز تحت السيادة الإيرانية.

-       فرض رسم عبور يبلغ نحو مليوني دولار لكل سفينة، يجري تقاسمه مع سلطنة عُمان.

-       تعويضات أو دعم لإعادة الإعمار عن أضرار الحرب داخل إيران.

لكن ما ظهر لاحقاً يؤكدّ أن واشنطن لا تنظر إلى الأمور بهذه الطريقة، بل لديها فهم مختلف تماماً للشروط الأساسية التي ستقوم عليها المفوضات مع طهران، تقوم على التزام إيران بعدم امتلاك أسلحة نووية، وتسليمها لليورانيوم عالي التخصيب، وفرض قيود على القدرات العسكرية لطهران، وإنهاء نشاط الجماعات الوكيلة لها في المنطقة، وإعادة فتح مضيق هرمز بشكلٍ كامل. بل أن المتحدّثة باسم البيت الأبيض عبّرت عن رفض واشنطن الكامل لما نُشر من شرةطٍ إيرانية قائلة أنّه تم رميها في سلّة المهملات.

وهنا تصبح المشكلة أعمق من مجرد خلاف تفاوضي؛ لأنها تتحول إلى فجوة مصداقية داخلية إيرانية، حين تمنّي دولة جمهورها وأتباعها بسقف إنجازٍ مرتفع جداً قبل بدء المفاوضات، ثم تتكشف الحقائق لتثبت أنه لا يوجد أيّ أساسٍ لما تقول. ولذا فإن المفاوض الإيراني يدخل التفاوض وهو أمام أزمة حقيقية.

اللجوء إلى خطاب "عدم الثقة"

من هنا يمكن فهم التحول الإيراني من خطابٍ يوحي بوجود قبول أميركي يشبه ـ الى حدٍّ بعيد ـ الإستسلام، إلى خطابٍ يركز على “انعدام الثقة” بواشنطن. صحيح أن عدم الثقة بين الطرفين ليس أمراً جديداً، لكنّه في اللحظة الحالية يؤدي وظيفة مزدوجة:

  • وظيفة تفاوضية: تبرير التشدّد ورفع مستوى الحذر في التفاوض،
  • وظيفة داخلية: تفسير الفجوة بين ما قيل للجمهور الإيراني وما يتكشف من وقائع.

بمعنى آخر، أن القيادة الإيرانية وجدت في خطاب “عدم الثقة” أداة مناسبة للخروج من المأزق الذي وضعت نفسها فيه. فهو يسمح لإيران بأن تقول لجمهورها: المشكلة ليست في أن تقديراتنا كانت مبالغاً فيها، بل في أن الطرف الأميركي غير موثوق وغير ملتزم.

وهذه صيغة سياسية مفيدة، لأنها تؤجل الاعتراف الصريح بأن الرواية السابقة لم تكن مطابقة لحقيقة التفاوض.

أقصى ما يمكن توقعه من هذه المفاوضات ليس الوصول الى حلٍّ شامل للأزمة، بل وضع ضوابط لإدارتها.

كيف ينعكس هذا المأزق على مفاوضات إسلام آباد؟

هذا المأزق يجعل إيران أقل قدرة على المناورة الواقعية، وأكثر حاجة إلى التشدّد اللفظي. فهي لا تستطيع بسهولة أن تقدّم تنازلاتٍ واضحة، لأن أيّ تراجع صريح سيبدو، داخلياً، كأنّه اعترافٌ متأخر بأنّ ما قيل سابقاً لم يكن دقيقاً.

لذلك، من المرجح أن تميل طهران إلى الأساليب الآتية:

  • التمسك بعناوين كبيرة وفضفاضة
  • الإكثار من الحديث عن الضمانات وعدم الثقة
  • ربط التهدئة بملفاتٍ أوسع من إطارها العملي
  • تجنّب أي لغة توحي بتراجعٍ واضح عن السقف المعلن سابقاً
  • محاولة إبقاء الغموض قائماً بدل الانتقال إلى تفاهماتٍ واضحة ومحدّدة

 

لبنان... نقطة كاشفة لا تفصيل جانبي

يزداد هذا التناقض وضوحاً في ملف لبنان. فإيران تعاملت، أو أرادت أن تُظهر، أن وقف إطلاق النار ينبغي أن يشمل الساحة اللبنانية أيضاً، بينما الموقف الأميركي بدا أكثر تضييقاً، رافضاً توسيع إطار التهدئة بهذه الصورة.

وهذه ليست مجرد مسألة تقنية، بل نقطة شديدة الدلالة، لأنها تكشف عدّة أمورٍ منها

  • أن الطرفين ليسا متفقين حتّى على حدود التفاهم نفسه
  • أن إيران تخلّت عن أقرب حلفائها في سعيها لوقف الحرب.
  • أن إيران سوّقت داخلياً (اتفاقاً) يختلف تماماً عن ما سيجري التفاوض بشأنه.

بكلمات أخرى، فإن الخلاف على لبنان ليس تفصيلاً منفصلاً عن المأزق الإيراني، بلّ هو أحد أوضح تعبيراته.

ماذا يعني ذلك لنتائج المفاوضات؟

في ضوء هذا كله، لا يبدو أن مفاوضات إسلام آباد مرشحة لإنتاج اختراقٍ تاريخي أو تسوية نهائية. الأقرب إلى الواقع هو أن تنتهي إلى نجاحٍ محدود، لا أكثر.

النتائج الأكثر احتمالاً هي:

  • تثبيت وقف إطلاق نارٍ هشّ لفترة إضافية
  • إبقاء باب التفاوض مفتوحاً
  • تأجيل الملفات الكبيرة (البرنامج النووي والتخصيب والصواريخ) إلى جولاتٍ لاحقة
  • تنظيم لحرّية الملاحة وضمان سلامتها
  • منع الانهيار الكامل للمسار التفاوضي

 

من هنا، فإن أقصى ما يمكن توقعه من هذه المفاوضات ليس الوصول الى حلٍّ شامل للأزمة، بل وضع ضوابط لإدارتها. فطهران لا تستطيع أن تتراجع بسهولة عن السقف الذي بنته داخلياً، وواشنطن لا تبدو مستعدّة لمنحها ما يُثبت تلك الرواية. وبين هذين الحدّين، تبدو إسلام آباد محطّة لتجميد التصعيد، لا لإنهائه، ومحاولة لشراء الوقت، لا لصناعة تسوية نهائية.

 

  

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram