

ناقشنا في الحلقة الأولى من هذا المقال (منشورة هنا) جوانب من ملفات الأمن والدبلوماسية التي تكتنف الاتفاق السعودي الإيراني على استئناف العلاقات بين الرياض وطهران، واليوم نناقش ملفات أخرى ضمن الموضوع.
الخواصر والأذرع والبعد الآيديولوجي؟
هنا يثور سؤال: كيف ستتعامل السعودية مع التهديدات الجدّية التي تتعرض لها خواصرها الشمالية والجنوبية وكلاهما مركز وجود إيراني جدّي وكبير ومؤثر بل فاعل؟
الجميع يعرف أن إيران تعبث بأمن واستقرار الدول الأخرى بالواسطة وليس بالأسلوب المباشر، ومن خلال أذرعها الإرهابية التي أجادت استخدامها طيلة عقود بعد أن أسّستها بالأصل لهذا الغرض، فأنت لو تجوّلت في مدن وقرى اليمن أو العراق أو سوريا أو لبنان فإنك بالتأكيد لن ترى جندياً إيرانياً واحداً مع أن إيران موجودة بقوة في كل مكان في الحقيقة، ومع أن وجودها غير مرئي لكنه فعّال للغاية، فكيف ستتعامل السعودية مع هذه الأذرع الإرهابية الإيرانية التي تمثل العمود الفقري لـ (سياسة) إيران الخارجية وليس ما يبدو من سفارات ودبلوماسيين؟
هل ستحلّ إيران فيلق القدس في الحرس الثوري وهو الذي يفرض سلطته على وزارة الخارجية كما سمعنا في شكوى وزيرها محمد جواد ظريف التي تسرّبت قبل سنوات؟
من المؤكد أن الإجابة على هذا السؤال تأتي بالنفي القاطع، فهذا الفيلق الإرهابي، بكل معاني الكلمة، يأتي في التسلسل الثاني في هرم المؤسسات الإيرانية بعد المرشد الأعلى علي خامنئي وحتى قبل الفروع الأخرى لمؤسسة الحرس الثوري بشكل عام، فهو المسؤول عن مفهوم نشر "الثورة الإسلامية" وتصديرها في العالم، ومبدأ "تصدير الثورة" هذا ليس شعاراً استهلاكياً كما يتوهّم بعضهم، إنه صلب نظام ولاية الفقيه وعموده الفقري ومحور استراتيجياته، وهو المعبّر الأساس عن وجه "إيران الثورة" التي تقتلنا، فيما يقدّم نظام طهران وجه "إيران الدولة" لمفاوضتنا والاتفاق معنا ومصافحتنا بقفازات من حرير سرعان ما تمزّقها فظاظة "الملا الثائر"!
الإعلام الإيراني وإعلام الأحزاب والميليشيات التي يموّلها النظام يعبّران عن استراتيجية ولاية الفقيه العنصرية والتوسعية والطائفية، بضمن ذلك نشر التوتر والعنف في المنطقة وتسفيه عقائد أهل السُنّة وهم الأغلبية، وإذا كانت إيران حريصة على التصالح مع إقليمها فعليها وقف هذا الاعلام الضالّ المضلّ بكل أشكاله ومساربه.
فالإعلام الإيراني وإعلام الأحزاب والميليشيات التي يموّلها النظام الإيراني عبر "اتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية" يعبّران عن استراتيجية ولاية الفقيه العنصرية والتوسعية والطائفية البغيضة، بضمن ذلك نشر التوتر والعنف في المنطقة وتسفيه عقائد أهل السُنّة وهم الأغلبية، وإذا كانت إيران حريصة على التصالح مع إقليمها فعليها وقف هذا الاعلام الضالّ المضلّ بكل أشكاله ومساربه.
ونسأل، في حال استمرار الخطاب الإرهابي التحريضي من جانب إيران وميليشيات إيران كيف ستتعامل السعودية مع هذا الخطاب الذي يستهدف دين وهوية وعروبة وكيان السعودية بالدرجة الأساس؟
وهنا نلفت النظر إلى المؤتمر الذي عقدته "الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين" أي ذباب إيران الإلكتروني يومي 7 و 8 آذار 2023 في بيروت بحضور سفير طهران وعددٍ من دبلوماسييها ووزير الثقافة اللبناني محمد المرتضى، ممثل حركة أمل، ووزير إعلام عصابات الحوثي وألقى فيه المموّل نوري المالكي كلمةً يطفح منها العفن الطائفي والتخريب الفكري والتحريض الطائفي، وهو المؤتمر الذي كانت السعودية أهم محاور الاستهداف فيه.
ماذا عن البعد الآيديولوجي في النظام الإيراني، وأعني هنا "نظرية أم القرى"، وفكرة "محورية نظام الولي الفقيه في العالم الإسلامي"، و "المسؤولية التكوينية عن شيعة العالم" حيثما كانوا.. الخ، وهذه هي الأخرى ليست مجرد شعارات، بل مقرّرات مضمّنة في مواد الدستور الإيراني.
فهل ستتخلى إيران عن آيديولوجيتها ثمناً لهذا الاتفاق؟!
بعبارة أخرى هل ستغيّر دستورها لتحقيق هذا الاتفاق؟!
بالتأكيد لن يحدث هذا، وأحمقٌ من يظنّ حدوثه، ولا شكّ أن الرياض تدرك ذلك.
ثم أنّ السعودية وهي كما قلنا دولة قائدة في المنطقة، قائدة سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، تترتب عليها مسؤوليات، وفي مقدمة هذه المسؤوليات ما يحدث في محيطها الحيوي، فكيف ستتعامل السعودية مع مسؤولياتها كدولة قائدة تجاه ما ستفعله إيران من أفاعيل في الأقطار العربية التي تمثل محيطها الحيوي مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين وباقي أقطار الخليج العربي، وهي أفاعيل جسيمة لا تُنكر؟
كما أن المشروع العنصري الطائفي الذي تعمل إيران من خلاله ليس مشروعاً واضح الحدود الجغرافية، بل هو مشروع توسعي مفتوح على كل الرقعة الجغرافية التي تسمى العالم الإسلامي، ومكة المكرمة قبلته، فكيف ستتعامل السعودية برمزيتها الدينية، التي لا ينازعها فيها أحد، مع التهديدات التي تتعرض لها دول العالم الإسلامي والتدخلات المستقبلية في تلك الدول المرشحة للتغلغل وامتداد النفوذ؟
صحيح جداً أن إيران ضعيفة اليوم، وأن مشروعها الطائفي العنصري التوسعي بعد مصرع قاسم سليماني يواجه كثيراً من المشاكل الحقيقية وهو معرّض للمزيد منها، لكن إيران عوّدتنا على الانحناء أمام العاصفة أو الانزواء بعيداً عن تياراتها ثم سرعان ما تعيد نبرة التحدي والقدرة على الإيذاء في أول لحظةٍ سانحةٍ بعد ذلك، حيث النية على الإيذاء قائمة بل دائمة، وحيث التثقيف على الإيذاء قائم بل دائم، وهذا درسٌ مستنبطٌ من وقائع التاريخ، ووقائع التاريخ لا تكذب ولا تتجمّل.
لذا فإن التعويل الاستراتيجي على (التنازل) الإيراني التكتيكي، إن وجد أصلاً، غيرُ مُجدٍ في الحقيقة ولا قيمةَ له، تماماً كما أن أي توقيع إيراني على الاتفاقيات لا قيمة له كذلك، فالاتفاقيات عند هذا النظام لا قيمة لها بأكثر من قيمة الورق الذي تكتب عليه والحبر الذي يستهلك في كتابتها، وفي حالتنا اليوم فإن الورق صيني والحبر صيني، بمعنى أنها لم تخسر حتى ثمن الورق والحبر.
الملف النووي
ثم ماذا عن البرنامج النووي الإيراني الذي يتقدّم بشكل مضطردٍ ودون رادعٍ عالميٍ حقيقي؟
هل سيتخلى النظام الإيراني عن حلمه الاستراتيجي وقد بات منه قاب قوسين أو أدنى، مع نسبة تخصيب لليورانيوم تقترب من 90 %؟
هل سيغلق النظام هذا الملف بكل ما يعنيه من فتح أبواب منطقة الخليج العربي على كابوس بشعٍ، ليس باستخدام السلاح النووي الاستراتيجي بالطبع، بل التكتيكي ربما، وبالتسرب الإشعاعي الوارد دائما؟
وماذا عن سلاح الصواريخ والمسيّرات التي باتت إيران منتجةً لها، أياً كانت كفاءتها وجدواها؟ فالسلاح غير الدقيق مؤذٍ أيضاً وربما يكون أكثر إيذاءً وتدميراً من نظيره الدقيق.
وأرى أنه بالنظر لعلاقة الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة (5+1) بالأمن الإقليمي فإن من المناسب، بل الضروري، إشراك ممثل عن مجلس التعاون الخليجي في عملية إعادة التفاوض للوصول إلى اتفاق نووي جديد يساهم تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، إن جرى ذلك التفاوض مجددا.
ومن البديهي أن تقف تهديدات ومخاطر الملف النووي الإيراني بين ملفات التفاوض بين البلدين، لكنني لا أعتقد أن الرياض فعلت ذلك، لعدة أسباب أهمها أن حدقة عينها تتسع على قضية اليمن الآن باعتبارها الأكثر إلحاحاً بالنسبة لها في الوقت الحاضر، ولأن موضوع إعادة التفاوض حول الملف النووي الإيراني غير مطروحة الآن أميركياً.
وماذا عن الاقتصاد؟
تنبئنا المؤشرات الاقتصادية عن ارتفاعٍ بنسبة تجاوزت 10 % لقيمة العملة الإيرانية المتدهورة خلال ساعات في أعقاب الإعلان عن توقيع الاتفاق.
كما يؤكد النص الرسمي المعلن للاتفاق على تفعيل "الاتفاقية العامة للتعاون في مجال الاقتصاد والتجارة والاستثمار والتقنية" الموقعة بين البلدين سنة 1998.
ولما كانت الأسواق الإيرانية تفتقد لكثيرٍ من الاحتياجات فإن النظام معني بالبحث عمّن يملأ تلك الرفوف الفارغة، صحيح أن ذلك، إذا ما حدث، سيحقق فائدة للاقتصاد السعودي، لكن اقتصاد المملكة لا يحتاج للانفتاح على إيران ليحقّق نمواً، فهو يزدهر باضطرادٍ ملحوظ، ومساعي تنويع مصادر الدخل القومي غير النفطية نشطةٌ على نحوٍ كبير، ضمن خطة 2030، فيما هذا الانفتاح يعني إمداداً للاقتصاد الإيراني بشكل ملحوظ وربما يراه بعض المحللين حبل نجاة لاقتصادٍ يغرق بالفعل، فهل الرياض معنية بإنقاذ اقتصاد إيران من أزماته أو بعضها في أقل تقدير؟
هناك أيضاً المصلحة الاقتصادية الصينية المباشرة التي تستفيد من هذا الاتفاق وما سينجم عنه من تهدئة، وما سيتيحه لها من آفاقٍ للتمدد في هذه البقعة الجغرافية، حيث أقامت الصين في السنوات الأخيرة علاقات اقتصادية أوثق مع المملكة العربية السعودية وإيران، وكلاهما مورّد مهم للنفط لدى بكين، بما جعل الأخيرة "شريكاً" لدى الرياض وطهران وساهم في تقاربهما الآن.
ومفيد أن نذكر أنه بحسب اتحاد الغرف السعودية بلغ التبادل التجاري بين الرياض وبكين نحو 80 مليار دولار في سنة 2021 أكثر من نصفها صادرات بترولية سعودية، وأن حجم الاستثمار السعودي في الصين تجاوز مبلغ ملياري دولار بقليل بينما وصل الاستثمار الصيني في السعودية إلى نحو 7.5 مليار دولار.
إيران تصوّر نفسها جزءاً من تحالفٍ ثلاثي روسي/ صيني/ إيراني، بينما الحقيقة أن روسيا والصين لا تنظران إلى إيران كنظيرٍ لهما بل يريانها حليف مصلحة مؤقت لا أكثر.
كذلك، تستعد مجموعة "بريكس" التي تقودها الصين للبتّ في مؤتمرها المرتقب هذه السنة بعضوية دول جديدة ترغب بالانضمام إلى المنتدى، الذي يضم البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، في خطوةٍ تُحسب لصالح بكين التي ترغب في بناء نفوذٍ دبلوماسيٍ واقتصاديٍ، وتسعى لمواجهة تفوق الدول الغربية في الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤسسات دولية أخرى.
وتقف السعودية وإيران من بين الدول التي طلبت رسمياً الانضمام للمجموعة، والمؤكد أن تهدئة الأجواء بين هاتين الدولتين مصلحة صينية بالدرجة الأساس فهي تريد مجموعة متناغمة منسجمة أو على الأقل هادئة الأجواء تنفذ من خلالها إلى العالم وتواجه ما هو قائمٌ من مؤسساته.
والمؤكد أن للسعودية وأقطار الخليج العربي مصلحة في إبعاد ممرات التجارة في مياه الخليج العربي ومضيق باب العرب (هرمز) عن أية مواجهة إيرانية مقبلة مع الغرب، فغلق المضيق في هذه الظروف، وهو تهديد طالما لوَّحت إيران به، سيضاعف أسعار النفط والغاز الروسي وسيكون وبالاً على العالم وعلى الغرب وأوكرانيا تحديدا.
وأرى أن أي انتهاكٍ إيراني للاتفاق، وهو أمر محتمل، سوف ينعكس سلباً على العلاقات الإيرانية الصينية، والعرب والغرب لا ينظرون بإيجابية إلى العلاقات الإيرانية/ الصينية، ويسعون إلى أن لا تكون على حساب مصالحهم، بضمن ذلك دور دول الخليج العربي في طريق الحرير الجديد. والمشكلة هنا أن إيران تصوّر نفسها جزءاً من تحالفٍ ثلاثي روسي/ صيني/ إيراني، بينما الحقيقة أن روسيا والصين لا تنظران إلى إيران كنظيرٍ لهما بل يريانها حليف مصلحة مؤقت لا أكثر.
لابد أن الرياض تشاورت مع أصدقاء، بعضهم في الولايات المتحدة، من باب الاستئناس بمشورتهم واستمزاج رأيهم في أقل تقدير، فالرياض لن تقطع علاقتها بواشنطن وترتمي في حضن الصين كلياً على الإطلاق.
هل الصين بديلٌ سعودي عن أميركا فعلا؟
باعتقادي، إن لجوء الرياض إلى بكين واختيارها طرفاً ضامناً لهذا الاتفاق خطوة طبيعية في سياقٍ متوقعٍ لعدة أسباب، منها:
ولا أدري إن كانت هذه الخطوة ستنجح أم أنها معرّضة للإخفاق من جهة، أو إذا كانت الصين تصلح بديلاً عن الولايات المتحدة بالنسبة للمملكة، خصوصاً إذا أدركنا أن اللحظة الراهنة المأزومة بين الرياض وواشنطن قد تكون مجرد لحظة عابرة في سياق أكثر ديمومة واستقراراً دام ثمانية عقود، وهكذا أعتقد، حيث العلاقات السياسية الخارجية السعودية لا تُدار بعقلية المناكفة، ولا يجب أن تُدار أية سياسة خارجية كذلك.
فالأزمة، ما ظهر منها وما بطن، تتعلق أساساً بتوجّهات الرئيس الأميركي جو بايدن تجاه ولي العهد السعودي شخصياً، وأكاد أجزم أن المسار سيعود إلى ما نعرفه من علاقة بين الرياض وواشنطن مع زوال بايدن وعودة الجمهوريين إلى البيت الأبيض، وانتخابات 2024 قادمة وقد تعيد وجهاً جمهورياً إلى المكتب البيضاوي.
وليس أكثر وضوحاً للدلالة على كون الأزمة لحظة عابرة من إعلان الرياض بعد أقل من 48 ساعة على إبرام الاتفاق مع طهران في بكين، عن صفقة طائرات ضخمة بقيمة تتجاوز 35 مليار دولار مع شركة "Boein" الأميركية، ذات العلاقة مع الحزب الجمهوري، لغرض إنشاء شركة "طيران الرياض" المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي الذي يشرف عليه ولي العهد شخصياً، فيما استُبعِد العملاق الأوروبي "Airbus" من الصفقة، ولا أظنّ أن دلالات هذا الإعلان وتوقيته تُخطئها العيون.
والخلاصة أنه مهما كانت درجة حدّة الحالة المأزومة بين الرياض وواشنطن فإنني لا أعتقد أن المملكة معنية بأن تكون طرفاً في الصراع الصيني مع أميركا والغرب عموماً، أو أنها يمكن أن تخطو مثل هذه الخطوة الاستراتيجية دون التشاور مع أصدقاء، بعضهم في الولايات المتحدة باعتقادي، من باب الاستئناس بمشورتهم واستمزاج رأيهم في أقل تقدير، فالرياض لن تقطع علاقتها بواشنطن وترتمي في حضن الصين كلياً على الإطلاق.
التكتيك وعامل الزمن
تعتقد بعض الأصوات أن مدة الشهرين المنصوص عليها في الاتفاق المعلن كفيلة بكشف الحقائق، وتعتقد أصوات أخرى أنه إذا كانت هذه المهلة تكتيكاً إيرانياً فهي من جانب آخر تكتيك سعودي، وأسأل:
هل كان منح مدد زمنية للحوثيين في اليمن لصالح الشعب اليمني؟
وهل كان منح مدد زمنية لبشار الأسد في سوريا لصالح الشعب السوري؟
وهل كان منح مدد زمنية للنظام الميليشياوي في العراق لصالح الشعب العراقي؟
وهل كان منح مدد زمنية لحزب الله في لبنان لصالح الشعب اللبناني؟
بالطبع لا، فعامل الزمن في كل هذه المحطات الاستراتيجية، وهي موضع اشتباكٍ حقيقي سعودي إيراني، كان لصالح الأطراف الإيرانية في تلك الأقطار، فالحوثي ما يزال يسيطر على صنعاء وكثير من مساحة اليمن الجغرافية، وما يزال يستخدم كل الهُدَن المعلنة لغرض تثبيت أركانه وتمدّد سلطاته الارهابية ونشر أفكاره الظلامية.
وبشار الأسد ما يزال يقتل بالسوريين ويهجّر، فيما هناك عربٌ رسميون يتبارون في إعادته إلى صفوفهم، والحق أن السعودية لا تُزال تتحفظ.
ونظام بغداد ما يزال يقتل ويسرق وينشر الإرهاب والفتن الطائفية ليس في العراق فحسب بل يموّل ويسلّح نشرها في جواره وفي المحيط الأبعد، وما يزال يشكّل عامل عدم استقرار في كل المنطقة، وسيبقى يفعل ما دام.
وحزب الله ما يزال يحتفظ بسلاحه، وما يزال يهيمن على لبنان، وهو مستمر في استخدام الأراضي اللبنانية مقراً لزعزعة استقرار المنطقة بالمخدرات وبالإرهاب وبالخطاب الطائفي الذي ينفث سمومه.
التعويل الاستراتيجي على (التنازل) الإيراني التكتيكي، إن وجد أصلاً، غيرُ مُجدٍ في الحقيقة ولا قيمةَ له، تماماً كما أن أي توقيع إيراني على الاتفاقيات لا قيمة له كذلك.
قبل الختام
نعم لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة، وهنا علينا أن نسأل عن المصالح التي ستجنيها السعودية من هذا الاتفاق؟
تجارب التاريخ توحي أن إيران الشر وأذرعها الإرهابية هي المستفيد الأكبر من استئناف العلاقات مع السعودية، ليس لأن المملكة لا تريد تحقيق مصالحها، فهي تريد حتماً، بل لأن:
حتى فيما يتعلق باليمن، وهو أكثر الملفات إلحاحاً أمام الرياض، لن يتوقف الدعم الإيراني للحوثيين لكن الصراع سيستمر داخل حدود اليمن وبآليات محلية مضبوطة إيرانياً، وهذا السيناريو سيسمح للسعودية بغلق ملف اليمن، من جانبها، لكنه إغلاقٌ مؤقت لا غير.
قضية أخرى، لقد كان نظام بغداد وسيطاً بين الطرفين، وحتى زيارة مصطفى الكاظمي الأخيرة إلى طهران قبل 10 أيام ولقائه بشمخاني، كانت ضمن هذا المسعى، وهي الزيارة التي حملت تفاصيل اللمسات السعودية الأخيرة على الاتفاق، وأهم مواصفات الوسيط أن يكون نزيهاً محايداً أو موضوعياً في أقل تقدير، فهل كان النظام الميليشياوي في العراق نزيهاً محايداً أو موضوعياً أم هو عميل لإيران بالمطلق؟ وهل يمكن لعاقلٍ أن يعتقد بسلامة نوايا هذا النظام ونزاهة فعله خصوصاً إذا تعلق الأمر بالسعودية في مقابل إيران؟!
أما الحديث عن تنازلاتٍ قدّمتها إيران للسعودية في مفاوضاتها وفي اتفاقها فهذا يعني ضمناً وجود تنازلاتٍ من السعودية لإيران.
كما أن الحديث عن مصالح حقّقتها الرياض يعني ضمناً مصالح حقّقتها طهران.
فمبدأ التفاوض يستلزم هذا وإلا فهي ليست مفاوضات بل إملاءات ولا أعتقد أن الأجواء كانت أجواء إملاءاتٍ سعودية على إيران، وبالطبع ليس هناك ما تُمليه طهران على الرياض أيضا.
مع أنني أرجو من كل قلبي أن تكون المملكة فرضت شروطها وإملاءاتها على عدو تاريخي تقليدي للعرب والمسلمين.
ختاما
سيكسر تقارب إيران مع المملكة رسمياً تحالف الضغط الأقصى المناهض لطهران الذي كان يأمله كثيرون، وسيوفّر لها عزلة أقل، حيث لا طوق تاماً مفروض عليها أساساً، مع إمكانية المشاركة الاقتصادية مع السعودية ومن خلالها، أما بالنسبة للرياض فإن غلق ملف الحرب في اليمن مكسب كبير يتيح لها الانصراف لخطة 2030 الطموحة التي تعدّ محور السياسة السعودية على جميع الصعد، وهذا ليس هدفاً عابراً بالتأكيد.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يمكن لأيٍّ عاقلٍ أن يصدّق أن نظام الولي الفقيه سيلتزم بكل تعهداته مع السعودية، أو بعضها، وأنه سيتخلى، لعيونها، عن مشروعه الذي بات أقرب إلى التحقق في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وهو بالطبع مشروع التخريب والتدمير والفتن؟!
أما التعويل على الحكمة والتبصّر والتروّي فقط فهذا يصحّ فيه قول أبي الطيب:
كُلُّ حِلمٍ أَتى بِغَيرِ اِقتِدارٍ
حُجَّةٌ لاجِئٌ إِلَيها اللِئامُ
وإيران عدو حقيقي أثبت عبر آلاف السنين أن الحكمة لا تجدي معه نفعاً، بل الاقتدار المبصر، وهو ما فعله العراق في عقد الثمانينات. والذي لا يعتقد أن السعودية مستهدفة واهمٌ أو أحمق، وكلاهما لا يعوَّل عليه لا في التحليل ولا في الفعل.
ولماذا يجب علينا دائماً أن نلحق العيّار حتى باب الدار بدل أن نعالجه فور ارتكابه جريمته؟
وكم مرة يستلزم أن نُلدَغ لكي نفهم أن في الجحر عقرباً، وأيّ عقرب فارسي يتربّص بنا؟!
والله الموفق والمستعان