

قبل أيام دار حوار بيني وبين مجموعة من النخب العربية حول احتلال العراق وما يمكن أن يفعله العرب لإنقاذ العراق، أو لإنقاذ أنفسهم على وجه الحقيقة، وكان الحوار محتدماً حافلاً بالعديد من التوجهات والآراء.
وحفّزني على الكتابة مقال لرئيس تحرير إحدى الصحف السعودية الكبرى، بعث لي به كاتبه، وأراد الرجل من خلاله أن يقول لي، وقد قال، مشكوراً، في المقال وفي الحوار، إنه يحب العراق، وقد شرحنا لكم في مقال سابق (انظر هنا) كيف يحب العرب العراق؟
ولدى قراءتي للمقال، وهو منشور على حلقتين مطوّلتين جداً في صحيفته،، وهي رسمية وجدت فيه نموذجاً لكل ما ذكرت في مقالي السابق من مظاهر (حب) أشقائنا العرب للعراق، وتجسيداً لجهلهم التام بحقيقة ما يجري في هذا البلد الذي يجاورهم أو يقترب منهم، وبعدهم الهائل عن تلمّس معالم حلّ معضلاته.
هل لكم أن تتخيلوا أن كاتباً صحفياً يشغل موقعاً قيادياً في صناعة الرأي العام في بلده وفي الوطن العربي يمكن أن يقتنع بأن هؤلاء المتحكّمين بالعراق، منذ احتلاله، حريصون على عروبة العراق، وأن شغلهم الشاغل هو الانفتاح على الأقطار العربية، ليس غير؟!
هل لكم أن تتخيلوا أن صاحبنا هذا مقتنع تماماً بأن الذين سطوا على العراق، حتى أولئك المرتبطين روحياً وعضوياً بالمشروع الفارسي الطائفي الارهابي، يسعون بكل جدٍ لإعادة العراق إلى محيطه العربي؟!
كثيرٌ من الصحفيين والكتاب العرب يؤكدون جهلهم التام بحقيقة ما يجري في العراق الذي يجاورهم أو يقترب منهم، وبعدهم الهائل عن تلمّس معالم حل معضلاته.
هل لكم أن تتخيلوا أن هذا الصحفي البارز مقتنع بأن أقطاب محور المشروع الفارسي في العراق، شيعة وسنة، عرباً وأكراداً، حريصون على عروبة العراق وعلى إنقاذه من أنياب إيران التي لاكت لحمه وهي الآن تهرس عظمه؟!
هل لكم أن تتخيلوا أن هذا الكاتب المرموق تلمّس (حب) هؤلاء، وخصوصاً صبي سليماني المدعو قاسم الأعرجي، للمملكة العربية السعودية، وباقي الأقطار العربية، وهو الذي كان قبل برهة من الزمن يعلن أن آل سعود هم الذين قتلوا الحسين قبل 1400 سنة؟!
لا بل هل لكم أن تتخيلوا أن شخصاً بهذا الوصف لا يقتنع فحسب، بل يسعى لتعميم قناعته هذه على قرائه ومن يتأثر به، لذا جنّد نفسه لكتابة مقالٍ مطوّلٍ جداً من حلقتين لهذه المهمة؟!
من ملامح جهل أشقائنا الكارثي بحقيقة ما يجري في العراق حصرهم النظر إلى الأحداث فيه من زاوية جرائم تنظيم داعش الإرهابي، وتصويرهم أن ما يجري في العراق هو حرب بين (حكومة شرعية منتخبة من قبل الشعب) وقوى الإرهاب الدولي ممثلة بتنظيم داعش.
وهذه رؤية فجّة ومبتسرة وغير صحيحة، بل خادعة أصلاً، لأنها تتعمّد التغافل عن جملة من الحقائق:
أولاها: إن مآسي العراقيين بدأت بغزو العراق عام 2003 وليس بعد ذلك بسنوات، ولنترك مآسي الحصار في عقد التسعينات جانباً، وبالتالي فإن المآسي التي عاناها العراقيون، وما يزالون، لا يمكن اختزالها ببضع سنوات تمدّد فيها تنظيم داعش على مساحات واسعة من العراق فحسب. فتنظيم داعش الارهابي لم يولد إلا في العشرية الثانية من سنوات احتلال العراق وإن العراق عاش الكثير من المآسي قبل ولادته.
ثانيها: إن الغزو كان قراراً منفرداً وعملاً عدوانياً لا يستند إلى حقائق، وغير مبرر، وإن اعترافات من ارتكب جريمة الغزو تتوالى في هذا الصدد، وهذا يعني أن "ما بُني على باطلٍ فهو باطل"، كما تقول القاعدة القانونية التي تطبّق في كل القضايا باستثناء قضية غزو واحتلال العراق!
ثالثها: إن الانتخابات في العراق مطعون في كل تفاصيلها ومن ألفها إلى يائها، فهي انتخابات غير شرعية تجري في ظروفٍ غير سليمةٍ وعبر قانونٍ غير عادلٍ وتتحكم بها عوامل المال المسروق من جيوب العراقيين والسلاح الذي يسفك دماءهم والطائفية التي تنخر مجتمعهم والمحاصصة التي تسمّم حياتهم، ثم التزوير الذي يقلب النتائج لصالح عدوهم وقاتلهم وسارقهم الذي لم ينتخبوه أصلا.
وهناك حقائق أخرى قد يطول شرحها.
ومن ملامح جهل أشقائنا بحقائق الأمور في العراق القول تصريحاً، كما فعل صاحبنا، أو الإشارة تلميحاً، كما يفعل آخرون، إلى صلة العراق بالتنظيمات الارهابية قبل غزوه، فرئيس التحرير الذي بعث إلينا مقالته، يتحدث عن "مجاميع من الأفغان العرب استقدمهم صدام خلال الحصار ووفّر لهم معسكرات في المنطقة الصحراوية غرب العراق" وهذه لعمري من الكوارث التي تعبث بالعقل العربي المعاصر.
فحتى غلاة اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف الذي حرّض على غزو العراق اعترفوا بعد احتلاله، وهذا موثّق، بعدم وجود أي صلة للقيادة العراقية بالتنظيمات الارهابية، وأعلنوا أنهم اخترعوا فرية الصلة بين الطرفين لتبرير غزو العراق، تماماً كما اخترعوا فرية وجود أسلحة الدمار الشامل التي تهدد مستقبل البشرية بزعمهم. وهذه الاعترافات ليست حبيسة الملفات السرية والخزائن المغلقة بل هي منشورة وموثّقة بالصوت والصورة، فلماذا سمح الزميل رئيس تحرير الصحيفة المعني لنفسه بتمرير هذا السطر اللئيم؟!
من ملامح جهل أشقائنا الكارثي بحقيقة ما يجري في العراق حصرهم النظر إلى الأحداث فيه من زاوية جرائم تنظيم داعش الإرهابي، وتصويرهم أن ما يجري في العراق هو حرب بين (حكومة شرعية منتخبة من قبل الشعب) وقوى الإرهاب الدولي ممثلة بتنظيم داعش.
لقد كان العراق نظيفاً تماماً من أي فكر متطرف يستغل الدين لأغراضه، وذلك لعدة أسباب، منها:
وأرى أنه من المعيب ترويج فكرة أن للبعثيين صلة بتنظيم داعش، وهذه فكرة مسمومة خبيثة من جهة وتنضح جهلاً بالواقع وبعداً عنه من جهة أخرى.
فالذي يعرفه الجميع، إن التنظيم الارهابي قتل عدداً لا يُحصى من كبار قيادات "البعث" المدنية والعسكرية في المستويات القيادية والتي تليها، وفي كل المدن العراقية التي استولى عليها.
كما أنه من التهافت بمكان القول إن قياديي "داعش" من قيادات الحرس الجمهوري العراقي، فهذه فرية تدحضها حقائق الأمور التي تؤكد أن معظم قياديي التنظيم من العرب أو الأجانب، وأن العراقيين منهم بعدد ضئيل، ومن كان عسكرياً منهم فإنه كان قبل الغزو ضابطاً برتبة متدنية، وكل هذا لا يضفي على هذه المزاعم التي يطلقها زميلنا رئيس التحرير السعودي أية صدقية، بل يسلبها تماما.
أما تلميح صاحبنا، رئيس التحرير، إلى كون زعيم تنظيم "داعش"، أبو بكر البغدادي، ينتمي إلى مدينة سامراء القريبة جغرافياً من مدينة تكريت مسقط رأس الرئيس صدام حسين، فيمكن الرد عليه بالإشارة إلى أن بعض قيادات تنظيمي "القاعدة" و "داعش" ينتمون إلى مساقط رؤوس مسؤولين عرب بارزين. فهل ثمة صلة بين أولئك المسؤولين والارهابيين الذين ينحدرون إلى ذات المدن؟!
كذلك، يبدو متهافتاً جداً، ويعبر عن جهل مريع، رمي (وزر) المظاهرات والاحتجاجات التي شهدتها مدن العراق المختلفة على (الدور القطري الإخواني)، فالعراقيون لا يحتاجون عوامل خارجية للثورة، فما يعيشونه يومياً من كوارث يمثل أكبر دافع للثورة وليس لمجرد الاحتجاج والتظاهر فحسب.
وقد حفزّني على الكتابة كثيراً، وربما سيستفزّ كثيراً من قرائي، قول زميلنا رئيس التحرير، إن "على السعودية ان لا تملأ سلالها وإعلامها بأوراق المعارضين العراقيين في الخارج، لأن المعارضة لها أجندتها التي لا تتطابق بالتأكيد معنا (أي السعوديين) ولا داعي لأن نخوض معركتها".
وهذا القول مضحك، لعده أسباب:
القوى المناهضة للواقع السياسي المزيف في العراق تتسّع حجماً يوماً بعد آخر، وتتخذ حركتها أشكالاً شتى، والسلطة المتحكّمة بالعراق تحمل بذور فنائها بنفسها.
وإذا كانت قضية التواصل مع الجهات المعارضة يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار في كل العالم، فإنها مع العراق تتعزّز الآن بعوامل إضافية، منها:
أمر آخر حفّزني على كتابة هذا المقال.
بينما كان آلاف الارهابيين الذين يحرّضون ضد المملكة العربية السعودية يستعرضون أسلحتهم وبالتجهيزات والآليات التي تدفع ثمنها سلطة مصطفى الكاظمي من جيوب العراقيين، صبيحة الخميس 25 آذار/ مارس 2021، عقد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز اجتماعاً عبر دائرة تلفزيونية مغلقة مع الكاظمي.
قد يبدو الاجتماع اعتيادياً في نظر بعضهم، وبالتأكيد فقد جرى التخطيط له سلفاً، إلا أن تزامنه مع هذا الحدث الخطير يفرض اعتبارات أخرى يجب أن تحضر في الاجتماع، وعجيب أن تغيب عنه، أو على الأقل يجب أن لا يتم تناول نقيضها في البيان الصحفي المشترك بصرف النظر عن حقيقة ما دار في الاجتماع، فالمعلن هو ما يؤخذ به من قبل الكتاب والصحفيين، فنحن لا نتحدّث عن تكهنات بل عن مواقف رسمية معلنة.
ولأن البيانات المشتركة عن اجتماعات كهذه تُنتقى عباراتها بدقة بالغة، فإن كل كلمة فيها تكون مقصودة تماماً، أما أن يصدر بيان مشترك عن الاجتماع في اليوم الذي بدا فيه بوضوح أن لا أمن ولا استقرار في العراق، وفي عاصمته تحديداً، وحيث يُهان رئيس وزراء النظام وقائد قواته المسلحة، الذي جرى الاجتماع معه، علناً وتُداس صورته بالأحذية، وحيث كل العالم يعرف أن لا تنمية في العراق، ثم يصدر بيان مشترك (انظر هنا) "يثمّن جهود الحكومة العراقية في تحقيق الاستقرار والتنمية في الجمهورية العراقية" فهذا عامل استفزاز لكل العراقيين، مع ملاحظة ان كلمة الجمهورية العراقية لا وجود لها على خارطة العالم، فهناك جمهورية العراق وليس الجمهورية العراقية، بمعنى أن الطرفين في الرياض وبغداد لا يعرفان اسم الجهة مدار الحديث!
بعد هذين المثالين، لا أرى ضرورة لكي أحدّثكم عن الكم الهائل من الجهل بقضايا العراق والابتعاد عن الواقع فيه من قبل أشقائنا العرب وهم يحاولون الاقتراب من قضية هذا البلد في مواقع التواصل الاجتماعي، فإذا كان هذا تعامل بعض رموز الإعلام العربي وكبار القادة العرب مع قضية العراق فكيف سيكون تعامل ناشطي وسائل التواصل الاجتماعي معه؟!