الأحد 27 / سبتمبر / 2026

يحيى السنوار شهيدٌ أم لا؟

نعم أخطأت "حماس" في "طوفان الأقصى" لكن كيف؟ ومتى؟ ولماذا؟

مصطفى كامل
الجمعة 18 أكتوبر, 2024 21:15
قاتل على أرضه ولقي ربّه عليها ثابتًا على ما آمن به منذ البداية.
قاتل على أرضه ولقي ربّه عليها ثابتًا على ما آمن به منذ البداية.
 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالقِسطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ على أَلَّا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقرَبُ لِلتَّقوَىٰ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}

 

مصطفى كامل

اختلف العرب، كعادتهم في كل نازلةٍ تحلُّ بهم، بشأن قائد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" يحيى السنوار، الذي لقي ربه على يد العدو الصهيوني يوم الأربعاء 16 تشرين الأول/ أكتوبر 2024.

وأهدر المعنيون خلال 24 ساعة، آلاف الساعات من أعمارهم على وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي ليناقشوا الموقف من الرجل، وليجيبوا على سؤالين اثنين:

  1. هل السنوار مقاومٌ، أم لا؟
  2. وهل هو شهيد يستحق الترحّم عليه، أم لا؟

وكان محور الخلاف يدور حول قضيتين جوهريتين:

  1. مناقشة فكرة المقاومة ضد العدو الصهيوني ومدى مشروعيتها من الأساس.
  2. مناقشة علاقة حركة "حماس" بالنظام الإيراني.

وكان النقاش في معظمه، كالعادة للأسف، هذرًا بعيدًا عن الواقع، وعبثًا بعيدًا عن الأسس التي يجب أن تحكم موقف الانسان في مقامٍ كهذا، وهي الأسس الدينية والمبدئية والأخلاقية والفكرية والسياسية.

وبعيدًا عن ذلك الهذر والعبث الذي أشرنا إليه سيحاول كاتب هذه السطور الإحاطة ببعض النقاط الأساسية في هذا الشأن، يراها صوابًا أو أقرب إلى الصواب، مستعينًا بالله تعالى، أولًا، ثم بما يؤمن به من قيمٍ سياسية وفكرية وأخلاقية لابد من استحضارها في هذا المقام.

 

هل حركة "حماس" فصيلٌ مقاومٌ أم بندقية للإيجار؟

بعيدًا عن التوصيفات المعلّبة والأحكام الحدّية المجهّزة مسبقًا التي يمتلأ بها الفضاء الإعلامي العربي بشأن حركات الإسلام السياسي، فقد تأسّست حركة "حماس" باعتبارها فصيلًا مقاومًا ضد العدو الصهيوني، مستعينًا بإرثٍ غنيٍ من قيم الجهاد بمعناه الشرعي، وبموقفٍ سياسي ووطني التزمت به فئة من الشعب الفلسطيني رأت أرضَها محتلةً وحقوقَ شعبِها مستلَبةً وثوابتَها منتهكةً، وقد وجدت هذه الفئة أنه لا مناص أمامها من التصدّي لهذا العدو الغاصب بقوة السلاح، وعلى هذا جهّزت نفسها وأعدّت أعضاءها وجنّدت مقاتليها وحشّدت أنصارها وباشرت فعلها في الميدان.

وجاءت كارثة اتفاق أوسلو 1993، وقبله مؤتمر مدريد 1991، وما أسفرت عنه من تمييع القضية الفلسطينية وإدخالها في خانق المساومات والتنازلات التي تبدأ ولا تنتهي حتى بالانبطاح، وصولًا إلى ما آل إليه حال السلطة الفلسطينية اليوم، جاء ذلك كله ليؤكد لدى تلك الفئة من الشعب الفلسطيني أن خيار "الحل السلمي" ومبدأ "الأرض مقابل السلام" لن يُفضيا إلى انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني المُنتهَكة ولا إلى استرجاع أرضه المُستلَبة.

وبصرف النظر عن ملابسات الخلافات الفلسطينية الداخلية بين الفصائل المختلفة، إذ يطول الحديث في هذا المجال ولا ينتهي، فقد آل حكم قطاع غزّة إلى انفراد "حماس" بالسلطة هناك بدءًا من منتصف حزيران/ يونيو 2007، وهنا بدأت الحركة تُعدّ نفسها لمواجهاتٍ مسلحةٍ مختلفة الأشكال والأحجام والتوقيتات مع العدو الصهيوني، وكل ذلك بحسب رؤيةٍ لا يُشاركها أحد في تقريرها أو بيان الرأي فيها، فهي المسيطرة على الأرض وقرارها هو النافذ في الميدان.

جاءت كارثة اتفاق أوسلو 1993، وما أسفرت عنه من تمييع القضية الفلسطينية وإدخالها في خانق المساومات والتنازلات والانبطاح ليؤكد لدى فئة من الشعب الفلسطيني أن خيار "الحل السلمي" ومبدأ "الأرض مقابل السلام" لن يُفضيا إلى انتزاع حقوق الشعب الفلسطيني المُنتهَكة ولا إلى استرجاع أرضه المُستلَبة.

وفضلًا عن رفضنا، من الناحيتين المبدئية والأخلاقية، لاتفاق أوسلو وما أسفر عنه من إجراءات على الأرض، ومن (تنسيقٍ أمني) بين السلطة في رام الله والأجهزة القمعية الصهيونية، وهو في الحقيقة تحويل أجهزة السلطة إلى مخلبٍ لجهازي الشاباك والشين بيت ضد الشعب الفلسطيني، ومع كوننا نؤمن بضرورة تحرير كل أرض فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، فقد رأينا أن المفردات التي عاشها الفلسطينيون في الواقع أكدت كلها أنه لا خيار أمام الشعب الفلسطيني لانتزاع جزءٍ من حقوقه إلا اعتماد الكفاح المسلح ولو بشكلٍ جزئي ومرحلي ليُشكّل، حتى ولو عند بعض الفلسطينيين لا كلهم، سقفًا معقولًا يتحرّك تحت مظلته سياسيون يعملون على قاعدة "خذ وطالب" ومن خلالها يحصلون على بعض حقوق شعبهم المغتصَبة بالكامل.

على هذا الأساس وبناءً على هذه القراءة الواقعية لا مناص أمامنا من الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني وقواه السياسية من اعتماد خيار المقاومة المسلحة تحت أيِّ مسمى كان، وبحسب ظروف الميدان التي لا يقرّر تفاصيلها إلا أهل الميدان.

ولمّا كان الأمر كذلك، وأرى أن الحق والواقع يقولان ذلك، فإن حركة "حماس" فصيلٌ مقاومٌ من فصائل الثورة الفلسطينية، وهي اليوم الوجه الأبرز لحركة التحرّر الفلسطيني المسلح، دون إغفال التاريخ المجيد للشعب الفلسطيني بكل فصائله مهما تعدّدت انتماءاتها السياسية والفكرية والممتد على عقودٍ سبقت تأسيس حركة "حماس" بكثير.

 

ماذا بشأن العلاقة مع إيران؟

ليس سرًا ولا من قبيل المبالغة القول إن كل الحركات الفلسطينية، وطبعًا كل حركات التحرر في العالم باستثناء المقاومة الوطنية العراقية لأسبابٍ ليس مجال شرحها الآن، اعتمدت على معونات خارجية سواءً بالسلاح أو المال أو الدعم السياسي أو كلها معًا، وما حركات التحرر الجزائرية أو الفيتنامية أو الأرتيرية أو غيرها ببعيدة عن الأذهان.

ومع أن بعض حركات التحرر في العالم فقدت صفتها التحررية ومارست أعمالًا أقرب إلى الإرهاب وبعضها تحوّلت إلى بنادق للإيجار، إلا أن المعونة الخارجية، بكل أشكالها، بقيت عاملًا مهمًا في دعم تلك الحركات.

وإذا كان النظام الرسمي العربي اعتمد بعد سنة 1991 خيار (التسوية السياسية)، وهو ما بدا واضحًا في اتفاقي أوسلو 1993 على المسار الفلسطيني ووادي عربة 1994 على المسار الأردني، ومباحثات التسوية على المسارين السوري واللبناني، ثم تعزّز الأمر بما سُمّي "مبادرة السلام العربية" التي أقرّها مؤتمر قمة بيروت العربية سنة 2002، والتي رفضها العراق وحده حينذاك، وهي (المبادرة) القائمة في الأصل على "مبادرة السلام السعودية" التي طرحها سنة 1981 ولي العهد السعودي، آنذاك، الأمير فهد بن عبدالعزيز، فإن كارثة غزو العراق سنة 2003 وما نجم عنه من غياب الحكم الوطني فيه، وما أشاعته من حالة رعبٍ في صفوف النظام الرسمي العربي، وما تلا احتلال بغداد من تسابقٍ مُهينٍ للتطبيع مع العدو، كل ذلك ترك ظهر القوى الوطنية العربية، ومنها فصائل المقاومة الفلسطينية، مكشوفًا بالكلية، وجعل عددًا من الفصائل الفلسطينية التي تعتمد الكفاح المسلح في صلب عقيدتها في وضعٍ حرجٍ ماليًا وتسليحيًا وسياسيًا بعدما كان العراق وليبيا يتكفّلان إلى حدٍّ كبيرٍ بمتطلبات تلك الفصائل ماليًا وتسليحيا.

في هذه الأجواء الملتبسة إن لم نقل السلبية، أو الكارثية بالأحرى، رأت حركة "حماس" التي لا تمنع منطلقاتها الفكرية الإخوانية التعاون مع النظام الإيراني إذ ترى فيه نظامًا (إسلاميًا) رأت أن تلتجأ إلى نظام طهران لتعوّض بعض احتياجاتها الناجمة عن غياب الدعم العراقي والليبي الكبير لعموم الفصائل الفلسطينية، وتفاقم الأمر أكثر فأكثر بعد إيقاف الدعم الخليجي الذي كان يصل ولو متقطّعًا لعددٍ من تلك الفصائل، وربما بات هذا الدعم محصورًا بسلطة رام الله وزعيمها محمود عباس فقط.

ووجد نظام الولي الفقيه في طهران ضالّته في حاجة الحركات الفلسطينية، ومنها "حماس"، إلى الدعم فقدّم لها دعمًا سهّل، رغم محدوديته وكونه دعائيًا إلى حدٍّ كبيرٍ، للنظام الإيراني اختراق مستوياتٍ غير محدودةٍ من الوعي الشعبي العربي، بل وحتى من نخبٍ عربيةٍ سياسيةٍ وفكريةٍ ودينية.

وقد بات هذا الدعمُ بمثابة آلة غسيلٍ تغسل به إيرانُ وميليشياتها أيديهم الوالغة في دماء الأبرياء في المشرق العربي، وفرصة لإزالة ما علق بوجه تلك العصابات من أدران، والحق أن "حماس" تتحمّل بالدرجة الأساس وزر عمليات الغسيل تلك لأنها أكبر الفصائل التي تنال ذلك الدعم، كما ان قادتها أكثر الذين يبالغون في مديح النظام الإيراني، فيما يتحمّل غيرها الوزر بدرجاتٍ تالية.

وفي هذا الصدد لا يجوز أن نغفل كون كثيرين في العراق وسوريا واليمن ولبنان على نحوٍ خاص يؤمنون أن "حماس" باصطفافها إلى جانب إيران وضعت نفسها في خانة قتلة أهلهم، والأمثلة على ذلك متاحةٌ بوفرةٍ فعلاً، حيث إشادة قيادات "حماس" متكرّرةٌ على نحوٍ فجٍّ بتلك الميليشيات الإجرامية في أقطارنا العربية وبرموزها وبراعيها الأكبر الولي الفقيه وفيلق قدسه الذي لم يبقَ قطرٌ من هذه الأقطار العربية الأربعة إلا عاث فيه قتلاً ونهباً وتدميرا.

وإذا كنا نرفض، لأسبابٍ دينية وفكرية وسياسية وأخلاقية، ارتباط "حماس" بمحور "مقاومة سليماني" مهما كانت التبريرات، وما ينجم عنه من تبييضٍ لصفحات إيران وعصاباتها الكالحة المجلّلة بالعار والملطّخة بدماء العرب السنة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، وهو ما كتبنا بخصوص هذا كثيرًا، وسنبقى نرفضه، ونربأ بالحركة أن تضع نفسها في هذه الخانة، إلا أن الإنصاف يُوجب علينا أن نسجّل في هذا الصدد نقطتين أساسيتين لا تحولان دون رفضنا لذلك الارتباط ولا تنتقصان منه:

  1. إن "حماس" وإن وضعت نفسها في خانة القرب من إيران ومشروعها (الإسلامي) المزعوم، انتفاعًا أو قناعة أو كلاهما معًا، وبرغم المنطلقات الإخوانية للحركة التي تنظر إلى نظام خميني باعتباره قوة (إسلامية) لكنها لم تتشيّع عقائديًا أو سياسيًا، ولم تسمح بانتشار التشيّع العقائدي في قطاع غزّة الواقع تحت سلطتها، بل إنها حاربت محاولات فصيلٍ صغيرٍ جدًا حاول نشر التشيّع في غزّة، إذ حلّت حركة الصابرين "حصن" وصادرت أسلحتها واعتقلت أمينها العامّ وعددًا من أفرادها، ولم تُفرج عنهم حتّى سلّموا كلّ أسلحتهم إليها.
  2. إن "حماس" وإن انضمّت إلى محور "مقاومة سليماني" إلا أنها لم تسفكَ دم عربي أو مسلم كما فعلت كلّ فصائل هذا المحور الإجرامي في العراق وسوريا واليمن ولبنان، بل بقيت بندقيتها مصوّبة إلى صدر العدو الصهيوني وحده.

حركة "حماس" فصيلٌ مقاومٌ من فصائل الثورة الفلسطينية، وهي اليوم الوجه الأبرز لحركة التحرّر الفلسطيني المسلح، دون إغفال التاريخ المجيد للشعب الفلسطيني بكل فصائله مهما تعدّدت انتماءاتها السياسية والفكرية والممتد على عقودٍ سبقت تأسيس الحركة بكثير.

وحتى نحسم الجدل في هذا الصدد نقول إنه في السياسة لا توجد خياراتٌ صفرية، مع بالمطلق أو ضدٌّ بالمطلق، لذا ثمة خيار نراه الأصوب في التعامل مع هذه القضية الشائكة، التي تختلط فيها العقائد الدينية بالمعايير الأخلاقية بالمبادئ السياسية بالأفكار الحزبية.

ويتمثّل هذا الخيار في أن نقف مع "حماس" في تصدّيها للعدو الصهيوني ونؤيد مقاومتها له ولا نتردّد لحظةً في دعم خياراتها بهذا الخصوص، وفي ذات الوقت نخطّئها ونرفض مواقفها في قضية العلاقة مع إيران، على أن يرافق ذلك بذل الجهد في بيان صواب ما تقوم به "حماس" من مقاومةٍ للعدو الصهيوني، وخطأ ما تقيمه من علاقاتٍ مع العدو الفارسي، أو محاولاتها، ولو عن غير قصدٍ مباشرٍ، منح قتلة العراقيين والسوريين واليمنيين واللبنانيين صكّ غفرانٍ ووثيقة براءةٍ وحسن سيرةٍ لمجرد قيام أولئك القتلة بعملياتٍ دعائية هنا أو هناك، وهي عمليات لا تردعُ صهيونيًا ولا تغيثُ فلسطينيًا كما رأينا من قبل ونرى الآن.

كما ينبغي علينا التأكيد أن رفضنا ارتماء "حماس" أو غيرها في الحضن الإيراني ينبغي أن يتساوى معه على ذات المقدار رفضنا قرار النظام الرسمي العربي قطع الدعم والإسناد عن تلك الفصائل، وتخلّيه عن واجباته القومية والدينية والإنسانية تجاه شعب فلسطين، وهو قرارٌ ليس جديدًا في الحقيقة إذ نتذكّر في هذا الخصوص ما أعلنه الرئيس صدام حسين، يرحمه الله تعالى، في قمة بغداد في أيار/ مايو 1990 بشأن قطع بعض الدول العربية الغنية دعمَها المالي عن الأردن وعن منظمة التحرير الفلسطينية كليًا أو خفضه إلى مستوياتٍ مُخجلة.

 

كارثة غزو العراق وما نجم عنه من غياب الحكم الوطني فيه وما تلا احتلال بغداد من تسابقٍ مُهينٍ للتطبيع مع العدو، ترك ظهر القوى الوطنية العربية، ومنها فصائل المقاومة الفلسطينية، مكشوفًا بالكلية، وجعل عددًا من الفصائل الفلسطينية التي تعتمد الكفاح المسلح في صلب عقيدتها في وضعٍ حرجٍ ماليًا وتسليحيًا وسياسيا.

 

وماذا عن "طوفان الأقصى"؟

كالعادة اختلفت مواقف العرب، شعبيين ورسميين، من معركة "طوفان الأقصى" التي باشرتها "حماس" فجر السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ومع تفاقم حجم الكارثة في غزّة، ومع ازدياد تضحيات أهلها رأينا كثيرًا من المواقف العربية تجنح إلى النظرة السلبية من المعركة رغم أنها كانت مؤيدة لها في البداية.

أما كاتب هذه السطور فقد كتب في الأسبوع الأول من المعركة مقالًا بعنوان "محاولة للإجابة عن بعض أسئلة الحرب العربية الصهيونية السادسة" نشر هنا أكد فيه، انطلاقًا من اعتبارات مبدئية وأخلاقية وسياسية، أن المقاومة حقٌ مشروعٌ بالمطلق لأيِّ شعبٍ احتُلّت أرضه، سواءً توفرت لتلك المقاومة الحاضنة الشعبية والظروف المناسبة أم لم تتوفر، بل هي على وجه الدِّقة واجبٌ ينبغي على كل مستطيعٍ القيام بهِ بلا عذرٍ ولا تبريرٍ ولا تقصيرٍ، وشدّد على واجب الشعب الفلسطيني في العمل بكل الوسائل، وأولها العمل المسلح، لاسترجاع أرضه وانتزاع حقوقه، وأوضح أن المقاومة المسلحة التي هي ذروة سنام الموقف المقاوم متعدّد الأشكال إنما يقرّرها، شكلًا وتوقيتًا وحجمًا ومكانًا القائمون بها على الأرض، وهم بقدر تعلق الأمر بمعركة "طوفان الأقصى" أبناء غزّة وحدهم.

لكنه مع ذلك ثبّت حقائق أساسية ثلاث:

  1. إن "حماس" أساءت تقدير رد فعل العدو الصهيوني المجرم على خطّتها في اقتحام المستوطنات وقتل وأسر جنود العدو كما حصل في "طوفان الأقصى".
  2. إن "حماس" أخطأت في تقييم مواقف قوى "محور مقاومة سليماني"، ورجّح الكاتب حينها، وهو ما كُشِف عنه لاحقًا، أن الحركة توصّلت إلى تفاهماتٍ مع أطرافٍ معينة في المحور الإيراني، أهمها حزب الله في لبنان وربما جهاتٍ أخرى كذلك، على البدء بحربٍ شاملة، برّية وصاروخية لكن هذه الجهات أخلفت وعدها، وقد رأينا أنه حتى المشاغلات التي حدثت لاحقًا تأخرت جدّا إلى الحدّ الذي سمح للمجرم بنيامين نتنياهو باجتياح غزّة وإلحاق أكبر نكبةٍ بها على الإطلاق.
  3. وحتى إن لم تكن هناك تفاهماتٌ واتفاقاتٌ مسبقة، وإن الحركة ظنّت، مجرد الظن، أن نجاح الصفحة الأولى سيضع المحور الإيراني أمام استحقاقاتٍ على الأرض، على صعيد العمل العسكري أعني، فإن الظن هنا إثمٌ كلّه، وليس بعضه فقط، إذ لا يمكن الظنُّ خيرًا بهذا المحور الذي يضع مصالح إيران نُصب عينيه أولًا وأخيرًا، ولا يتحرّك مقدار أنملة إلا بحسب توجيهات الولي الفقيه التي لا تهدف لغير تحقيق المشروع الفارسي العنصري الطائفي الإرهابي التوسعي.

 

وماذا عن السنوار؟

مهما تحدثنا بشأن خطأ الاعتماد على إيران وعصاباتها في معركة "طوفان الأقصى" بالذات وعمومًا، والذي يتحمّل يحيى السنوار المسؤولية الأكبر عنه، وقد أشبعنا هذا الموضوع حديثًا وتفصيلًا، ومهما انتقدنا المحور الإيراني داخل "حماس" والذي كان السنوار من أبرز وجوهه، لأسبابٍ شتى، لكننا لا نملك إلا الاعتراف بالحق، والحق يقول: إن السنوار رجل من أبناء فلسطين اختار طريق مواجهة العدو الغاصبِ لأرضه والقاتلِ لأهله والمنتهكِ لمقدّساته، وآمن بفكرة مقاومة ذلك العدو بالسلاح، وهذا ذروة سنام العمل المقاوم، وإنه لم يكتفِ بالخطب والبيانات، ولا حتى بإشاعة ثقافة المقاومة أو تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني في مواجهة أعدائه انتظارًا لأن يكون الوضع السياسي الفلسطيني والإقليمي والدولي في حالٍ أفضل يومًا ما، بل إنه أعدَّ رجاله لتلك المقاومة المسلحة، وجهّزهم وسلّحهم وقاتل بنفسه حتى لقي ربّه مقبلًا غير مدبر.

كما أن المروءة تقول: إنه لا ينتقص من بطولة الرجل وفدائيته وتضحيته وإيمانه بما عاهد ربه ونفسه وصحبه عليه، وبقائه على ذلك العهد حتى الرَّمق الأخير، لا ينتقص من كل ذلك أنه أقام علاقاتٍ مع إيران رأى فيها السبيل الوحيد لإمداد حركته بعوامل الحياة، حتى وإن كنا نرفض ذلك، وما نزال، وحتى إن كنا نرى في إقامة تلك العلاقات خطيئة كبرى مهما كانت المبرّرات، وسنبقى نراها كذلك.

وإن من الواجب قوله في هذا المقام إن يحيى السنوار، على ما نرى من ظاهر أمره، ولسنا معنيين بالبحث في نواياه أو ما يخبئه صدره، هو أو غيره، رجلٌ مسلمٌ يشهد لله بالوحدانية ولمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وإنه قاتل عدوّه بيده حتى نالَ عدوّه منه مُشتبكًا لا فارًّا ومُقبلًا لا مُدبرًا ومُقاتلًا لا مُستسلمًا، وأنه نال الشهادة على أرضه، ثابتًا على ما آمنَ به وعمِل عليه وحشّد الناس نحوه منذ أول يومٍ له في هذه المسيرة.

هذا ما أراه، ومن أنا لأحكم على نوايا رجلٍ جاد بروحه في سبيل قناعاته وقضيته، وقناعاته هذه نبيلةٌ ساميةٌ مشروعةٌ بل واجبة، وقضيته عادلة وتستحق التضحية والفداء، والجودُ بالنّفسِ أقصى غاية الجود؟!

 

ختامًا، وماذا بشأن نصرالله؟

ربما يقول قائل إن زعيم حزب الله في لبنان حسن نصرالله أعدّ عناصر حزبه وسلّحهم وجهّزهم لمواجهة العدو الصهيوني، وإنه لقي ربه هو الآخر على يد العدو فلماذا لا ترون فيه شهيدا؟!

وحتى نحسم الأمر في هذا الصدد نقول: إن الشهادة بمعناها الديني لا السياسي الدارج إنما تستلزم أن يكون من نالها على ملّة الإسلام، موحّدًا صادق التوحيد، ونصرالله ليس على دين الإسلام بل على ملّة خميني الصفوية البويهية، وهذا ما رأيناه منه على مرِّ السنين وهو يُعلن ذلك ولا يُخفيه بل ويتباهى به.

وإنها، الشهادة، بمعناها السياسي يجب أن تكون في سبيل قيمٍ عليا ومُثلٍ سامية، ونصرالله لم يكن يقاتل دفاعًا عن قيمٍ عليا ولا عن مُثلٍ سامية، بل كان يقاتل لتحقيق مشروع ولاية الفقيه الإيراني، وهو في الحقيقة مشروعٌ فارسيٌ عنصريٌ إرهابيٌ توسّعي يستخدم الطائفية أداةً له، وقد أكّد نصرالله هذا بلسانه، مرارًا، وبفعله، دائمًا، بل إنه استحقَّ لقب الوكيل الحصري لهذا المشروع الإجرامي، فيما كان كل زعماء العصابات الآخرين في بغداد ودمشق وصنعاء وبيروت، مهما تباينت أديانهم ومذاهبهم وأعراقهم، مجرد موزّعين يعملون لديه براتبٍ ثابتٍ أو بالقطعة.

كما أن نصرالله ولغ في دماء العرب والمسلمين في سوريا والعراق واليمن ولبنان، وقتل بواسطة عناصر حزبه مباشرةً أو على يد من درّبهم وجهّزهم من عناصر العصابات الإرهابية في تلك البلدان أكثر من مليوني عراقي وسوري ويمني ولبناني، وأنه شرّد، مباشرةً أو على نحوٍ غير مباشر، ما لا يقلّ عن 20 مليون إنسانٍ في حواضر المشرق العربي الكبرى وقراه، وهدّم مساكنهم وسرق ممتلكاتهم وغيّب في دهاليز الموت أعدادًا لا تُحصى من رجالهم، وانتهك أعراض العفيفات من نسائهم، وكلُّ هذا حدث بالفعل، بل حدث كثيرًا جدًا وبقصدٍ وتخطيطٍ مسبقين في إطار المشروع الفارسي الذي يستلزم إبادة العرب المسلمين في المشرق العربي، وليس على سبيل الصدفة أو كناتجٍ عرضيٍ من نتائج المعارك التي دارت في تلك البلدان.

فعن أيِّ شهادةٍ وأيِّ شهيدٍ يتحدث المرتزقة والمغفّلون؟!

 

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram