الجمعة 25 / سبتمبر / 2026

كيف صار النظام الرسمي العربي بهذا الغباء المركّب؟ وهل هو غباءٌ فقط؟

ليس بيننا كعرب من هو في مأمن، والأسوأ بيننا من يظنّ أنه في مأمن أيّاً كانت مبررات ظنه

مصطفى كامل
الأربعاء 8 ديسمبر, 2021 11:13
بات تآمر أطراف النظام الرسمي العربي ضد بعضها هو السمة الغالبة.
بات تآمر أطراف النظام الرسمي العربي ضد بعضها هو السمة الغالبة.
 كتبت قبل أشهر مقالين أراهما من أهم ما كتبت حتى الآن، وقد حازا اهتماماً لافتاً من القراء العرب في ‏أقطار عدة، فيما رآهما بعض المثقفين العرب رؤية استراتيجية للعلاقات العربية مع العراق.‏

جاء الأول بعنوان أيّ عراقٍ يُحبّه العرب؟! وكان الثاني بعنوان إلى زميلي الصحفي السعودي: أنتم لا تعرفون العراق.

وقد عقّب أحد الباحثين الأكاديميين العرب الأكارم عليهما بقوله إن هذين المقالين يدفعان إلى وجوب التساؤل: كيف صُنِعت عقول صناع القرار في بلداننا العربية لتتعامل بهذا الغباء المركّب مع كل النيران المشتعلة حولها؟

وقد وجدت أن هذا السؤال يستلزم مقالة لوحده للإجابة عليه، لأهميته من جهة، ولأن الإجابة عليه بقدرٍ من التفصيل تُزيحُ بعضاً من الغشاوة لدى كثيرين من جهة ثانية، وثالثاً لأنها تُسقِط جانباً من هالة (القدسية) التي يُحيط النظام الرسمي العربي بها نفسه، والتي لا يملك غيرها في الحقيقة بعد تراجع قدسية مصادر شرعية أخرى، أو غيابها في معظم الأحيان.

بدءاً، يستلزم القول إن النظام الرسمي العربي يحيط نفسه بهالة القدسية هذه ليدفع عنها استحقاقات الإجابة على أسئلة تاريخية تضعه على محكّ شرعية البقاء في موقع السلطة، أو التسلّط، من عدمها.

فهذا النظام، بكل مسمياته، ممالك وجمهوريات وإمارات ومشايخ وسلطنات، إنما يحيط نفسه بهذه الهالة لأنه لا يرى لنفسه مبرراً يمنحه (شرعية) البقاء غيرها بعد أن تساقطت كل أنواع الشرعيات واحدة تلو أخرى، بعد أن أخذت مداها الزمني واستنفدت أغراضها، بل واستنفدت قوة دفعها الذاتية والمكتسبة وحتى المصطنعة.

فقد سقطت الشرعية الثورية حينما لم تعد ثمة ثورات ولم يعد هناك ثوار، وسقطت الشرعية الدستورية حينما بات خرق الدستور أسهل من عبور الشارع من خارج خطوط العبور، وسقطت شرعية شيخ العشيرة الواحدة بقيام منظومات حكم جديدة على بقعٍ جغرافية تضمُّ عشائر عديدة، وسقطت شرعية الأحلاف القبلية بعد أن بات العالم أكبر من مجرد قبائل، وبالطبع فإن شرعية الرفاه والاستقرار مطعونٌ فيها بعد ان بات ذلك الاستقرار مهدداً وتلك الرفاهية مثقلة بكثير من الأعباء، بما يجعل التذرع بهما في مهبّ الريح.

وبالتأكيد فإن الأنظمة العربية الحاكمة لا تحظى بشرعية ديمقراطية وما يأتي به صندوق الاقتراع، فهي أبعد ما تكون عن ذلك.

ولأن مفهوم الأسرة واعتبار الشعب على أنهم أبناء الحاكم، كما قال أحد الحكام عن شعبه (هؤلاء عيالي) لم يعد مقبولاً، لذا فقد سقطت شرعية الحكم الأبوي، فأبناء الشعوب ليسوا أبناء الحاكم يعطيهم ما يشاء ويمنع عنهم ما يشاء، إنهم في الحقيقة مواطنون في وطن واحد، شركاء فيه يتقاسمون كل خيراته ويتشاركون مصيره، وعليهم جميعاً، حكاماً ومحكومين، مسؤوليات العبور به إلى المستقبل.

يحيط النظام الرسمي العربي نفسه بهالة من القدسية ليدفع عنها استحقاقات الإجابة على أسئلة تاريخية تضعه على محكّ شرعية البقاء في موقع السلطة، أو التسلّط، من عدمها.

وحتى شرعية المؤسسة العسكرية الوطنية غابت هي الأخرى، فالموجود الآن من حالات عسكرية لا علاقة له بقيم العسكرية الوطنية بل بالمصالح الارتزاقية حتى لو كانت مرتهنة لقرارات خارج الوطن، وهذا من أكبر المفارقات وأخطرها في الحقيقة.

ثم جاء العصر الرقمي بطفراته غير القابلة للتراجع ليُسقِط شرعية الحدود الوطنية والضوابط الوطنية والمخاوف الوطنية، ويفتح الأبواب مشرعة أمام تغييرات متسارعة لا يمكن لأي نظام حكم اللحاق بها، والأنظمة تدرك هذا لذا تعمل على التعويق هنا أو هناك، لكنه مجرد تعويق مؤقت ستتجاوزه الأحداث.

وأجدني قبل الإجابة على السؤال، مضطراً لأستطرد فأؤكد إن نزع شرعية الأنظمة والحكام ليس مقصد حديثي ولست ممن يؤمن بهذه الأفكار التي تحيل البلدان إلى فوضى والعمران إلى خراب، بل إن القصد الأول والأخير هو النظر في كيفية إنقاذ مستقبل أقطارنا العربية كلها، وليس مثل التشخيص الدقيق لازمٌ للعلاج الناجع.

لقد باتت أحوال العرب، محكومين وحكاماً ودولاً، في وضعٍ مزرٍ، وركست مفاصل مهمة في أمتنا العربية في قعر الهاوية تماماً وباتت أجزاء أخرى منها قاب قوسين من حافة الهاوية، وبينما تكون بين الهاوية وأجزاء أخرى من وطننا العربي مسافة (مقبولة نسبياً)، إلا أن تسارع انحدار الأجزاء المحيطة بها سيسرّع من طيِّ هذه المسافة (المقبولة نسبيا) ويعجّل من انحدارها وانهيارها تالياً، وباختصارٍ شديدٍ فإن الجميع مهدّدون، وليس بيننا من هو في مأمن، والأسوأ بيننا من يظنّ أنه في مأمن، أياً كانت مبررات ظنّه، و ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.

من هذه الرؤية، الواقعية لا السوداوية كما قد يظن بعض القراء، يمكن الإجابة على سؤال الفاضل المتكرّم: كيف صُنِعت عقول صناع القرار في بلداننا العربية لتتعامل بهذا الغباء المركب مع كل النيران المشتعلة حولها؟

ليس من قبيل المبالغة القول إن غزو العراق ثم احتلاله عام 2003 كان نقطة فاصلة في حياة العرب، وليس من قبيل المبالغة أو النظرة القطرية الضيقة القول إن احتلال العراق أخطر على الأمة العربية من احتلال فلسطين.

ذلك أن احتلال فلسطين منح عدداً من الأنظمة الرسمية العربية فرصة التقاطها الأنفاس، وكتمها أنفاس مواطنيها في ذات الوقت، وهي فرصة دامت عقوداً، فليس مثل فلسطين وقضيتها العادلة (تجارة رابحة) في العقود العربية الستة الأخيرة، بينما كان احتلال العراق عاملَ طعنٍ في شرعية الأنظمة التي سهّلت الغزو أو التي سكتت عليه، بل إسقاطاً لشرعية كل تلك الأنظمة التي قبلت بالاحتلال وتعاملت مع نتاجه المسخ. وإذا كان هناك في النظام الرسمي العربي من لم يسهّل الغزو، وهذا موجود، إلا أن الأنظمة العربية بكل أركانها شريكة في أوزار القبول بما ترتب عليه احتلال العراق، وعليهم، جميعاً، تحمل نتائجه، ولو بنسب متفاوتة.

كان غزو العراق ثم احتلاله عام 2003 نقطة فاصلة في حياة العرب، وليس من قبيل المبالغة أو النظرة القطرية الضيقة القول إن احتلال العراق أخطر على الأمة العربية من احتلال فلسطين.

وإذا كان احتلال فلسطين قد مكّن الصهاينة من اغتصاب أجزاء محدودة من أراضي الأقطار المجاورة لها وهدّد الأمن الوطني والقومي بشكل مفهوم ومحدّد، فإن الاحتلال الأميركي للعراق مكّن العدو الفارسي من احتلاله، وهو الملاصق لإيران، وثلاثة أقطارٍ غير مجاورة لها، وجعل الوطن العربي كله في فوهة المدفع الإيراني الذي يعيش القائمون على شؤونه حالة منقطعة النظير من الصلف والوقاحة وانعدام العقلانية وصورة متقدمة جداً لهوس المستعمرين وغطرستهم، وليس غروروهم فحسب، إلى حد التذكير بالامبراطورية الساسانية التي أسقطها العرب القادمون من شبه جزيرتهم القاحلة وهم حفاة جياع لكنهم مؤمنون بقضيتهم حدّ الموت دفاعاً عنها، وقد فعلوا.

كما أن الاحتلال الأميركي للعراق، وتالياً الإيراني، لم يقتصر على تهديد سيادة الدول واستقلالها، وإنما هدّد السلم الداخلي وضرب ركائز الأمن المجتمعي وأحال المجتمعات المستقرة إلى فوضى فيما أزاح الغلالة التي كانت تغشى مجتمعات أخرى تسعى إلى الاستقرار فجعلها عرضةً لأبشع أنواع التفتيت والتشظي والتشرذم.

ومن الحقائق التي لا خلاف بشأنها أن الاحتلال الصهيوني لم يستطع النفاذ إلى العقل العربي ولن يستطيع مهما حاول، فهو جسم شاذ يرفضه الجسم العربي ولا يمكنه التعايش معه، ودعكم من الخبال الجاري هنا أو هناك، وانعدام التطبيع الشعبي مع هذا العدو في مصر والأردن مثال جيد برغم انقضاء عقود من العلاقات الرسمية، بينما الاحتلال الفارسي متداخل بل متشابك، تخدمه عوامل القرب الجغرافي والتداخل المذهبي والثقافي وتغطّيه التقية الفارسية وتعمل لأجل تمكينه قوى عديدة ليس كلها من مذهبه الحاكم بالضرورة.

نعم، كانت لحظة احتلال العراق لحظة فارقة، ففي هذه اللحظة التاريخية بالضبط بدأ مسار انحدار النظام الرسمي العربي بالتسارع، بعد أن كان بدأ قبل ذلك طبعاً، لكن غياب بلد كالعراق بما كان يمثله من سندٍ وسدٍ، سرّع على نحوٍ خطيرٍ وواضحٍ من وتيرة ذلك الانحدار وصولاً إلى الانهيار.

لقد كشف الاحتلال الأميركي للعراق منظومة الأمن الإقليمي العربي أمام إيران، بل أسقطها تماماً، ودفع بالنظام الرسمي العربي إلى السقوط الكامل في مهاوي ما تقرّره المخططات المعادية، وهي غير خفية بالمناسبة، كما عجّل احتلال العراق من تعرّي هذه الأنظمة التي تاجرت بفلسطين عقوداً من الزمن وتغنّت بالأمن والاسقرار طويلاً، وكشف عن مقاتل جوهرية في صميم تكوينها وفي قلب بنيانها، ولأن الذي احتلّ العراق كان يحمي كثيراً من تلك الأنظمة وكان يعرف حقيقة تلك المقاتل ويعمل على إدامتها لا تحصين الدول أو حتى الأنظمة من شرورها، فقد سلّم مفاتيحها للعدو الفارسي في تخادمِ مصالحٍ واضح المنطلقات وواضح المرامي وواضح الأدوات.

مع احتلال العراق باتت كل بيوت العرب مهدّدة، وباتت كل قلاعهم مشرعة الأبواب، وباتت كل قصورهم مستباحة، وسقطت منظومة الأمن القومي العربي بالكامل، وسارع المنهزمون نفسياً إلى البحث عن ملاذات و ﴿لا عاصِمَ اليَومَ مِن أَمرِ اللَّـهِ إِلّا مَن رَحِمَ﴾ فلا جبلٌ يأوي إليه أحدٌ ولا سفينةٌ يتسلق إليها مشرفٌ على الغرق ولا سدٌّ يلوذ به هارب.

لم يقتصر الاحتلال الأميركي للعراق، وتالياً الإيراني، على تهديد سيادة الدول واستقلالها، وإنما هدّد السلم الداخلي وضرب ركائز الأمن المجتمعي وأحال المجتمعات المستقرة إلى فوضى فيما أزاح الغلالة التي كانت تغشى مجتمعات أخرى تسعى إلى الاستقرار فجعلها عرضةً لأبشع أنواع التفتيت والتشظي والتشرذم.

لقد سبق احتلال العراق مجيء جيلٍ من منظومات الحكم والمسؤولية في الوطن العربي عاشت في ظل الوفرة الاقتصادية والطفرات التقنية لكنها لم تتحمل أعباء الانتقال إلى العصر الجديد ولم تفهم معاني ذلك الانتقال وما يتطلّبه من مسؤوليات، بل وجدت نفسها تعيش فيه بالضرورة (منتفعة) من كل (خيراته) من دون أن تتحمل أكلافه.

وكان من عظيم الخطر أن معظم تلك المنظومات، وليسوا كلهم بالضرورة في الصف الأول من مواقع المسؤولية، تكوّنت في أجواء غير نقية، ونشأت في بيئات غير وطنية، بل وغير محلية أيضاً، لذا ترسبّت في عميق تكوينها الشخصي سموم عديدة وزُرِعت مطامع شتى وتكوّنت عقدٌ شخصية كامنة، زرعها فيها من ربّاها، ولم يكن الزرع عارضاً غير مقصود، بل كان زرعاً استراتيجياً بانتظار حصاد ثماره، وقد حصد الزارعون للأسف حصاداً وفيرا.

لقد صنع أصحاب القرار الحقيقي في العالم الاستعماري شخصية كثيرٍ من منظومات الحكم والمسؤولية في أقطارنا العربية على أعينهم وشكّلوها بإرادتهم، وبنوها على نحوٍ غير وطني، وبالطبع غير قومي، وزرعوا فيهم فكرة أن وصولهم إلى المواقع العليا له طريق واحد لا غير، وهو الإيغال في التغريب والابتعاد عن كل قيم الأمة والانقطاع الباتِّ عن جذور الصلة بها، والتشرّب ببراغماتية فجّة تضيع معها القيم وتنتفي المبادئ وتتلاشى الضوابط، لذا بات من المعتاد تماماً أن ترى في خطاب المعنيين، في شرق الوطن العربي ومغربه، مصطلحات متشابهة وقيماً متشابهة ورؤى متشابهة، وعلاقات بينية أو خارجية دفينة يحرّكها أصحاب القرار الفعلي من وراء ستار.

وصار الحديث عن انتماءٍ وطنيٍ جامعٍ وعن أمةٍ عربيةٍ واحدةٍ وعن قيمٍ إسلاميةٍ عليا حديثاً غريباً مستهجناً في معظم الأحيان، ويُقذف صاحبه بشتى التهم!

وبات المال العام نهباً بين يدي هذه المنظومات خصوصاً بعد الوفرة الاقتصادية وارتفاع المداخيل، فيما اعتُبٍر الحفاظ على شرف المسؤولية الوظيفية وقيمها شيئاً من الماضي المتحجّر ومكانه المتاحف!

رافق ذلك انحدارٌ في التعليم، حتى صار تِقنياً لا قِيمياً، وانحطاط في مؤسسات الإعلام التي باتت ترفيهية إعلانية وليست تربوية تعمل لتأدية مهامٍ وطنيةٍ وقوميةٍ تعمل على وفق رؤية تخدم مشروعاً سياسياً ناضجاً، وأين هو المشروع السياسي الناضج عند العرب منذ عقدين؟!

كما باتت الدولة مجموعة شركات وليست منظومة حكم رشيد تحمي مصالح الشعب وتصون سيادة الوطن، وهذا ما سرّع في تلاشي مفهوم الدولة وتنامي مفهوم الحكومة/ الشركة، والفرق بينهما كبير جدا.

واخترقت الشركات العابرة للحدود الوطنية، بل وللقارات، أسيجة المصالح الداخلية والقومية في معظم أقطارنا العربية، وهي أسيجة هشّة في الأصل، وباتت هذه الشركات تتحكّم بكثيرٍ من المفاصل الحيوية والعقد الجوهرية والنقاط الاستراتيجية.

والمتتبع لوسائل الإعلام العربية يلحظ من خلال ما ينشر فيها من أخبار مدى اهتمام مسؤولي الصف الأول والثاني في هذه الحكومات بالتواصل مع رؤساء مجالس إدارة هذه الشركات العابرة للحدود، ومدى الحرص على تمكينهم وفتح الأبواب أمامهم، بل وحتى التضاؤل أمامهم في بعض الأحيان.

وأُغرِقت أقطار الوطن العربي، وهي تسمية لم يعد يتذكّرها أركان النظام الرسمي العربي أبداً، أُغرِقت في نمط المعيشة الاستهلاكي والاقتصاد الرأسمالي بأبشع صوره.

وباستثناء حالات محدودة للغاية غاب الاقتصاد المنتج الذي يُدير عجلة التنمية الحقيقية والتطوير الجدي والنهضة الشاملة وليس الذي يُراكم أموالاً فقط توضع في أسواق الأسهم الأجنبية التي تُطيح بها وتلتهمها في متوالية واضحة تأتي بعد كل فورة اقتصادية تسبّبها وفرة أموال النفط الناضب.

وتزامن كل هذا مع انعدامٍ شبه تامٍ لمؤسسات التربية المجتمعية، فلا مجال لتربيةٍ اجتماعيةٍ عامة، وحيث لا يسمح للمؤسسات المعنية أن تبني جيلاً محصّناً ولا وجود لمؤسسات سياسية تغرس فكراً وطنياً نهضوياً قيمياً، كما تَهدّد دور الأسرة في التربية تحت مسميات حقوق الطفل وحقوق المرأة وحقوق الإنسان، والقصد في هذه الشعارات ليس منح تلك الفئات حقوقها، بل تعليمها على التمرد على القيم الأسرية والمجتمعية من جهة وتطويعها للمنظومات الحاكمة والمتسلّطة من جهة ثانية.

وجرى إغراق المؤسسات الدينية بالفرعيات وبالتشدد بقصد مراكمة فجوات بينها وبين المجتمع، وتعالت جدران التشدّد لدى هذه المؤسسات فصارت مكروهة أو مستهجنة، وفي أغلب الأحوال معزولة.

كما أُفرغت كثير من منظمات المجتمع المدني من محتواها الحقيقي وأُبعدت عن مهامها الأساسية في بناء المجتمعات، وباتت صدى لما تقوله منظومات الحكم أو مرتهنةً عميلةً للخارج ومؤتمرةً بأوامره منفذةً لمشاريعه وبرامجه، وهنا مقتلٌ كبيرٌ يجري غضّ النظر عنه في بعض الدول بإملاءات خارجية لا تخفى على عين الفاحص اللبيب.

وفي ظل خلطة الفوضى السحرية هذه غابت الهوية الوطنية وانعدم الانتماء القومي وذابت القيم الدينية الجامعة، وأشيعت بدلاً من ذلك مجموعة من الهويات الفرعية المشتّتة للمجتمعات، طائفية أو عرقية أو مناطقية، أو تلك التي لا لونَ لها ولا طعماً ولا رائحة، تحت مسمى الهوية الإنسانية والتعايش وقبول الآخر، وهي أفكار باهتة في حقيقتها، لأن الانسانية في حقيقتها لا تتعارض مع الهوية الوطنية أو الانتماءات القومية أو القيم الدينية، بل الحقيقة أنها، أي الهوية الانسانية، متضمَّنة في صميم كل تلك القيم الجامعة التي تعيش مع الآخر وتقبل به، وليس تتعايش معه فحسب.

رافق كل هذا سطوةٌ بوليسيةٌ ومنظوماتٌ مخابراتيةٌ وشللٌ ارتزاقيةٌ من النابحين والمطبّلين والمدّاحين، وبطاناتٌ تافهةٌ رعناءٌ مُنِحَت صفاتٍ استشارية وألقاباً تفخيمية أباحت الحرام وحرّمت الحلال ونسفت كل القيم وزيّنت كل قبيحٍ وبرّرت كل مستهجنٍ إرضاءً لشهوةِ المسؤول في التسلّط وشبقه في الامتلاك ورغبته في البقاء على كرسي المسؤولية، ولو من غير شرعية حقيقية.

والأدهى أن هذه المنظومات، المسمّاة عربية، والتي فقدت كل صلة بقيم الأمة العربية وتاريخها وإرثها ودينها، بل المتخاصمة مع تلك القيم والمجاهرة بعدائها، باتت هي من تمنح صكوك الشرعية لمن تشاء وتسلبها عمّن تشاء، وهي من تسمح للآخرين، أشخاصاً وأفكاراً، بالبناء والتأثير وحتى بالبقاء على قيد الحياة أو تسلبهم تلك الحقوق، والمواقف السلبية لهذه المنظومات المنسلخة أزاء الذين يرفضون السقوط في حبائلِ ما يُرسم من مخططات وما يُملى عليهم من قرارات مواقفُ مشهودةٌ لا تحتاج إلى كثيرِ تفصيل.

وبات تآمر أطرافٍ في النظام الرسمي العربي ضد أطراف أخرى في ذات النظام السمة الغالبة التي تحكم علاقات تلك المنظومات الحاكمة أو المتسلّطة؛ وليس التآخي والتعاون والتكامل.

ولسنا في حاجة للحديث عن مصائر أولئك الذين رفضوا السقوط في مهاوي تلك المنظومات وتمردوا عليها، فوقائع التاريخ تشهد، وما حلَّ بالعراق وبقيادة الرئيس صدام حسين نموذجٌ حاضرٌ للتخويف، والهراوة الأميركية جاهزة لسوقِ من يُطأطِئ رأسه والعصا الإيرانية تهشّ على الذين ارتضوا دور الخراف.

باتت الدولة مجموعة شركات وليست منظومة حكم رشيد تحمي مصالح الشعب وتصون سيادة الوطن، واخترقت الشركات العابرة للحدود الوطنية، بل وللقارات، أسيجة المصالح الداخلية والقومية في معظم أقطارنا العربية، وباتت تتحكم بكثيرٍ من المفاصل الحيوية والعقد الجوهرية والنقاط الاستراتيجية.

غير أن الأهمَّ من كل هذا الاستعراض، مع أن هذا العرض مهمٌ في ذاته، الأهم هو ما يقفز أمام الباحث من أسئلة يضعها بتجرّدٍ عميق:

  • هل كان كل ذلك مجرد خطواتٍ فردية غير مقصودة؟
  • وهل كانت تلك أخطاء طبيعية في إطار حركة التاريخ وتبدّلاته ليس إلا؟
  • وهل أن ما حدث كان انعكاساً لما جرى ويجري في العالم من تبدّلات؟
  • وهل أن سرعة التبدّلات الجوهرية في المحيط الإقليمي وفي العلاقات الدولية وبروز قوى جديدة في العالم كانت السبب الأهم وراء تلك التغيّرات الحادثة في أقطارنا العربية؟
  • أم أن ذلك كله كان تنفيذاً لمخططاتٍ جرى إعدادها بهدوءٍ وعلى وفق تراتبيةٍ زمنيةٍ سقط بها النظام الرسمي العربي عن عمدٍ بعد أن سِيق إليها راغباً أو راغماً أو كلاهما في آن معاً؟

أراني أميلُ إلى خلطةٍ من هذا وذاك، مع أسبقيةٍ مرجّحةٍ بقدرٍ كبيرٍ جداً للعوامل الخارجية، لأسباب عدة منها اتّساع حجم كوارثنا وتنوّعها وتمدّد خارطتها شرقاً وغرباً، لكنها عوامل ارتضى النظام الرسمي العربي لنفسه الخضوع لها كرهاً وطواعيةً في وقت واحد.

ففي هذه الأجواء، وبكل ما نعرفه من حقائقَ وما نجهله من خفايا، قرّرت النخب الحاكمة والمتسلّطة أن تختار طريقها بعيداً عن ضرورات الأمن الوطني والقومي وبات همّها الأوحد نهب ما تستطيع من أموال، وقضاء يومها فقط، ورائدها في ذلك (الحكمة) العبثية الغبية القائلة "نعيش يومنا فقط على هذا المنوال، وغداً نكرّر ما فعلناه، إذا بقينا إلى الغد".

لقد كانت القيادة العراقية قبل الاحتلال تُوصَم بأنها منقطعة الصلة بالعالم، وإذا كان صحيحاً ارتكابها أخطاءً في التواصل مع المجتمع الدولي فإن الأصحَّ هو أن القيادة العراقية كانت الأبعد عن منطق تلك المنظومات المنسلخة عن الأمة وتاريخها ووعيها وعن الرسالة التي يتوجّب عليها أداؤها، سواءً المنطق العلني أو الخفي لتلك المنظومات، وكانت لغتها مختلفة وأداؤها مختلفاً وقيمها مختلفة، بل حتى مظهرها كان مختلفاً، وكانت بحق قيادة وطنية المنطلقات والتوجهات وذات مشروع نهضةٍ حقيقي شاملٍ أفقياً وعميقٍ عمودياً، ولأنها كذلك أُسقِطت في مؤامرات أكبر من قدرتها على التحمّل، ولا تعفيها هذه الحقيقة من نصيبها في المسؤولية عما جرى.

وللدلالة على اختلاف قيادة العراق الوطنية عن ما حولها فإن مسؤولاً عربياً رفيع المستوى، وهو حيٌ يُرزق وسأبعث له هذه المقالة، التقى الرئيس صدام حسين، يرحمه الله، في زيارة سرية إلى بغداد قبيل غزو العراق والتقيته خلالها، أبلغني شخصياً وهو يروي لي تفاصيل زيارته السرية، بعد بضعة شهور عليها، أن "صداماً كان وطنياً شجاعاً صادقاً بعيداً عن الخيانة لكنه كان مختلفاً عن محيطه لأنه كان بعيداً عن النصائح الأخوية"!

  • فهل كان صدام حسين بعيداً فعلاً أم مُبعَداً؟
  • وهل كانت تلك (النصائح الأخوية) نصائح بحق وأخوية فعلاً؟!

بالطبع كان مُبعَداً وبالطبع أنها لم تكن نصائح أخوية، لأنها كانت على سبيل زجّ العراق في مهرجان التنازلات والاستخذاء والانبطاح المتواصل منذ أكثر من عقدين وليست على سبيل إنقاذه ودفع غوائل الشرّ عنه.

وهل كان العراق سيُحتلُّ لولا أولئك (الإخوة الناصحون)؟!

وهل ما وقع ويقع من قبل النظام الرسمي العربي يندرج تحت وصف الغباء فقط؟ أم أنه يقع في إطار العمى الاستراتيجي الشامل أيضاً؟

وهل هو غباءٌ وعمى استراتيجيٌ شاملٌ فقط؟ أم هو كل ذلك ومعه الخيانة في بعض أهم أركانه، الخيانة الرذيلة بكل معاني الكلمة؟

وأخيراً، هل تراني أجبتُ على سؤال الفاضل المتكرّم الذي أوردته في مطلع هذه المقالة، أم أنني ذهبتُ بعيداً وجانبتُ الصواب؟!

هذا ما رأيته وأنا أتلمّس سبيلي نحو الجواب، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.

 

web design & development by PIT Designs & Consultancy
cross-circle
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram